بيوت كثيرة في مدينة جسر الشغور بريف إدلب تستقبلك دون إذن، مشرعة أبوابها ونوافذها بعد أن سرقت محتوياتها، يخالها المار من الطريق بيوت تبنى من جديد بعد أن فقدت كسوتها أيضاً، كشوف الأبواب والنوافذ، بلاط الأرضيات والسراميك، وحتى أشرطة الكهرباء وصنابير المياه.

تجرّأ أشخاص في المدينة على بيوتها التي هُجر سكانها، وزادوا من مرارة النزوح باقتلاع ما لم تستطع الطائرات والقذائف هدمه، تاركين أصحابها بلا مأوى، حتى وإن سمحت لهم الظروف بالعودة.

لا تسرق هذه المنازل ليلاً، أحياناً في وضح النهار، دون رادع أو وازع، وبات كل بيت خال من سكانه عرضة للنهب.

حجارة مسروقة

لم يكتف اللصوص بسرقة أثاث المنازل الذي تركه أصحابه في رحلة نزوحهم بعد تعذّر حمله وتكلفة النقل وضيق الخيام، وتعدّوا ذلك إلى تجريد المنازل من كل شيء يستطيعون الحصول عليه، حجارة، بورسلان، جرانيت، أبواب ومنازل، سيراميك، بلاط والقائمة تطول.

السرقات تطال المنازل في جسر الشغور
السرقات تطال المنازل في جسر الشغور

يقول رفعت الأحمد، مهجر من مدينة جسر الشغور انتقل للعيش في الريف الشمالي منذ عدة سنوات هرباً من القصف العشوائي الذي تعرضت له المدينة، إنه وضع أثاث منزله في غرفتين، وقام بإغلاقها بالحجارة والإسمنت خوفاً من السرقة. 

لكن هذه الإجراءات لم تحم منزله من السرقة، إذ وجد بعد فترة من الزمن، وخلال تفقده لمنزله، أن أثاث مطبخه من الحجر والرخام مسروقاً، كذلك الرفوف والخزانات.

ويروي الأحمد أن جيرانه سمعوا أصواتاً تخرج من منزله لكنهم لم يتدخلوا ظناً منهم أن صاحب المنزل يجري إصلاحات لبيته كغيره من السكان، وإنه رأى أحد العاملين بتجهيز المطابخ من أبناء المنطقة يخرج من البيت، وهو ما زاد من حظ الأحمد في استرجاع ما سرق منه.

لم يكن حظ خالد العبدو مهجر من جسر الشغور أفضل من الأحمد، إذ تعرض منزله للسرقة وعاد على “العضم”، على حد قوله، إذ سرقت حتى المغاسل والحنفيات منه، دون أن يعرف غريمه.

حماية مؤقتة للمنازل

اجترح أصحاب المنازل حلولاً لحماية منازلهم خوفا من السرقة وفقدان أغراض وتجهيزات منازلهم.

يقول وليد بكور من مدينة جسر الشغور إنه بنى شرفة وباب المنزل بالحجارة قبل رحيله عنه، حتى لا يتمكن أحد من دخوله والعبث بما فيه، ومنذ أشهر أعاد فتح المنزل وقام بتجهيزه ثم تأجيره لواحدة من العائلات النازحة.

أما علي المحمد من مدينة جسر الشغور فقد وضع شبكاً حديدياً متيناً على باب الشرفة وباب المنزل، يقول إنه يتفقد منزله كل فترة ليتأكد من سلامته ووجود محتوياته.

شهود عيان 

تضم جسر الشغور سكاناً من مناطق مختلفة، كثر منهم لا يعرفون أصحاب المنازل الموجودة، وهو ما يحول دون قدرتهم على منع السرقات حتى لو شاهدوها، ظناً منهم أن أصحاب المنازل أنفسهم من يقومون بزيارة البيت أو الاستفادة من محتوياته وبيعها.

يقول حسن اللاذقاني، شاب مهجر من مدينة الحفة في اللاذقية، إنه وفي بداية سكنه في أحد المباني بجسر الشغور “كان المبنى خاوياً، لكن تدريجياً يأتي أناس جدد يصلحون المنازل ويسكنون بها، لا أعرف من يعمل في المنزل ويقوم بتكسيرالأثاث، إن كان سارقاً أو صاحب المنزل لجهلي بصاحب المنزل الأساسي، ولا يمكنني التدخل بكل ساكن جديد في المبنى لأنني في النهاية مستأجر ولست مالكاً”.  

محمد الشامي، مهجر من دمشق يسكن في مدينة جسر الشغور، يقول: “هناك الكثير من أصحاب المنازل في المبنى الذي أقطنه يطرقون عليّ الباب ويطلبون مني الانتباه إلى منازلهم، و في حال سماعي لأي صوت غريب في منازلهم أخبرهم وهذا ما أقوم به بشكل دائم”.

