في أيار من العام 2016، تسلم عبد العلي علي العسكري مهامه كرئيس لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون الإيراني، بموجب قرار من المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي أوصى الرئيس الجديد بـ “القيام بالتخطيط وتطبيق الاستراتيجيات العامة والاهتمام باستقطاب الكوادر الثورية الفاعلة والحفاظ عليها، والاهتمام بالتواجد في الفضاء الافتراضي”.

نتج عن هذه التوصيات تعاوناً، على الصعيد الإعلامي، بين إيران وحكومة النظام في دمشق، بدأت أولى بوادره بإنتاج عملين دراميين مشتركين، قبل أن تهدي إيران النظام قناة فضائية نهاية العام 2017، أطلقت عليها اسم “العالم سورية”، لتكون ضمن سلسلة قنوات العالم الإخبارية الإيرانية، الناطقة باللغة العربية. وذلك لما حققته الأخيرة، بحسب بيمان جبلي (المسؤول في الإذاعة والتلفزة الإيرانية)، من نجاح في تغطية الأحداث السورية واكتسابها ثقة الشعب السوري.

بدأ البث التجريبي لقناة العالم سورية، هدية إيران للنظام السوري بمناسبة القضاء علىالإرهاب كما عنون تلفزيون المنار التابع لحزب الله اللبناني المقرب من إيران، في الخامس والعشرين من تشرين الثاني 2017، بهدف “بيان آمال وتطلعات الشعب السوري بعد نصره التاريخي وحكومته وأصدقائه على التنظيمات الإرهابية، وإظهار الصورة الناصعة للانتصار العظيم والتاريخي”، بحسب بيمان جبلي (المسؤول في الإذاعة والتلفزة الإيرانية، والذي قال إن القناة ” ستسعى لتشجيع الرأي العام على مساعدة ودعم سوريا، ومواجهة الحرب النفسية والإعلامية التي يمارسها الأعداء ضد محور المقاومة”.

في العام 2018، شملت العقوبات الأمريكية العسكري المتهم بـ “فرض رقابة على الكثير من وسائل الإعلام وبث اعترافات انتزعت بالقوة من سجناء سياسيين”، في الوقت الذي طغى على القناة التي أهداها للنظام الطابع السياسي المرتبط بإيران، من خلال برامج مثل “الصحافة الإيرانية”، والذي يركز على دور إيران السياسي في المنطقة، وإيران اليوم، الذي يرصد حياة وأضاع الإيرانيين، وأهم إنجازات إيران على المستوى المحلي. إضافة لبرنامج “المشهد اليمني” الذي يتناول الحديث حول الحرب اليمنية من وجهة نظر إيرانية، وبرنامج “حديث البحرين” و “استوديو لبنان” واللذان يعنيان بالمسار السياسي في البحرين وأخبار حزب الله اللبناني.

تولّت قناة العالم سوريا مهمة الدفاع عن النظام السوري والإيراني، وترويج دعايتهما بأخبار مفبركة أحياناً ومكذوبة أحياناً أخرى، في استخفاف لعقول السوريين، وفي استمرار لما تنتهجه جميع وسائل الإعلام الإيرانية والمدعومة من طهران من الدفاع عن المشاريع الإيرانية الدموية في المنطقة، والرد على معارضيها ومنتقديها بما يتوفر من كلام.

تبنّي رواية النظام حول الأسلحة الكيميائية

فقد نقلت القناة في تقرير لها صدر في التاسع من شهر نيسان 2020 رواية النظام السوري حول استخدام الأسلحة الكيميائية في بلدة اللطامنة بريف حماة، تحت عنوان ” دمشق: تقرير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية حول بلدة اللطامنة مضلل“، وسبق ذلك وتحديداً في التاسع عشر من أيار 2019 نقلها خبراً حول ما ادعى النظام السوري فيه “فبركة” وسائل الإعلام لهجوم كيماوي على بلدة “الكبينة” بريف اللاذقية تحت عنوان ” بيان لقيادة الجيش السوري حول فبركة خبر كيماوي اللاذقية“.

