الصورة تعبيرية -إنترنت
الصورة تعبيرية -إنترنت

أصيب سامر (مهجر من ريف حماه) باعتلال حاد في شبكية العين وأذية كلوية رافقهما ارتفاع في ضغط الدم الشرياني، جميعها نتجت كمضاعفات عن مرض “السكر الشبابي” الذي يعانيه منذ أربعة عشر عاماً.

يقول سامر، الشابّ في منتصف العقد الثالث من العمر، إنه لا يذكر كيف بدأ معاناته مع “السكر الشبابي” ، لكنه اكتشف إصابته منذ سنوات بعد إجراء التحاليل الطبية نتيجة تدهور حالته الصحية، ومنذ ذلك الوقت ربطت حياته بـ “جهاز لقياس مستويات السكر في دمه، وجرعات الأنسولين كعلاج يومي”.

لا يعاني المصابون بهذا المرض صعوبة في الحصول على العلاج المتوفر في جميع المراكز الصحية بإدلب، ويحصل سامر عليه مجاناً من مشفى في بلدة بنش، لكن المضاعفات التي ترافق الإصابة وكلفة علاجها العالية هي ما يؤرق المصابون بـ “السكر الشبابي”.

ظهرت المضاعفات على سامر منذ ثلاثة أعوام، فاقمها الطوابير الطويلة على أبواب العيادات الطبية المجانية والكلفة العالية في المشافي والعيادات الخاصة، إضافة للالتزام بالعلاج دون مراجعات دورية للمراكز المختصة، يقول “يوجد عيادة خاصة بمرضى السكري في معظم مستشفيات إدلب، لكن الأعداد الكبيرة للمصابين تحول دون تنظيم المتابعة الدورية لزيارة الأطباء وأجراء الفحوصات اللازمة، وهو ما يولد التقاعس والإهمال عند المرضى أيضاً ما يؤدي إلى مضاعفات يصعب حلّها مستقبلاً”.

مثل سامر، اكتشفت سمر (شابة في الثامنة عشر من عمرها) إصابتها باعتلال في الشبكية وعدم وضوح الرؤية، تقول سمر إنها تستخدم الأنسولين منذ أن كانت في سن السابعة لإصابتها بـ “السكر الشبابي” ، وتحتاج سمر لعبوتين ونصف العبوة من الأنسولين شهرياً بمقدار جرعتين يومياً.

غياب المراجعات الدورية والتعامل مع مرض “السكر الشبابي” الذي يصنف كسكّر من الدرجة الأولى، دون دراية طبية فاقم هذه المضاعفات، يضاف إلى ذلك الكلفة العالية للعلاج والحمية الصحية وغياب التوعية بالرياضات والعادات الصحية المناسبة.

المضاعفات أخطر من المرض

تشيع الأذية العينية كواحدة من أكثر المضاعفات المرافقة لمرضى “السكر الشبابي” وقد تصل إلى حصول نزوف في الشبكية ما يؤدي إلى فقدان البصر بشكل تام، إن لم يتوفر العلاج في الوقت المناسب، ويحتاج المرضى إلى حقن عينية إضافة لجلسات ليزرية للحد من مضاعفات الأذية العينية، كذلك ضبط مستويات السكر في الدم بطريقة صارمة.

ويقول الطبيب مالك عطوي أخصائي أمراض العين في إدلب إن على مرضى “السكر الشبابي” مراجعة طبيب مختص، وبشكل دوري، مرتين سنوياً على الأقل، فـ ” المصابون غير المتبعين لحمية غذائية، ولا يلتزمون بدواء الأنسولين الذي يعدل مستوى السكر بالدم، تبدأ لديهم حالات تراجع النظر، ما يؤدي لاحقاً للإصابة باعتلال يتراوح بين الحاد والمتوسط، وإعتام العدسة والمياه البيضاء أو الزرقاء والتي تكون بحاجة إلى عمل جراحي مستعجل”.

تدفع سمر أسبوعياً نحو خمسمائة ليرة تركية مقابل جلسة الليزر التي تجريها لعينيها في مدينة إدلب، وهو سعر مرتفع مقارنة بأسعار العلاج في مشفى باريشا الذي يتقاضى مئة وخمسين ليرة تركية، إلا أن سمر مضطرة لتلقي العلاج في إدلب بسبب قرب المسافة من بلدتها بنش، ولتوفر تكاليف ومتاعب السفر من بنش إلى البلدات الحدودية.

كما تتوفر في مشفى الحكمة بمعرة مصرين جلسات مجانية، لكن حالة سمر لا تسمح لها بانتظار دورها والذي يطول لشهرين، بسب تراجع النظر الحاد في عينيها. تقول “اكتشفت إصابتي متأخرة، أخبرني الأطباء أني مصابة باعتلال النظر منذ عامين دون أن أعلم”.

وينتظر سامر دوره في مشفى باريشا لإجراء عملية “قطع زجاجي داخل شبكة العين” لإيقاف النزف المتكرر لديه بعد خضوعه لعلاج بالحقن والجلسات الليزرية لمدة عامين، دون نتائج جيدة. يقول إن حالته المادية لا تسمح بإجراء العملية في مشفى خاص ودفع نحو ثمانمائة دولار، ما يجبره على الانتظار لشهرين أو ثلاثة أشهر للحصول على موعد لإجراء العمل الجراحي وإيقاف نزف الشبكية.

يتسبب “السكر الشبابي” بمضاعفات أخرى عند المصابين مثل أمراض القلب والأوعية الدموية (الاعتلال العصبي)، تلف الكلى وتلف القدم السكرية ما يؤدي لاحقاً إلى بتر إصبع القدم أو بتر القدم أو بتر الساق في حال العلاج المتأخر، بحسب الطبيب “عبد الحميد محمد رضا” أخصائي الأمراض الداخلية والغدد.
ويقول الطبيب رضا إن الجهات الصحية والمنظمات الإنسانية لم تول اهتماماً جيداً بمرضى “السكر الشبابي”، إذ لم نشهد حملات توعوية للمرضى حول ضرورة اتباع الحمية بشكل مناسب، والالتزام بحقن الأنسولين، ومراجعة العيادة الطبيبة بشكل دوري مع ممارسة الرياضة  لتخفيف حدة النتائج التي تتبع المرض.
يعالج الشاب (فايز 33 عاماً ابن بلدة سفوهن بريف إدلب الجنوبي) من قصور في الكلى، بعد معاناة مستمرة مع مرض “السكر الشبابي” منذ ستة عشر عاماً، ويخضع لجلسات غسيل كلوي بشكل مستمر في مشفى الهداية على الحدود السورية التركية بمنطقة أطمة.

يراجع فايز عيادة خاصة باستمرار، ويدفع خمسة وعشرين ليرة تركية في كل معاينة، لأن حالته المستعجلة تمنعه من انتظار دوره الذي قد يمتد لأيام في المشافي المجانية. يقول إنه باع بعض أثاث منزله في المرة الأخيرة التي راجع بها طبيبه المختص لأنه لم يستطع تحمل الأوجاع المرافقة لألم الكلى.

أخيراً قامت مديرية صحة إدلب بافتتاح عيادة مختصة بالقدم السكرية في المشفى الجراحي التخصصي بمدينة إدلب، لرعاية المصابين ومحاولة علاجهم قبل الوصول لحالة البتر. ويحتاج مرضى “السكر الشبابي” إلى مراكز مخصصة بعلاج مضاعفات إصاباتهم، خاصة في العين والإصابات الكلوية، لعدم قدرتهم على تحمل التكاليف الزائدة، إضافة لعدم امتلاكهم رفاهية الانتظار.