فجر كل يوم يحضّر أبو رائد الحليب وهو يفكر بالمخيم الذي سيقصده ظهراً منذ أن تحول إلى بائع بوظة متجوّل .

قبل أن ترتفع درجة حرارة الظهيرة، يتفقد أبو رائد آلة البوظة المركونة في صندوق الشاحنة، الوقود اللازم للمولدة، يتأكد من لباسه والقطع النقدية المعدنية في جيبه، باحثاً عن رزقه.

كل شيء جاهز قبل انطلاقه في الساعة العاشرة من مخيم اللطامنة في دير حسان، مكان سكنه، ليختار وجهته بين المخيمات التي تسمح له بالدخول، يحدد اتجاهه صور الأطفال المتجمعين حول آلة البوظة.

الحرارة المرتفعة أفرغت شوارع المخيم من السكان إلا من ضجيج إذاعة أبو رائد وندائه المتكرر ” يالله عالبوظة، قشطة وحليب يا بوظة، فريز وحليب يا بوظة” مجموعة عبر مكبر الصوت، لتكون بمثابة إعلان رسمي يخبر الأطفال بوصول بائع البوظة المتجوّل إلى مخيمهم.

فرضت حياة المخيم وقلة عدد المحلات وبعدها عن المدن وجود باعة متجوّلين لمختلف المنتجات، ألبسة، خضار، مواد تموينية، ومنتجات موسمية كالبوظة في أيام الصيف. وساهمت هذه المهنة في تأمين مصدر دخل للعاملين بها.

بائع بوظة متجوّل في واحد من مخيمات إدلب
بائع بوظة متجوّل في واحد من مخيمات إدلب

يستمر موسم باعة البوظة المتجوّلين لأربعة أشهر تبدأ من حزيران وحتى نهاية أيلول، بحسب أبو رائد الذي ينتقل شتاء لبيع الألبسة.

تسرع الفتيات الصغيرات والصبية، في “مخيم رحماء” الذي اختاره أبو رائد كوجهة له، باتجاه السيارة بعد أن ملأ نداؤه  أرجاء المخيم في منطقة كفر لوسين، يتجمعون حوله، يطلقون عليه “عمو أبو البوظة”، يقول إنه يحب هذا الوصف أكثر من بائع بوظة متجوّل ، يمدون أيديهم بالقطع النقدية من فئة الليرة ونصف الليرة التركية، يحتالون على أمهاتهم لشراء قمع ملون بنكهة الفريز المحببة.
 

يصف أبو رائد هذه الفرحة بأجمل ما يحصل عليه بعد تعبه طيلة النهار، تَعلق في ذهنه أغانيهم له وصياحهم عليه وانتظار قدومه في فترة الظهيرة من كل يوم. 

جهز باعة بوظة متجوّلين سياراتهم بآلة آيس كريم ومولدة وفريزة، ليستغل فصل الصيف ببيع المثلجات للأطفال ضمن تلك المخيمات.

بعد نزوحه من معرة النعمان فكّر باستثمار سيارته المركونة أمام باب الخيمة، يقول “إنه اشترى ماكينة البوظة بألف ومائة دولار، ومولدة كهرباء بمئتين وخمسين دولاراً و”فريزة” التبريد بمائة دولار لتصبح  سيارته جاهزة لبيع البوظة”. 

ثبّت أبو رائد في صندوق سيارته الخلفي آلة صنع البوظة بواسطة حبال متينة، ووضع قربها فريزة التبريد لحفظ الحليب طيلة النهار، وعلى الطرف المقابل مولدة كهرباء لتشغيل الأجهزة.

تتألف آلة صنع البوظة التي يستعملها أبو رائد  في قسمها العلوي من حوضين لوضع الحليب والنكهات الأخرى، يتسع كل منهما لثماني ليترات من الحليب.

على واجهتها ثلاثة مقابض تخرج منها ثلاث نكهات مختلفة من البوظة، اثنتين أساسيتين  كالحليب والفريز أو الشوكولا وواحدة مختلطة بنكهتين معاً. 

