السليقة في واحد من المخيمات
السليقة في واحد من المخيمات

يتصدر القمح في الموروث الشعبي السوري قائمة المنتجات الزراعية، إذ لا يخلو بيت سوري منه، رافق القمح السوريين في احتفالاتهم وولائمهم ووجباتهم اليومية، وله طقوس رافقت تحضير كل وجبة من الوجبات من السليقة إلى السنينية والشرية..،إلا أن بعضها غاب عن المشهد نتيجة النزوح وفقدان الأراضي الزراعية.

السنينية

على أهزوجة “بهللك بهللك، سبع جمال بحمّلك”، تجتمع عائلة الحاجة أم عبدو ضمن مخيم مزن في بلدة كللي شمالي إدلب، فرحين بظهور أول سن من أسنان حفيدها الأول.

“طلع سنو طلع سنو، خبو الخبز عنو” تكمل أم عبدو أهزوجتها التي رددتها لكثير من الأطفال في مناسبة كهذه، لكن وجبة “السنينية” الرئيسية في هذه المناسبات لم تكن حاضرة إذ لم يعد لأم عبدو أرض تستعمل قمحها في هذه المناسبات

تقول: “جرت العادة في بلدتهم قسطون أن يوضع الطفل على قطعة قماش كبيرة في ساحة المنزل ويرش حوله كمية من القمح المسلوق الذي جهزته العائلة بمناسبة ظهور السن الأول لطفلهم ليكون للطيور نصيب من وجبة “السنينية” كما باقي أفراد العائلة.

إلى الشمال قليلاً وتحديداً في جسر الشغور بريف إدلب الغربي، لا تختلف طقوس السنينية عن سهل الغاب، تقول أم علي وهي سيدة من جسر الشغور: “إنها كانت تسلق الحنطة حتى تنضج ثم تسكبها في أوانٍ وتضيف لها السكر والقرفة، وتزين وجهها بالمكسرات وقطع الحلوى، توزع الصحون على الجيران والأقارب ليشاركوهم فرح ظهور السن الأول للطفل”، تفتقد أم علي لهذه الطقوس اليوم والتي ترى أنها كانت تزيد الألفة بين الأهل والجيران.

“شرية الحنطة” وفرحة الأطفال

ينتظر أطفال في قرى سهل الغاب وصول الجرارات التي تنقل القمح بعد حصاده من الأراضي إلى ساحات المنازل الواسعة، ليبدأ الأهالي بتعبئته تحضيراً لبيعه. يجتمع الأطفال حول كومة القمح  لمساعدة أصحاب الرزق في تعبئته وللحصول على مكافئتهم بعد الانتهاء، حيث يتم توزيع كميات متساوية من القمح على الأطفال لقاء مساعدتهم.

حافظ أهالي سهل الغاب على هذه العادة لسنوات طوال، يقول “أبو محمد” مزارع من قرية الحويز بسهل الغاب، إنه يؤمن بأن “الشرية” تجلب البركة لأن الأطفال في موسم الحصاد يجمعون ما حصلوا عليه ويبيعونه لأصحاب المحال التجارية، ويشترون بالمقابل ما يشتهونه من مأكولات أو لباس، من هنا جاءت كلمة (شريّة).

خسر “أبو محمد” أرضه دون أن يحصد محصول القمح الذي زرعه بسبب حملة النظام على منطقته منذ ما يزيد عن العامين، ولم يعد يحضر طقوس “الشرية”.

السليقة “بسامير الركب”

“السليقة” من أهم الطقوس التي تتبع حصاد القمح، إذ يجب على كل عائلة ادخار كمية القمح اللازمة لمؤونة العام، يبدأ تحضير السليقة بتنظيف القمح من الحصى وبذور النباتات الأخرى، ثم يغسل جيداً على عدة مراحل (التصويل) ويوضع في قدر كبير يسمى (الحلة).

السليقة في واحد من المخيمات
السليقة في واحد من المخيمات

لم تكن الحلة متوفرة في كل بيت وكانت بعض العائلات تشتريها بغرض استعمالها مرة في العام، وإعارتها لأهالي الحي بشكل مجاني لنيل الثواب، في حين كان يقوم آخرون باستعمالها كمورد مادي عبر تأجيرها خلال الموسم.

يسكب الماء فوق القمح حتى يغمره بمقدار شبرين، ويتم إشعال النار تحت الحلة بما يتوفر من مواد قابلة للاحتراق في المنزل وتبدأ عملية الطهي حتى نضوج القمح.

