“كل شيء تبدل من حولي، حتى الهواء راح ينساب في رئتي وحده دون مقاومة”، أوجز عبد الكريم البيوش ما كان يعتمل في داخله، لحظة خطا أول خطواته في إدلب، قادماً من تركيا في إجازة العيد التي طال انتظارها لثلاث سنوات مضت.

هناك برزخ بين المكانين، يختلف فيهما حتى طعم الماء والهواء، يُلبسه الحنين إلى الأهل ومسقط الرأس شكلاً من الأحلام والصور المرسومة في الذاكرة، كما يشتهي القادمون لا كما هو الواقع الذي، وفي حلم مضاد، يأمل من يعيشونه بالخلاص إلى مكان أكثر أمناً وراحة.

غربة داخل غربة يعيشها الساكن في الشمال السوري، بعيداً عن قريته التي بات الوصول إليها حلماً إثر خسارتها أو تهجيره القسري منها، ليحمل صفة نازح، يشاركه في ذلك القادمون الجدد من تركيا، ويزيد عليها صفة (لاجئ) مطعمة بوصف (ضيف)، وهو يبحث عن “الكيملك” ليثبت انتماءه من جديد.

لسنا سياحاً أو ضيوفاً، يقول من تحدثنا معهم، نحن أبناء هذه المدن وسكانها، يحاولون استعارة ما يمكنهم من صور لحياتهم الماضية في المكان، يسألون عن أشخاص وأماكن قديمة نسيها حتى من بقي في المكان. هي لعنة المألوف والاعتياد، أما الحفر في الذاكرة فذاك اختصاص من يريد إثبات هويته دائماً، وفي كل تغير للصور التي جهدوا بالحفاظ على تفاصيلها والمحافظة عليها داخل ذاكرتهم، كانت الصدمة مضاعفة، خاصة، إن ترافقت مع لامبالاة من المجيبين على أسئلتهم.

يلفت نظر عبد الكريم، الكثافة السكانية والازدحام الكبير الذي رافقه إلى كل مكان قصده، من سرمدا إلى إدلب مروراً بسلقين “لم تكن الصورة مشابهة لما عرفته قبل مغادرة البلاد”، مئات الآلاف تجمعوا في مكان ضيق مزدحم، تناقصت المساحات الخضراء على الطرق، الأبنية زادت وتغيرت أشكالها إلى مبان طابقية في معظمها.

“التهجير وضيق المساحة أوجدا هذا الازدحام”، يقول البيوش. رافق الازدحام حفراً ومطبات كثيرة غزت الطرق المزدحمة وتسببت باختناقات مرورية لا تشبه ازدحام السيارات في شوارع كفرنبل، مدينته التي احتلت ولم يستطع العودة إليها أو زيارتها.

الفقر سمة أخرى بدت بملامح أكثر وضوحاً، الخيام المهترئة، الأطفال الذين يعملون بجمع البلاستيك، الشوادر التي كست منازل على العضم وتحولت إلى مساكن، الملامح اليائسة على وجوه السكان أيضاً، والحديث الدائم عن الغلاء وارتفاع الأسعار، كل تلك المشاهد وغيرها تشي بتغير أحوال السكان إلى الأسوأ.

عند وصوله إلى غرفة أهله في مخيم دير حسان، كان مشهداً جديداً بدأ بالارتسام ليأخذ مكان صورة منزلهم القديم المتخيلة، ثلاثة أمتار طولاً ومثلها عرضاً هي حصة عائلته من الأمتار المربعة التي بقيت لما يزيد عن ثلاثة ملايين ونصف المليون من النازحين والمهجرين والسكان. غرفة بحمام ومطبخ لا يتسعان لشخص واحد وقوفاً، المقارنة هنا بدت مستحيلة، “يفوق ما رأيته ما كنت أتخيله خلال محادثاتي الهاتفية مع عائلتي، حتى الصور لم تكن لتنقل الحقيقة، الحقيقة أعمق من ذلك بكثير”. تلك “بلاد لم تعد صالحة للسكن”، يستذكر البيوش تلك المقولة التي سمعها من أحدهم وأراد الابتعاد عنها والهرب بعيداً.