ومن خلال الخبرين السابقين نجد أن القناة أسهمت القناة بنقل ادعاءات النظام السوري من وجهة نظر واحدة، دون التثبت من المعلومات، أو الأخذ بعين الاعتبار التقارير والوثائق التي تم الاعتماد عليها، في التثبت من الهجومين الكيماويين، إذ حينها اتهم التقرير “منظمة حظر الأسلحة الكيميائية” بتزوير الحقائق حول استخدام مواد سامة في اللطامنة أيضاً، وبالخلوص إلى استنتاجات مزيفة ومفبركة. مؤكدة عدم امتلاك النظام السوري للأسلحة الكيميائية.

ونورد هنا أهم الدلائل والوثائق حول الهجوم:

يورد تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية في 217 هجوماً، كذلك وثق الأرشيف السوري 212 هجوماً باستخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا. كل ذلك بالرغم من مصادقة سوريا على معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية في العام 2013.

وفي هذا السياق، أصدرت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في الثامن من نيسان 2020 تقريرها الأول، والذي خلص بعد التحقيقات وإفادات الشهود، وتحليل الصور والفيديوهات، وصور الأقمار الصناعية وتحليل العينات ومواد أخرى حصل عليها الفريق من الأراضي السورية مباشرة، أن طائرتان حربيتان من نوع سو 22 ومروحية استهدفتا مدينة ومشفى اللطامنة بريف حماة بغازي الكلور والسارين السامين في ثلاث مناسبات (24 -25-30 آذار 2017). وأن هذه الهجمات نفذها عناصر يتبعون لسلاح الجو السوري (قوات النظام).

كذلك أوردت لجنة التحقيق الخاصة بالجمهورية العربية السورية ذكر استخدام الأسلحة الكيميائية على بلدة ومشفى اللطامنة، ضمن جدول باستخدام السلاح الكيماوي في سوريا.

وفي التقارير الرسمية لوزارة الخارجية الفرنسية، ضمن قائمة حول استخدام الكيمياوي في سوريا، إذ ورد ذكر استهدافين للطامنة بتاريخ (25-30 آذار 2017).

وفي التقرير الذي أصدره الأرشيف السوري حول استهداف المنشآت الطبية، ومنها اللطامنة بالسلاح الكيماوي، والذي تضمن البحث في المصادر المفتوحة، جمع، تحليل، والتحقق من الفيديوهات وإفادات الشهود، وإدراج هذه الفيديوهات ضمن قائمة المصادر المتاحة عبر الإنترنت بعد التحقق من صحتها.

كما أكدت وزارة الخارجية استخدام النظام السوري للسلاح الكيماوي في “الكبينة”، إضافة لتقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان، مدعماً بإفادات الشهود، وتقرير من مديرية صحة إدلب يشرح حالة المصابين الذين تم علاجهم في المشافي، ما يدل على استخدام السلاح الكيماوي فيها.

لقد اكتفت قناة العالم سورية بنقل ما قالته وكالة سانا التابعة النظام السوري، ولم تورد في هذا السياق أي أدلة تدل على النفي، سوى الهجوم والاتهامات بالادعاء والتضليل.

  آثار سوريا المنهوبة

أوردت قناة العالم سورية تقريراً بعنوان (10 آلاف موقع أثري تعرض للنهب في سوريا)، محملة، بحسب ما نقلته عن لقاء لقناة “سبوتينك” ما أسمتها “المجموعات الإرهابية المختلفة” المسؤولية عن “الكارثة الكبيرة” التي طاولت الآثار، نتيجة الاعتداءات عليها، من خلال السرقة والنهب والتدمير، وبيع المسروقات وتهريبها إلى دول أخرى.

تحدث التقرير عن مدن أثرية تدمرت وسرقت محتوياتها، مثل تدمر، ومتاحف مثل متحف معرة النعمان، وسرقة ستة آلاف قطعة أثرية من متحف الرقة، إضافة لدمار المناطق الأثرية والتاريخية في مدن مثل حلب وغوطة دمشق.

لا يذكر التقرير أي دور للنظام السوري، والشبكات المرتبطة به، حول ضياع ونهب وسرقة الآثار، أو تدميرها، ويحمل المسؤولية للفصائل العسكرية التي أسماها “المجموعات الإرهابية”، إضافة لما أطلق عليه “الاحتلال التركي”.

