طوابير الخبز في حلب
طوابير الخبز في حلب

“عندما تعطي موظفاً 100 دولار وأنت تعلم أنه بحاجة لـ 500 دولار، فأنت تجعل منه موظفاً فاسداً”

برتراند راسل

أخبرني صديقي الموظف في إحدى الدوائر الحكومية التابعة لمديرية صحة حلب أنه يذهب إلى وظيفته بمعدل يومين أسبوعياً، بالتنسيق مع زملائه، بحيث لا يبقى المركز فارغاً من الموظفين. وقد ذكر لي أنه يضطر لدفع مبلغ 800 ليرة سورية عن كل يوم دوام، وثلاث ساعات من الانتظار والجري وراء السيرفيس ذهاباً وإياباً، إضافة للوضعية المزرية أثناء الركوب، وتفنن السائقين والمعاونين بـ (دحشهم) في الزوايا والأماكن الضيقة، إلى أن تتم عملية التخليل (صناعة المخلل) قبل الوصول إلى نقطة الوصول.

أكمل صديقي روايته بأن جوابه لمديره عن سبب الدوام التجميعي الذي يمارسه وزملاؤه كان بأن عليه دفع ثلث راتبه للمواصلات في حال الدوام اليومي، إضافة لتوقيع عقد أسبوعي مع أحد الخياطين لرتق ثيابه الممزقة، والكثير من طلاء الأحذية والتعاون مع إسكافي شاطر لإصلاح حذائه الوحيد، وأخيراً الوصول ليل كل يوم بعد ساعات من انتهاء الدوام الرسمي لقلة المواصلات وطول مدة المشي.

أذكر أنني بعد تخرجي، حاولت أكثر من مرة أن أكون ابناً للحكومة من خلال إحدى الوظائف المتاحة ضمن اختصاصي، ولكن محاولاتي باءت بالفشل، إلى أخبرني أحد الأصدقاء بأنه يعرف شخصاً يستطيع توظيفي بسهولة، وبأسعار منافسة، ولكن تساؤلي غير المشروع جعل صديقي يرغي ويزبد نتيجة جهلي بحواشي الكلام، والغايات الوظيفية النبيلة، حيث قال لي حرفياً:

كل موقع وظيفي بثمن، فالمواقع الباردة التي لا احتكاك لك فيها مع المراجعين، سيكون التوظيف سهلاً، لأن فيها العمل الكثير والبراني (رشاوى بلبوس هدية أو ثمن فنجان قهوة) قليل، أما أن تكون في مراكز مهمة فهي تكلف الكثير مثل قطاع البلدية والصحية والتموين، إذ يتوجب عليك أن تدفع بالتي هي أحسن للواسطة، لكي تدخل في زمرة الفاسدين والمرتشين وأصحاب النفوذ على رقاب المواطنين المتلاعبين بقوت وحياة البشر.

وقد طلب مني مبلغ 200 ألف ليرة في سنة 1999 (أزيد من أربعة آلاف دولار)، لأتحول إلى موظف فاسد، والحمد لله ما زلت إلى الآن ابناً غير شرعي للحكومة!

النق طريقنا

من يقول: إن النق لا يؤتي أكله، فقد كذب

فبعد ثلاث سنين من تلاطم الأسعار، وتخبط الدولار، وتوحش التجار، ونقيق الموظفين، وثغاء المدنيين، وعواء المتنفذين، جاء الفرج محملاً بالبركات والرحمات، من خلال مكرمة عظيمة برفع أجور الموظفين بنسبة 50 بالمائة، والمتقاعدين بنسبة 40 بالمئة، حيث أصبح الموظف الذي راتبه 75 ألف ليرة يستطيع شراء 375 ربطة خبز شهرياً، بعد أن كان يستطيع براتبه (50 ألفا) شراء 500 ربطة خبز، بعد رفع سعر الخبز بنسبة 100 بالمائة، إضافة لرفع سعر المازوت والبنزين والأدوية والمواد المدعومة مثل السكر والأرز، والأعلاف وغيرها، والمميز في قرارات الحكومة هي رفع أسعار المواد المدعومة قبل قرار زيادة الرواتب بأيام معدودة لتشكل ضربة استباقية تهوي بالمواطنين إلى الحضيض المعيشي.

