أثناء وجودنا في مشفى الحكمة بمعرة مصرين فتح موظف القبول رقم الواتس آب المخصص لحجز المرضى، والذي يستقبل الرسائل عادة بين الساعة الثانية عشرة حتى الساعة الثانية ظهراً، لكن الموظف المسؤول أغلق باب التسجيل بعد دقيقة واحدة فقط، وأخبر المدير أنه لم يعد بالإمكان استقبال أعداد جديدة، بعد تلقيه خلال الدقيقة الأولى، ثلاثمئة وسبعة وأربعين رسالة حجز، في حين يستطيع المشفى استقبال ستين مريضاً يومياً، وهو ما يعكس حجم الضغط على المشافي المختصة بعلاج الأمراض العينية في إدلب.

يوجد في إدلب ثلاثة مشافي عينية تحوي أجهزة للعلاج بالليزر، وهي مشفى الحكمة في معرة مصرين، ومشفى ابن الهيثم في باريشا، ومشفى باب الهوى الذي يعمل بطاقة محدودة نتيجة تعطل أحد أجهزة الليزر.

تقدم المراكز خدمات العلاج بالليزر كافة، بأجور رمزية، إذ يتحمل المريض تكلفة الأدوية أو المستلزمات الطبية غير المتوفرة ضمن المركز لضمان استمرارية العمل، يتقاضى مشفى ابن الهيثم  خمسين دولاراً على جلسة فاكو واحدة، وعشرة دولارات لجهاز ياك، وخمسة عشر دولاراً لجلسة أرغون، وهو ما ضاعف من إقبال المرضى على المشافي المجانية وتسجيلهم ضمن دور قد يمتد لأكثر من سنة.

يقول جمعة العلي إنه ينتظر دوره في قسم العينية بمشفى باب الهوى منذ عام ونصف العام لعجزه عن تدفع تكاليف العلاج في المشافي الخاصة، فأجرة العملية في العيادات الخاصة لجهاز (فاكو) المخصص للمياه البيضاء تصل إلى مئتين وخمسين دولاراً لكل عين، أما تصحيح الحول فيبلغ نحو مئتي دولار ومثلها لجلسات (الأرغون) الليزري المخصص لاعتلال الشبكية، و(ياك) المستخدم في علاج الزرق وتكاثف محفظة العدسة.

يقول عبد الكريم حداد “مدير عام مشفى ابن الهيثم” إنهم وضعوا شروطاً ومعايير لقبول المرضى، مثل توفر إحالة طبية من طبيب مختص تظهر حالة المريض وأهمية العملية، حتى يتم تسجيله حسب الأصول ومنحه دوراً في العمليات بهدف تحديد أصحاب الأولوية ومنحهم خدمات المشفى قبل تدهور حالتهم الصحية بشكل أكبر.

يراجع مشفى ابن الهيثم بين سبعين إلى مئة مريض يومياً، ويجري نحو عشرة عمليات، إذ يخضع مرضى الحالات المستعجلة للعملية مباشرة، بينما يضطر بقية المرضى لانتظار دورهم لمدة قد تصل إلى شهر ونصف الشهر، بحسب الحداد.

يرجع مازن غزال (المدير الإداري لمشفى الحكمة) سبب انتظار المرضى لفترات طويلة، إلى ضعف إمكانيات المشفى ونقص الكوادر، وهو ما يجبر المشفى على إجراء العمليات ضمن أوقات محددة، إضافة لنقص الأجهزة، يقول “يوجد في مشفى الحكمة جهاز طبوغرافيا و جهاز أو ستين، ولا يوجد أجهزة  مجانية مماثلة لهذه الأجهزة في كافة مناطق المعارضة، ما يعكس حجم الضغط على هذين الجهازين”، ويتخوف الغزال من تعرض أحد الأجهزة للعطب، ما يعني توقف العمل بشكل كامل حتى إعادة صيانته من جديد.

ويضيف إن مشفى الحكمة يعمل منذ 2015 وعلى ذات الأجهزة، وقد تهالك بعضها نتيجة الضغط المستمر منذ ذلك الوقت دون توفر بديل أو صيانة دورية، لأن توقف أي جهاز يعني تأخير دور المرضى المسجلين على هذا الجهاز شهرين إضافيين، إذ لا تتوفر الصيانة في الداخل، كما أن كلفة الصيانة المرتفعة تدفع إدارات المشافي للانتظار لحين توفر الدعم اللازم لها.

ويرى الغزال أن زيادة عدد الأطباء وفنيي البصريات تساهم بشكل كبير في تخفيف الضغط على المشافي، وتؤمن علاجاً لضعف أعداد المرضى المخدمين حالياً.
راجع مشفى الحكمة في الفترة الواقعة بين نيسان 2020 وآذار 2021 نحو اثنين وخمسين ألف مريض، ويجري المشفى نحو أربعمئة وخمسين عملية شهرياً، لكن المنظمات الداعمة تولي الأهمية للاختصاصات التي ترى بأنها تهدد الحياة بشكل مباشر.

المعاناة نفسها تعيشها إدارة مشفى ابن الهيثم، إذ يقول عبد الكريم حداد، إن جهاز القطع الزجاجي معطل في المشفى منذ مدة، ما يجبر المرضى على اللجوء إلى المشافي الخاصة ودفع ثلاثة أضعاف الكلفة المدفوعة في المشافي العامة.
تتعذر صيانة الأجهزة في مناطق المعارضة وتضطر إدارات المشافي لإرسالها إلى تركيا وتحمل نفقات النقل وقد يطول انتظار إصلاح الجهاز وعودته للخدمة، وفي الوقت نفسه لا توجد أجهزة بديلة.

ويقول الطبيب حميدو الحميدو، اختصاصي الأمراض العينية وجراحتها، إن مناطق إدلب بحاجة لخمسة مراكز عينية على الأقل، وقد طالبنا، مرات عديدة، بافتتاح مراكز جديدة في التجمعات الكبرى، كإدلب المدينة وسرمدا وسلقين، ما يساهم بالتخفيف عن كاهل المرضى المنهكين مادياً، ويطيل بعمر الأجهزة المتوفرة في تلك المراكز.

ويرى أن ضغط المراجعين على أجهزة العلاج بالليزر ينعكس بشكل سلبي على المرضى الأكثر حاجة، فالمريض يجب أن ينتظر شهوراً حتى يصل دوره للعملية، أو يبحث عن مريض  متغيب يمكن أن يأخذ دوره كما حدث مع الحاجة حياة، والتي تمكنت من إجراء العملية في وقت متقدم نتيجة تخلف أحد المرضى المسجلين عن دوره في العملية، لكن هذا تطلب منها الحضور إلى المشفى  في الساعة السادسة صباحاً من كل يوم وعلى مدار ثلاثة أيام في الأسبوع، حتى تمكنت من العثور على شاغر، وكتبت لها الرؤية مرة ثانية، بعد أن فقدت البصر في عينيها بسبب نزول المياه البيضاء إليها.

يأمل القائمون على مشافي الأمراض العينية أن تولي المنظمات الإنسانية رعاية أكبر لتلك المشافي بحيث يتم مضاعفة أعداد كوادرها، وشراء أجهزة احتياطية ما يؤمن خدمة لضعف أعداد المرضى واستمرارية في العمل.

المادة السابقةطائر الفري إنتاج وفير يعبر مدن الشمال السوري عبر “واتس آب”
المادة التاليةالتبغ الوطني وتدجين المواطن