وفي هذا الصدد يوضح تقرير نشرته ديلي تلغراف البريطانية أن 80 ٪ من آثار تدمر بحالة جيدة، ولكن بعضها يحتاج للترميم، كذلك يوضح تقرير آخر، لموقع أثر برس، أن كامل آثار متحف حلب هي بحالة جيدة، نقلاً عن محمد حمود (المدير العام للآثار والمتاحف)، وهو ذات المصدر الذي تحدث عن الآثار المنهوبة في تقرير قناة العالم سورية، والذي قال إن القصع تم نقلها إلى دمشق لحمايتها، ليتم إعادتها من جديد.

ونفياً لما قاله تقرير قناة العالم سورية حول سرقة وتدمير متحف معرة النعمان، قال نظير عوض (مدير متاحف سوريا) إن جميع قطع المتحف بحالة سليمة باستثناء قطعتين من الفسيفساء، وإنه تم نقلها إلى مدينة حماه. كذلك أكد غازي علولو مدير متاحف إدلب لقناة آر تي الروسية المحابية للنظام السوري أن 90 ٪ من آثار المتحف سليمة.

لا يمكن إنكار الدمار الحاصل في المواقع الأثرية، إلا أن المسؤولية الأولى في تدميرها تقع على عاتق النظام السوري، والذي حول عدداً من المتاحف في حمص وإدلب وحلب ودير الزور، كذلك القلاع الأثرية إلى ثكنات عسكرية، بحسب موقع “مع العدالة”. ودمر العديد من المناطق بالطيران والقصف، والتي صنفت كمواقع أثرية. مثل الجامع الأموي في حلب، متحف معرة النعمان .

ويوضح تحقيق استقصائي مصور، لقناة الجزيرة، تحت عنوان (بوثائق وأدلة مسربة.. تحقيقجريمة ضد التاريخيكشف أسرار خفية عن نهب الآثار في سوريا)، ضلوع النظام السوري وشبكات تابعة له بعمليات تهريب، سرقة، وبيع الآثار، سواء في المناطق الخارجة عن سيطرته، أو تلك التي لم تخرج عنها. ومنها آثار تعود لمتحف الرقة وحلب، ومسؤولية النظام السوري عن ضياع قسم كبير من الآثار، وتدمير المواقع الأثرية.

كما يؤكد تقرير صدر عن مؤسسة جيردا هنكل الألمانية وجمعية حماية الآثار في فرنسا، أعده الأكاديمي السوري شيخموس علي، حول أحوال المتاحف السورية، تعرض مواقع أثرية ومتاحف للقصف من قبل قوات النظام السوري، كذلك الاستيلاء وسرقة آلاف القطع الأثرية من قبل متنفذين يتبعون للنظام السوري أيضاً، أيضاً تحويل عدد منها إلى ثكنات عسكرية.

كورونا وتفجير بيروت 

تحدثت تقارير نشرتها قناة العالم، خلال انتشار فيروس كورونا، تقارير عديدة حول دور إيران في مواجهة الفايروس، وتحولها إلى واحدة من الدول الست التي تنتج اللقاح، وقالت إن ست لقاحات تعمل إيران على إنتاجها، بخبرات محلية، وأن اثنتي عشرة دولة تقدمت بطلبات للحصول على لقاح “كوف إيران بركت” المضاد للفايروس بعد حصوله على الترخيص اللازم.

البحث في الوسائل المتاحة لم يوصلنا، وبتغيير كلمات البحث المفتاحية، وفي مختلف المواقع الناطقة بالعربية إلى أسماء هذه الدول، كما لم يتم التصريح عنها في متن التقارير الخبرية التي نقلتها مواقع موالية لإيران أو تابعة لها، ومنها قناة العالم سورية، وجميعها اكتفت بنقل كلام رئيس لجنة الصحة والعلاج في مجلس الشورى الإيراني حول هذه الطلبات واللقاح.

وتحدث تقرير نشره موقع “إيران إنترناشونال” نقلاً عن “كيانوش جهان بور، المتحدث باسم منظمة الغذاء والدواء الإيرانية” في أيار الماضي، أن كثيراً من الشركات الخاصة تقدمت للمنظمة بهدف الحصول على تراخيص لاستيراد لقاحات كورونا من الخارج.