أعلنت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك عن رفع أسعار الوقود والخبز، سبقتها وزارة الصحة برفع أسعار الأدوية، والزراعة برفع أسعار الأعلاف، وبين الوزارات الثلاث تضامنت وزارات أخرى مثل النقل برفع أجور التنقل والكهرباء بزيادة التقنين ورفع سعر الواط والمياه…

وتضاعف بموجب هذه القرارات سعر ربطة الخبز إلى ضعفين من المخبز وثمانية أضعاف في السوق السوداء، والأدوية بنسبة ٣٠٪، وطن الذرة العلفية ١٦٪، والعلف المخصص للأبقار بـ ٦٠٪، وأجور النقل الداخلي وسيارات الأجرة بنسبة ٢٠٪..

في عنق الزجاجة

شهدت حركة النقل في الأيام الماضية شللاً واضحاً نتيجة توقف أغلب وسائل النقل الصغيرة والمتوسطة ضمن المدينة عن العمل لعدم توافق أجور النقل مع التكلفة الحقيقية التي فرضتها الحكومة، حيث تم رفع أجور النقل بنسبة 20% بينما ارتفعت مادة المازوت المدعوم بنسبة تتجاوز 150%، مضافا إليها الهدر والتصليح وغلاء الإطارات والزيوت المعدنية وغيرها.

حتى السرافيس العاملة أصبحت تعمل بالحد الأدنى للوقت، وتختصر المسافات إلى النصف (وعلى عينك يا شرطي). إذ اكتفى سائقو سرافيس صلاح الدين والحمدانية وحلب الجديدة بنقل الركاب إلى ساحة الجامعة فقط، وبعد تفريغ الركاب تتحرك باتجاه باب جنين بوجوه جديدة وأغلب الأحيان بذات الركاب بعد دفع التعرفة مرة أخرى (واللي ما عجبو يروح يشتكي).

سرفيس الدائري الجنوبي قسم خطه إلى قسمين: الأول من الجامعة إلى الفردوس والقسم الثاني من الفردوس إلى الشعار. وفي المقلب الشرقي للمدينة سرفيس طريق الباب فعل ذات الأمر بنقل الركاب من آخر الخط (فروج الشرق) إلى الشعار، ثم من الشعار إلى باب جنين.

سرفيس هنانو ينقل الركاب إلى دوار الصاخور، ومرة أخرى من الصاخور إلى باب جنين. كل ذلك من أجل تعويض الخسائر المتلاحقة عموماً وضعف دخل القطاع الخاص خصوصاً.

ونتيجة شح المواصلات وتحايل السائقين على طرقهم وخطوط حركتهم وغلاء أجور التكاسي، فقد شكا العديد من الطلبة والموظفين والعمال معاناتهم بالوصول إلى مقصدهم في أوقات مناسبة.

وهنالك الكثير من الطلبة والموظفين وأصحاب المهن وغيرهم يضطرون إلى ركوب تكاسي الأجرة بشكل جماعي في الحالات الاضطرارية لتخفيف النزيف اليومي للدخل، والذي بات من المحال رتقه، في ظل انعزال الحكومة الرشيدة، في صوامعها البعيدة، للتحضير لقرارات جديدة، والتعبد والدعاء لله كي يرفع الغمة ويحفظ الأمة، من الأعداء والفتن، ومن الفساد والعفن، إنه على ذلك قدير.

 

المادة السابقةورشة نسائية مصغرة في إدلب تصدر البامية المجففة إلى الأسواق الأوربية
المادة التاليةالمُربيات الجاهزة تنافس مطربانات المؤن الغائبة