أوقدت أم إبراهيم، مهجرة من يبرود في ريف دمشق إلى إدلب، النار تحت قدر نحاسي مركون فوق موقدة حطب حجرية أعدتها سابقاً للطبخ وصناعة المؤن، طلت القدر بالطين ليسهل تنظيف الشحار منه كما اعتادت بخبرتها الطويلة، وجمعت أغصاناً مكسرة وبقايا أوراق وأكياس من النايلون لتغذية النار، قبل أن تبدأ بإضافة حبات العنب الصغيرة ذات المذاق الحلو إلى القدر لصناعة المربى.

تقول أم إبراهيم إنها اشترت ست كيلوغرامات من بائع عنب متجول بعشرين ليرة تركية، غسلت حباته وفرزتها عن عناقيدها، لتضيف إليها ثلاث كيلوغرامات من السكر وقليلاً من الماء، ووضعتها على الموقد لتنضج على نار هادئة.

موقد تستخدمه أم ابراهيم للطهي وصناعة المربيات
موقد تستخدمه أم ابراهيم للطهي وصناعة المربيات

وتضيف أم إبراهيم أن ارتفاع أسعار الفاكهة التي تستخلص منها المربيات في العام الحالي حالت دون تنوع وجود المربيات في مؤونتها، كما في السابق، حالها حال غالبية ربات المنازل اللواتي تنازلن عن وجود المربى وصناعته أو اتجهن لشراء عبوات جاهزة منه، مصنعة محلياً أو مستوردة من تركيا.

شتوية بدون مربى

لم تصنع أم مصطفى، مهجرة من حلب، أياً من أنواع المربى للعام القادم رغم طلب أطفالها المتكرر لوجودها على المائدة، تقول إن “التكلفة العالية تحول دون تجهيز المربى لفطور صباحات الشتاء القاسية”.

تتنفق سيدات تحدثنا معهن، ومنهن أم مصطفى وأم إبراهيم، أن المربى بأنواعه كان رفيق موائد السوريين لعقود طويلة، خاصة المشمش والتين والورد والكرز، كان تصنعه السيدات في منازلهن بكميات وافرة، توزعه الأمهات على أولادهن وبناتهن ويخزنّ قسماً منه مؤونة للشتاء.

“كانت أيام بركة” تقول أم إبراهيم وهي تنتظر نضوج مربى العنب، تخبرنا أنها كانت تحضر ثلاث “تنكات” من “مقعود” التين في كل عام، وعشرة كيلو غرامات من مربى المشمش ومثلها من الكرز، إضافة لتشكيلة من أنواع أخرى، بينما اكتفت في هذا العام بصناعة مربى العنب، وتقديم النصح والاستشارة لمن يرغب بصناعة مربيات أخرى كلما طلبتها واحدة من جاراتها للمساعدة.

تقول أم مصطفى أن أنواعاً كثيرة من المربى لم تعد تصنع من قبل ربات المنزل لغلاء أسعار الفاكهة المستخدمة في صناعتها، وأن هناك أنواع أخرى كالعنب والمشمش ما زالت توجد على رفوف مطابخ قسم من السيدات، لكن بكميات محدودة وفي بيوت قليلة، إضافة لغلاء أسعار الغاز للطبخ والسكر أحد المكونات الرئيسة للمربى والذي يصل سعره إلى خمس ليرات تركية.

المُربيات الجاهزة

لا تستهوي فكرة صناعة مُربيات منزلية الشابة ولاء المقيمة في دير حسان، تقول إنها توفر على نفسها العناء بشراء مطربانات جاهزة من السوق، دون تكلف ثمن المواد والسكر والغاز والتعب. “المُربيات الجاهزة متوفرة في السوق بكثرة، وفي أي وقت، وبأسعار تقترب من كلفة تصنيعها في المنزل”.

تحرص ولاء على وجود صنف واحد على الأقل من المربى على مائدتها، فأطفالها يحبون مذاقه ويطلبونه دائماً، لكنهم لا يفرقون فيما إن كان مصنع منزلياً أو مشترى من السوق.

المُربيات الجاهزة تتصدر رفوف المحلات في إدلب
المُربيات الجاهزة تتصدر رفوف المحلات في إدلب

يقول أبو جميل، صاحب محل تجاري في إدلب، إنه يبيع كميات جيدة من المربيات الجاهزة يومياً، وإن الطلب عليها زاد على مختلف أصنافها، مثل الكرز والمشمش والتين والفريز والورد. وتتراوح أسعارها، بحسب النوع والجود، بين ٢٠ إلى ٣٠ ليرة تركية للكيلو غرام الواحد، وهناك عبوات صغيرة تزن نصف كيلو غرام بعشر ليرات.

تقول ولاء إن أسعار المُربيات الجاهزة تقترب من كلفة تحضيرها، إذ وصل سعر كيلو غرام المشمش لنحو عشر ليرات، والسكر بخمس ليرات، إضافة لما تحتاجه من غاز للطبخ، والتعب في صناعته.

تفرق أم إبراهيم بين المذاقين، تقول إنها اشترت أنواعاً من المُربيات الجاهزة لكنها تفتقد للطعم والنكهة التي تمنحهما المُربيات المصنوعة يدوياً، إضافة لفارق السعر، تقول أم مصطفى “الفاكهة غالية، ولكن أسعار المُربيات الجاهزة مضاعفة، إذ لا تزيد كلفة مربى المشمش على سبيل المثال عن عشر ليرات للكيلو الواحد، ويباع جاهزاً بعشرين ليرة”.

تضيف أم إبراهيم ملعقة عصير ليمون إلى مربى العنب وتتركه لساعات ليكتمل غليانه، قبل أن تنزل القدر وتتركه إلى أن يبرد قبل أن تعبئة في مطربانات زجاجية.

 

المادة السابقةالمواطن النقاق في حلب لا يلتزم بالدعاء اليومي
المادة التالية الحمص في أعلى أسعاره منذ سنوات.. “عين على صندويشة الفلافل وصحن الفتة”  
صحفية سورية تحمل شهادة في الإعلام من جامعة دمشق.