يحتفظ أبو رائد ضمن ثلاجته بكميات من الحليب التي جهزها مسبقاً في منزله بعد غليها وإضافة السكر و السحلب و نكهة الفريز لقسم منه، ثم يضعها في الآلة على دفعات إلى أن تنتهي الكمية التي جهزها مع نهاية جولته المعتادة. 

ليس كل باعة البوظة المتجوّلين يملكون ما يشترون به آلة البوظة ومستلزماتها، ويعتمدون على شراء المثلجات الجاهزة من المعامل والمحلات وبيعها في المخيم.

نقود قليلة يحصل عليها (أبو ابراهيم) بائع بوظة متجوّل ، يقول إن يشتري الكيلو غرام الواحد منها بنحو خمس عشرة إلى عشرين ليرة تركية، يضعها في “ترمس حافظ للبرودة”، ويبدأ جولته في المخيمات على دراجته النارية.

ويضيف أبو إبراهيم الذي يسكن أحد مخيمات قاح إن ما يجنيه “قليل جداً” بعد دفع ثمن  البوظة ووقود الدراجة النارية، في حين يجني أبو رائد نحو ثمان ليرات تركية من كل كيلوغرام واحد من البوظة والذي يقدر تكلفته بنحو اثنتي عشرة ليرة.

 يصنع أبو رائد يومياً نحو  ثلاثين كيلو  غراماً من الحليب (سعر الكيلو ثلاث ليرات تركية) وثمان كيلو غرامات من السكر (سعر الكيلو خمسة ليرات)، وقليل من مادة السحلب، إضافة لكؤوس البوظة (القمع)، و علب بلاستيكية صغيرة للبيع.

بائع بوظة متجوّل في واحد من مخيمات إدلب
بائع بوظة متجوّل في واحد من مخيمات إدلب

يقابل فرحة الأطفال بقدوم بائع البوظة المتجوّل، غصة أمهات كثيرات في المخيم، تقول أم جلال (أم لخمسة أطفال في مخيم كنصفرة) إن وصول البائع يتزامن مع عراك 

و صراخ يومي مع أطفالها، “يبدؤون بالبكاء والتمسك بثوبي لإجباري على شراء البوظة، في الوقت الذي أعيش فيه حيرة كبيرة لتأمين ثمن وجبة الطعام اليومية، خمس ليرات تركية نصف ما يتقاضاه عمل مياومة في إدلب، ولا يمكن صرفها لشراء المثلجات”.

يسبب قدوم باعة البوظة المتجوّلين مصدر إزعاج أيضاً لكبار السن، يقول الحاج الستيني “أبو مصطفى” إنه يقضي يومه بالمشاكل مع أصحاب السيارات الجوالة والدرجات النارية، فهم لا يقدرون وجود المرضى وهم ينادون على بضائعهم، إضافة لضجيج السيارات والمولدة. 

مُنع أبو رائد من  دخول أكثر من مخيم لذات السبب، وهو يدرك أن النداءات المتكررة على بضاعته، والأغاني المرافقة وصوت مولدة الكهرباء والزمور مصدر إزعاج كبير للأهالي، خاصة وقت الظهيرة، لكنها وسيلته الوحيدة للترويج عن بضاعته وكسب رزقه.

يلتزم أبو رائد خلال رحلته اليومية بخط سير واحد اعتاد عليه، وكسب شهرة بين أهالي تلك المخيمات، يبدأ من مخيم اللطامنة مروراً بالنهضة والوضيحي ومخيمات كفر لوسين، انتهاء بمخيم كنصفرة، ينهي رحلته وقد باع بضاعته ونفذ وقود سيارته وجمع مبلغاً جيداً من المال يمكنه من تأمين مصاريف عائلته وشراء الحليب للانطلاق برحلته في اليوم التالي.
 

المادة السابقةبعد كورونا والتعليم عن بعد في لبنان.. الطلاب السوريون في سوق العمل والأساتذة منشغلون بالإضراب
المادة التاليةدواء سايتوتك  في إدلب.. الحبة بخمسة أضعاف سعرها لإجهاض غير آمن
صحفية سورية تحمل شهادة في الإعلام من جامعة دمشق.