بعد نضوج القمح يبدأ أفراد العائلة بنقل مكونات الحلة عبر ما يتوفر من أواني منزلية إلى المكان الذي ستنشر به حتى تجف.

يقول الحاج أحمد من جبل الزاوية إنه كان يشعر بالسعادة وهو يراقب مرحلة نقل السليقة إلى سطح المنزل الذي نُظف جيداً، لتنشر عليه حبات القمح حتى تجف تحت أشعة الشمس وتصبح جاهزة للجرش وتتحول “لبرغل” تخزنه العائلة لعام كامل.

يصف الحاج أحمد الجيران في هذا المشهد بخلية النحل التي تعمل بجد لإتمام العمل الذي عادة ما يكون في وقت المساء، تنتهي العملية بتوزيع صحون السليقة على الحاضرين والأقارب والجيران ليستمتعوا بنكهتها الطازجة التي يحن لها الحاج أحمد بعد نزوحه.

يقول إنه كان يوفر لعائلته الحنطة “البياضية” لاستعمالها في طهي البرغل والمجدرة، أما السوادية فتجرش بحجم ناعم لاستعمالها في أنواع الكبب وكذلك التبولة، وتعرف لدى بعض المناطق باسم (الصريصرة) أو (البرغل الناعم).

كثيرة هي الطقوس التي كانت حاضرة في حياة السوريين وخاصة مزارعي القمح فترة الحصاد، إلا أن ظروف الحرب وفقدان الفلاحين معظم الأراضي الزراعية، حال دون حصولهم حتى على مؤونتهم السنوية واستبدلوا القمح البلدي بالقمح المجروش المستورد من تركيا.

بينما تصر الحاجة أم أحمد على استعمال القمح السوري فقد ادخرت مؤونة تكفيها لعامين وبعد انتهائهم ستشتري القمح لتحضر “السليقة” على يدها لأنها لم تستسغ نكهة القمح التركي.

وجبات الأفراح

لبّت غفران 40 عاماً مهجرة إلى مدينة حارم شمالي إدلب دعوة حضور لعرس أحد أبناء المدينة، أثار انتباهها إعداد أهل العريس لوجبة “الهريسة” كطبق رئيسي على مأدبة الطعام، وهو ما تفتقده غفران منذ سنوات، إذ كانت الهريسة وجبة أساسية في الأعراس والأعياد والمناسبات السعيدة.

تعتمد الهريسة بشكل أساسي على القمح المقشور، حيث يسلق مع لحم الدجاج بشكل جيد، وبعد النضوج تقلّى بالسمن العربي  ويضاف لها رشة كمون.

تقول غفران: “إن فقدان المزارعين لأراضيهم حرمهم من ادخار مؤونة القمح لمثل هذه المناسبات، كما أن القمح المتوفر في الأسواق يوفر على ربة المنزل احتمالية تلف المخزون من القمح وتعرضه للقوارض والحشرات من خلال شراء البرغل المجروش بالكيلو أو على قدر الحاجة”.

الخبيصة
الخبيصة

في أماكن أخرى من إدلب كانت وجبة “الخبيصة” طقساً يرافق عيد الأضحى، تحضرها النساء بعد نقع الحنطة ليوم كامل، ثم تدار على ماكينة الكبة و توضع في كيس خام أو قطعة قماش مخصصة، وتعصر ليخرج منها سائل النشاء ثم تطهى مع السكر وتسكب في صينية وتترك لتبرد، وتقطع كالراحة وتؤكل بعد تزيينها بالسمسم أو جوز الهند.

فقد أهالي بلدة باتبو شمالي إدلب النكهة الحقيقية لطبق الخبيصة بسبب استبدال عصارة نشاء القمح بالنشاء الجاهز، يقول الحاج إبراهيم من أهالي البلدة، إنه لا يحب نكهتها بالنشاء الجاهز ويتمنى أن يحصل على طبق بالنكهة القديمة.

 

“المتبلة” أكلة أخرى تعتمد على القمح في تحضيرها وتعرف عند سكان سهل الغاب بريف حماة الغربي، تُحضر بعد قشر الحنطة عبر دقها في جرن خاص وتسلق مع حبات الحمص ثم يضاف لها اللبن البارد بعد النضج وتقدم للأكل.

المادة السابقةما يشبه القضاء في إدلب .. هيئات ومحاكم بمرجعيات غائبة
المادة التالية ما أغلى من الولد إلا ولد ولد الولد..!