الطلفة رهف التي تعرضت لـ العنف الأسري من قبل والدها في إدلب -إنترنت
الطلفة رهف التي تعرضت لـ العنف الأسري من قبل والدها في إدلب -إنترنت

تداول ناشطون في إدلب منذ أيام صورة للطفلة رهف ابنة ريف حماة مستلقية على سرير أحد المشافي وقد ظهرت عليها آثار التعذيب، وذكرت تقارير إخبارية بأن الطفلة تعرضت للعنف الأسري والتعذيب من قبل والدها، ما أدى لتردي حالتها الصحية ونقلها للمشفى.

أسعفت الطفلة رهف من قبل جيرانها المقيمين في أحد مخيمات بلدة قاح إلى مشفى باب الهوى، والذي قام بدوره باستقبال الطفلة وتقديم الإسعافات اللازمة لها، وإبلاغ الشرطة عن الحادثة حيث قامت الأخيرة بإلقاء القبض على الوالد بهدف التحقيق معه.

وقال الدكتور عايد عسكر وهو الطبيب الذي أشرف على حالة رهف في مشفى باب الهوى إن الطفلة وصلت المشفى بحالة نزيف داخلي في البطن، إضافة للقصور الكلوي، وتم إجراء التدخلات الطبية اللازمة لإسعافها.

وأضاف: “كانت آثار تعرضها للضرب بأدوات حادة أو قاسية واضحة على جسدها كما يوجد آثار كدمات متفرقة وسحجات على الظهر والبطن ما دفع إدارة المشفى لاستدعاء  مخفر الشرطة”.

ويقول من التقيناهم من الناشطين إنهم يرصدون بشكل مستمر حالات مشابهة لأطفال تعرضوا للعنف الأسري، وأرجعوا هذه الزيادة إلى الضغوط النفسية والتفكك الأسري أو الفقر والأوضاع المعيشية القاسية التي يعيشها كثر في إدلب.

عقوبات غير رادعة ونتائج سلبية

خرج والد الطفلة رهف من السجن بعد مضي أسبوع على اعتقاله، بينما كانت رهف ما تزال في المشفى بحسب أبو محمد المقيم في ذات المخيم وقال إن والد رهف اعتاد على معاملة أولاده بقسوة متجاهلاً آلامهم، كما أنه لم يرافق الطفلة إلى المشفى بينما قام الجيران بإسعافها.

الطفلة نور ابنة معرة النعمان والمقيمة في سلقين حالة أخرى من حالات العنف الأسري التي رصدناها في إدلب، فقد تعرضت، بحسب والدتها، للضرب والحرق من قبل زوجة والدها.
تقول والدة نور: “بعد انفصالي عن زوجي بقيت طفلتي في عهدة والدها وأثناء زيارتها الاعتيادية لي لاحظت وجود آثار ضرب وحروق في جسدها، وأخبرتني بأن زوجة أبيها تعاملها بقسوة وتضربها باستمرار”.

تقدمت والدة نور بشكوى قضائية ضد والد ابنتها وزوجته، لكنه استطاع أن يثبت من خلال تقارير طبية وصفتها بـ “المزورة” أن الطفلة مصابة بمرض جلدي وأن ادعاء الأم كاذب، ومنعها من رؤية طفلتها ثانية.

كما تعرض الطفل وليد (12 عاماً) من بلدة حربنوش بريف إدلب الشمالي، للتعنيف الجسدي واللفظي من قبل والده بشكل مستمر، ما أثر بشكل سلبي على شخصيته.
تقول والدته: “زوجي عصبي المزاج، يعنف وليد باستمرار لأي خطأ يرتكبه، ما أثر عليه وجعله ضعيف الشخصية خجولاً، يفضل البقاء وحيداً طوال الوقت”.

ويسبب العنف الأسري ضد الأطفال “فقدان الثقة بالنفس وتنامي الشعور بالخوف ما يجعل الطفل متردداً في القيام بأي عمل. وينعكس العنف الذي يتعرض له الطفل داخل المنزل على سلوكياته وتصرفاته خارج المنزل، وخصوصا في المدرسة أو الشارع، ويقوم بتفريغ هذا العنف من خلال سلوكيات سيئة وطباع غير مرغوبة. يؤدي العنف الذي يتعرض إليه الأطفال إلى تشبعهم فيه، وتداوله كأول حل للمشكلات التي تواجههم في حياتهم العملية، كما يعزز نوبات الغضب لديهم”.

ويزيد العنف الأسري من شعور الطفل بالإحباط. ويترك آثاره في صناعة الشخصية المتمردة للطفل، التي تمثل رفضه غير المبرر لأي قرار أو رأي دون إبداء الأسباب أو الحلول البديلة، وقد تنعكس هذه الشخصية على واقعه الحياتي عند تقدمه في العمر.

تقول ماوية شلار مرشدة اجتماعية إن مشاهدة العنف المنزلي بين الأبوين أو ضد أحد أفراد العائلة يعرض الأطفال للخطر من الناحيتين الصحية والنفسية، وقد تتسم سلوكياتهم بالعنف، إضافة إلى ضعف التركيز، والعدوانية، وفرط الحركة، وانخفاض الثقة بالنفس، والقلق، والتشاؤم، وعدم احترام الذات، واضطرابات النوم والكوابيس.

ويبدي من تحدثنا معهم في إدلب رفضهم الكامل لمظاهر التعنيف الأسري، يقول فواز أصلان مهجر من مدينة سراقب “إن تعنيف الأطفال ظاهرة سلبية بكل المقاييس، فالطفل لا ينسى الأحداث التي عصفت بطفولته عندما يكبر”، ويخبرنا أن آثاراً ما تزال عالقة في شخصيته منذ طفولته نتيجة لتعرضه لمواقف عنيفة، مؤكداً أن على الأشخاص الذين يعنفون أطفالهم البحث عن حلول بديلة لتوجيههم لا الإساءة لهم.

ويقول سعد زيدان ناشط إعلامي من محافظة إدلب: “إن تعرض الأطفال للضرب ضمن منازلهم أو في المؤسسات التربوية يعكس الحالة النفسية للأبوين والقائمين على تلك المؤسسات وفشلهم بتربية أطفالهم”.

يرجع المعنفين سلوكهم إلى الاثار النفسية التي تركتها الحرب، والفقر وعدم الاستقرار وغياب فرص العمل، ما يسبب لهم اضطراباً في السلوك يفرغونه عبر العنف، إلا أن ذلك لا يمكن تبريره، وعلى المؤسسات الإنسانية والجهات المختصة المحاولة لإيجاد حلول لتفاقم مشكلة التعنيف المنزلي.

يحتاج نحو ثمانية ملايين طفل سوري للمساعدة، بحسب ما نشرته “اليونيسيف”، بينهم مليونان ونصف مليون لاجئ، ونحو مليونان وستمائة ألف نازح داخلي، كذلك يقع على عاتق المؤسسات والمنظمات حماية الأطفال من التعنيف المنزلي ومعاقبة مرتكبيه، والسعي لتوعية الأهالي بما ينتج عنه من اثار سلبية على صحة الأطفال وسلامتهم النفسية والجسدية.