دوريات مكثفة في جسر الشغور 

يقول الرائد علاء عمران، قائد شرطة جسر الشغور، “تردنا بعض الشكاوى من المواطنين في مدينة جسر الشغور تخص سرقة بيوتهم المغلقة والمهجورة، وتكون أغلب السرقات للأثاث المنزلي الموجود ضمن هذه البيوت، والتي تكثر خلال حملات القصف الممنهج من قوات النظام على المدينة، ويعود السبب في ذلك لوجود أزقة ومناطق مهجورة بالكامل مما يهيء جواً مناسب لأصحاب النفوس الضعيفة للقيام بالسرقات”.

وأضاف عمران أن السرقات انخفضت في المدينة لعدة أسباب، منها تكثيف المخفر للدوريات الليلية وتمكنهم من إلقاء القبض على عدد من السارقين، وأيضا بسبب عودة نسبة جيدة من الأهالي إلى منازلهم وتقلص الأماكن المهجورة في المدينة، وبسبب التعاون الوثيق بين الأهالي و الشرطة و إعلام المخفر بأي أمر مريب يخص السرقة.

وعن آلية تعاملهم مع الشكاوى يقول: “بعد  ورود أي شكوى إلى المخفر تتحرك دورية فوراً لمكان السرقة لإجراء الكشف اللازم ومحاولة جمع الأدلة في حال وجودها.

 وبعد إلقاء القبض على السارق يحقق المخفر معه عن جميع السرقات التي أبلغ عنها وبعد اعترافه يحول السارق أصولاً للقضاء لينال الجزاء، وبحال وجود مسروقات يخبر المخفر أصحاب الشكاوى للتعرف عليها وإعادتها لهم، أو دفع تعويض للمتضررين يقدره القضاء في حال عدم وجودها من قبل القضاء المختص”. ويقدر عمران عدد شكاوى السرقات الشهرية في الوقت الحالي بثلاثة شكاوى.

تجهيزات المنزل المستعملة بيعها وشرائها

تختلف أسعار تجهيزات المنازل المستعمل، بحسب الجودة والنوعية، وكلما كانت خالية من العيوب كان السعر أفضل.

يقول عبد السلام أبو أحمد الذي يعمل في بيع وشراء تجهيزات المنازل المستعملة “إنه يشتري من الزبائن دون أن يسأل عن مصدر الأشياء المستعملة، لأن الكثير من العائلات المهجرة قبل خروجهم من منازلهم حملوا معهم كل ما يمكن فكه، وكلما ضاقت بهم الحال يبيعون أحد الأغراض لتأمين معيشتهم، إضافة إلى الأغراض الناجية من القصف التي يخرجها أصحابها خوفاً من سرقتها، لذلك يصعب عليه تحديد الأغراض المستعملة كانت مسروقة أم لا”.

وبالرغم من عدم وجود أسعار ثابتة في سوق المستعمل إلا أن أبو أحمد زودنا بأسعار تقريبية لمعظم الأدوات والتجهيزات عنده، يقول: “اشتري الأبواب المستعملة مثل أبواب المداخل من ٥٠ إلى ٧٥ دولار وبعد إصلاحها وتجهيزها أبيع الباب بنحو ١٠٠ دولار، أما أبواب المنازل الخشبية الداخلية اشتريها بنحو ١٠ دولارات، وأبيعها بنحو ٣٠ دولاراً بعد إصلاحها وبخّها، أما نوافذ الألمنيوم المسحوب فيصل سعر شراء النافذة إلى نحو ١٥ دولاراً والبيع إلى ٢٥ دولاراً، تزيد وتنقص حسب جودتها، أما عن  تجهيزات المطابخ كاملة من رفوف و خزن و حجر رخام و بورسلان يصل سعر شرائها إلى نحو ١٥٠ دولاراً ومافوق ،ويكون البيع من ٢٥٠ إلى٤٠٠ دولار، حسب جودة ونوع المطبخ،  أما مغاسل البورسلان يصل سعر الشراء نحو ١٠ دولارات والمبيع ١٥ دولاراً، وكل هذه الأدوات تخضع لتصليح وتعديل عليها قبل البيع”.

استطاع  رفعت الأحمد التعرف على مسروقاته واتفق مع سارقها على بناء مطبخة وإعادته إلى ما كان عليه، شريطة عدم إخبار الشرطة، بينما ضاع حق العشرات من أصحاب المنازل الذين فقدوا أثاث منازلهم التي تحتاج إلى مبالغ كبيرة لإعادتها إلى ما كانت عليه، وهو ما لا يطيقه أصحاب البيوت المهجرين، ما يعني بقاءهم بعيداً عن منازلهم في المخيمات أو المنازل التي نزحوا إليها.

 

المادة السابقةالفروج يتصدر موائد الطعام في إدلب وقوائم الأطباق في مطاعمها
المادة التاليةمصابو الحروق .. نريد أن ننظر في المرآة