في نوبة من الحنين يصف رسلان الرسلان، عائد آخر إلى إدلب بعد غياب خمس سنوات قضاها في تركيا، بالمكان الأفضل، أبدى إعجابه بالمعاملة الحسنة ونوعية الخدمات التي رافقته خلال دخوله من معبر باب الهوى، خلافاً لما عاشه في القسم التركي من المعبر.

يقول إنه انتقل إلى عالم آخر يعرفه جيداً، الألفة في كل شيء، اللغة ووجوه الناس والملابس والطرق والهواء ومذاق الطعام، “لا ينقص هذا المكان سوى طرقات واسعة والتخفيف من الازدحام وفرص العمل”، يقول الرسلان متفقاً مع البيوش، ليضيف “أن أضم عائلتي التي تركتها منذ زمن، أعيش معها العيد وأسمع أخبارهم، كل ما يعنيني، تبقى الأشياء الأخرى تفاصيل، سواء كان اجتماعه بهم في مخيم باريشا أم في منزلهم القديم بكفرنبل” مع نكهة غائبة لمدينته التي يقول إنه “لا يوجد ما يشبهها أو ينازعها مكانها في قلبه”.

أم عمر (57) عاماً، من خان شيخون بريف إدلب الجنوبي، قضت سنواتها السبع الأخيرة في تركيا بعيدة عن بلدها ومدينتها، وصفت لحظة دخولها الأراضي السورية “متعة حقيقية، وفرحة لا توصف، كيف أصف لكم فرحة لقائي بأولادي وبناتي، اعذروني فالكلام يعجز عن التعبير”.

ما أثار حفيظة أم عمر وحزنها، مشهد الأطفال في العيد تلعب في المخيمات وسط الأتربة والغبار والشمس الحارقة، فلا أماكن عامة ولا ساحات عيد نظيفة، كحال الأعياد التي عرفتها لاحقاً في غربتها، تقول “الأطفال هم الخاسر الأكبر في هذا الوضع المأساوي، وكيف لنا أن نفرح وأطفالنا في هذا البؤس والفقر”.

لا يخفي سامر (32) عاماً، مدى سعادته بلقاء زوجته وأبنائه الصغار، في منزلهم ببلدة اسقاط في الشمال السوري، بعد غياب دام عامين ونصف العام، كانت مراسلات الهاتف هي الوسيلة الوحيدة التي تعينه على تحمل عذاب الابتعاد عنهم. يقول سامر: “يكفيني من العيد كلمة بابا تنطقها ابنتي الصغيرة، والتي كانت بعمر الشهرين حين مغادرتي، سعادتي فاقت كل وصف”.

“لم يبق شيء على حاله”، يقول سعيد من ريف حلب الشرقي “فقدت أساسيات الحياة بشكل شبه كامل، هناك حالة من النزاع على البقاء، الكهرباء والماء والوقود وارتفاع الأسعار ودرجات الحرارة العالية، كل ذلك يدفعك إلى العجز والهرب”.

يحصر سعيد الفائدة الوحيدة من زيارته برؤية أمه، ما دون ذلك ليس هناك “طعم لشيء” على حد قوله، الوجوه تغيرت والناس في حالة استنفار دائم، نادراً ما تجد ابتسامة أو جلسة يضحك فيها أصحابها وهم يستعيدون شيئاً من الماضي، “شعرت بغربة مضاعفة في بيتي القديم، هو إحساس مضاعف بالغربة أشد قسوة من غربتي في تركيا”.

على حقائبهم يجلس زائرون في انتظار السماح لهم بالعودة، بقدر استطاعتهم يحاولون التخفيف من واقع تعيشه عائلاتهم، وجاهدين يحاول الأهالي نقل شعور الراحة لأبنائهم، لكن الصورة قاتمة والعجز يسكن في جنبات الخيام.

المادة السابقةوتد تهيمن على سوق المحروقات في إدلب دون رقابة أو منافسة
المادة التاليةطائر الفري إنتاج وفير يعبر مدن الشمال السوري عبر “واتس آب”