ارتفاع الأسعار -إنترنت
ارتفاع الأسعار -إنترنت

انخفضت قيمة الليرة السورية مقابل الدولار في الأيام الأخيرة ما أضاف ارتفاعاً جديداً على الأسعار في مناطق سيطرة النظام، ويبدو أن مخاوف السوريين من انهيار اقتصادي جديد عقب الانتخابات الرئاسية التي جرت مؤخراً كانت محقة، في ظل الرفض الدولي لهذه الانتخابات وعدم الاعتراف بشرعيتها.

ساهمت العقوبات التي فرضتها دول الاتحاد الأوربي على مسؤولين وشركات تابعة للنظام، وتمديدها لعام آخر بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية، في تدهور قيمة الليرة وأظهرت عجز النظام عن القيام بأي إصلاح اقتصادي من شأنه تنشيط الحركة التجارية وتحسين الأوضاع.

بوادر انهيار جديد

أطلقت حكومة النظام تطمينات وعدت فيها باستقرار سعر صرف الليرة، وانخفاض الأسعار في السوق المحلية، عبر تطبيق إجراءات ومراسيم جديدة تتعلق بمراقبة السوق وتأمين تدفق السلع إلى الأسواق وتنفيذ قوانين حماية المستهلك، إلا أن الواقع كان خلاف ذلك، مع استمرار حالة الركود وارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية، ورفع التجار هامش الأمان النقدي خلال عمليات البيع والشراء بسبب التذبذب المستمر في سعر الدولار.

سجلت الليرة انحداراً جديداً خلال الأيام الأخيرة الماضية، حيث وصل سعر تداولها إلى 3280 ليرة مقابل الدولار، قبل أن تستقر عند عتبة  3200، الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على أسعار البضائع والسلع، سواء المنتجة محلياً أو المستوردة.

رصد معد المادة حركة الأسواق في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، وتبين أن الانخفاض الذي تحدثت عنه حكومة  النظام،  اقتصر على بعض السلع المحلية والتي لا ترتبط بالدولار بشكل مباشر، إضافة للمنتجات الزراعية التي توفرت في الأسواق بعد الإيقاف المؤقت لحركة التهريب إلى دول الجوار خاصة العراق، إذ شددت قوات النظام من ملاحقتها للمهربين، في خطوة يعتبر من سمعنا آرائهم أنها مؤقتة ومرهونة بفترة الانتخابات فقط.

ارتفعت أسعار المواد التموينية والمعلبات واللحوم المجمدة المستوردة بنسبة تتراوح بين 20 إلى 40%، والحليب المجفف المستورد بنسبة تتراوح بين 40 إلى 60% في حين حافظت أسعار السلع الايرانية والمنتجات العراقية على استقرارها النسبي.

يقول أبو جمعة، تاجر تجزئة في مدينة حلب: “إن التذبذب المستمر في قيمة صرف الليرة دفع قسم كبير من تجار الجملة إلى العزوف عن بيع السلع المستوردة وخاصة المهربة التي لا تخضع للكشف الجمركي، وترتبط بسعر الصرف وفق السوق السوداء”.

وتابع رغم تحسن سعر صرف الليرة السورية في الشهر الماضي ووصولها إلى 2800، إلا أن التجار لم يثقوا بهذا التحسن متوقعين قفزات جديدة في السعر بحسب تجاربهم السابقة، الأمر الذي كان سبباً في استمرار ارتفاع الأسعار.
تخضع حركة البيع والشراء إلى تفاهمات ضمنية بين المورد وتاجر التجزئة، تقوم على ترك هامش أمان (فرق سعر التصريف) المحدد بـ 4200 ليرة لكل دولار، وهو ما يزيد عن السعر الحقيقي بنحو ألف ليرة سورية وأي تغيير في قيمة صرف العملة يعني رفع قيمة الهامش الذي قد يصل إلى خمسة آلاف أو أكثر، ما يعني زيادة جديدة في الأسعار وإرهاق إضافي للمواطنين، بحسب أبو جمعة.

يضيف أبو جمعة سبباً آخر لما سبق ويتعلق بالتضخم الذي يعاني منه الاقتصاد السوري، حيث ارتفع سعر المادة بنسبة 200 إلى 300 في المئة عما كانت عليه قبل عشر سنوات مقارنة بسعر الدولار، ويشرح قائلاً “يبلغ سعر كيلو السكر اليوم نحو 65 سنتاً أمريكياً، في حين لم يتجاوز ثمنه 20 سنت في السابق.

فوضى الإجراءات الحكومية

تأتي حالة الفوضى المصرفية، والانحدار التدريجي لليرة، بعد فترة من الاستقرار شبه النسبي عند حاجز 2900 ليرة لكل دولار، وذلك، قبيل الانتخابات الرئاسية، نتيجة لعمليات ضخ العملة الصعبة والتدخلات المصرفية التي يقوم بها البنك المركزي بشكل غير مباشر عن طريق أذرعه في السوق وشركات الصرافة المرخصة.

ويقول الخبير الاقتصادي عبد الرحمن أنيس: “إن معاناة السكان في مختلف المناطق السورية ستستمر، طالما أن النظام يستفيد من انهيار الاقتصاد وسعر صرف الليرة في تمويل حملاته العسكرية وتحقيق الأرباح لرجالاته وتجار الحرب المرتبطين به”.

ويرى: أن تحسن قيمة الليرة، لا يكون عبر إجراءات مؤقتة واعتراضية لا تدوم، كما هو الحال مع مواسم الأعياد التي تشهد ارتفاعاً في كمية الحوالات الخارجية، إنما يرتبط بإنهاء الحرب وعودة القطاعات الصناعية للاستثمار والإنتاج، وخاصة قطاعات النفط والسياحة والتصدير، وهذه أمور لا يمكن أن تتحقق طالما أن النظام يصر على الحل العسكري.

ويضيف أنيس سبباً آخر يحول دون انخفاض الأسعار، ويتعلق برفع النظام لسعر الصرف الجمركي من “1250” ليرة إلى “2525” ليرة، ما يعني مضاعفة الرسوم الجمركية والنفقات وبالتالي ارتفاع الأسعار.

لم تقابل تلك الإجراءات بأي إضافة جديدة على رواتب الموظفين وأجور اليد العاملة في البلاد، حيث يتقاضى موظفون راتب أربعين ألف ليرة سورية وتعادل سبعة عشر دولاراً، في حين كان راتب الموظف ذاته ثلاثمئة دولار قبل الثورة.

تؤكد المعطيات التي يعيشها السوريون في مناطق النظام حسب من تحدثنا معهم أن الوعود التي أطلقها رأس النظام والتي تحدثت عن عودة الحركة الاقتصادية وتحسن ظروف المعيشة لا تعدو كونها فقاعات انتخابية تلاشت بعد تولي الأسد لفترته الرئاسية الجديدة لتعود الأمور إلى سابق عهدها.