وأنه، ورغم معارضة الخامنئي لاستيراد لقاحات أميركية وبريطانية، وترويج المؤسسات الإعلامية التابعة للمرشد والحرس الثوري لعدم استيراد اللقاح، قامت الحكومة باستيراده مؤخراً من دول أخرى مثل ألمانيا وهولندا، وشراء ثلاثة ملايين جرعة من لقاح كورونا الصيني كما أن اسم لقاح “كوف إيران بركت” لا يوجد ضمن قائمة اللقاحات المعتمدة من قبل منظمة الصحة العالمية المنشورة عبر موقعها الإلكتروني، والتي يتم تحديثها دورياً. كما نشرت فرانس برس تقريراً فنّد ما تداولته وسائل التواصل الاجتماعي عن اعتماد اللقاح الإيراني في منظمة الصحة العالمية.

صيغة الخبر المضللة والذي تناقلته وسائل إعلامية، ومنها قناة العالم، دفعت أشخاص لتداول هذا الخبر ونقله دون التثبت من حقيقته، خاصة وأن قناة العالم سورية نقلت في خبرها أن اللقاح حصل على التراخيص اللازمة دون أن توضح، إن كانت جهة الترخيص محلية أم منظمة الصحة العالمية، كذلك دون ذكر لأن اللقاح ليس في القائمة التي تنشرها المنظمة.

وعن تفجير بيروت العام الماضي، نقلت قناة العالم سورية وجهة نظر واحدة من بوابة إيران وحزب الله اللبناني، متهمة على لسان “حسن نصر الله” من أسمتهم الجماعات اللبنانية الداعمة للمسلحين في جرود عرسال بالمسؤولية عن هذه الشحنات”، ناقلة بذلك رواية حزب الله عن الحادثة، ومغفلة عشرات التحقيقات والوثائق التي انتشرت وأشارت لتورط حزب الله ومسؤوليته عن هذه الشحنات، وسنورد بعضها:

في تقرير لقناة الحرة بعنوان “بحضور سليماني.. تقارير استخباراتية توثق إدخال حزب الله لشحنات من الأمونيوم إلى لبنان”، نقلت عن صحيفة فيلت الألمانية شراء حزب الله في الفترة ذاتها شحنات من نترات الأمونيوم استخدمها مراراً وتكراراً، ثلاثة من هذه الشحنات تلقاها حزب الله وكان المسؤول عن تسليمها الحرس الثوري الإيراني، في يوليو 2013، وأكتوبر من العام ذاته ، ونيسان 2014، نحو 630 طناً ، نقلت واحدة منها على الأقل “ماهان إير” شركة طيران إيرانية خاصة.

وورد في تقرير نشرته قناة الجزيرة نقلاً عن منسق شؤون الإرهاب في الخارجية الأمريكية إنه لا يستبعد الربط بين الانفجار وحزب الله، كذلك في تحقيق نشرته قناة العربية بعنوان “بين نصر الله والأسد.. أسلحة ونترات أمونيوم ولغز تفجير مرفأ بيروت”، جاء فيه عدة وثائق حول الشحنة ووصولها ودخولها مرفأ بيروت، ودور حزب الله وإيران وسوريا فيها.

كما نشرت صحيفة القدس العربي تقريراً حول شهادة أحد الأشخاص في المرفأ نقل نترات الأمونيوم إلى الجنوب اللبناني،  ونديم قطيش في الشرق الأوسط والذي تحدث عن تورط حزب الله في هذه الشحنات، إضافة لعشرات التقارير والتحقيقات الأخرى التي تشير إلى إمكانية تورط حزب الله في هذه الشحنات.

كل تلك التقارير لا يرد ذكرها في قناة العالم سورية، والتي اكتفت خلال تغطيتها لتفجير بيروت بنقل ما لا يتهم حزب الله او يشير إلى تورطه، ولو على سبيل تحقيق التوازن في التقرير الصحفي أو تفنيد الادعاءات.

هذا التحقيق لفرحات أحمد وينشر بدعم من مشروع أضواء وإشراف الزميل زيد مستو

المادة السابقةالنظام يجدد استيلاءه على أراض في ريف حلب الجنوبي
المادة التاليةزراعة الفطر باستخدام التبن وأكياس الخام والبيوت البلاستيكية
صحافي سوري مهتم بالبيئة وحقوق الإنسان.