أتساءَل وقد قاربت الثلاثين من عمري، قضيت منه ست سنوات في الحصار وعامين أبحث فيهما عن مدينة الأحلام. هل بات الطابور ركناً من أركان حياة السوري؟

ضحكت وأنا أقف في طابور استلام الطعام لأول مرة في مدينة الأحلام، لم أر “شام وأنعام “وهما تقفان في الطابور وأطرافهن ترتعد من البرد.. لم أر أقدامهما المغطاة بالطين، ولم اسمع مشاحنات عادةً ما كانت تدور بينهما على مهمة حمل “القصعات” وتنتهي بالاحتكام إلى عجوز يقف خلفهما بسؤال “عمو أنت شفت بعينك مو أنا حملت الطنجرة أكتر منها؟”. يومئ العجوز برأسه مؤكداً.

الطابور هذه المرة منظم، لا صراخ فيه ولا تهديدات من الموظف المسؤول عن توزيع الطعام بإغلاق المطعم والتوقف عن التوزيع في حال عدم المحافظة على مسافة المتر الواحد بين المصطفين، والتي فُرضت كخطة وقائية من خطط مكافحة فيروس كورونا.

من يقف أمامي ينتعلُ حذاء جلد من ماركة “لاكوست”

وأنا الذي لم اعتد على الوقوف في طابور كهذا اعتدت أن أرى “صندل شام” المرصع بالألماس البلاستيكي، أطراف قدميها المليئة بالطين، ندبات جروح التأمت على أصابع قدميها أقدر أنها أُصيبت بها أثناء جمع الحطب أو تكسيره، فقد كانت وأختها من حمالات الحطب في الحصار، وحمالاتُ الحطب في الحصار كُثر إلا أنهم لا يرمونه في الطرقات بل يحملونه إلى منازلهن لينعموا ببعض الدفء.

مقارنة سريعة عقدت في ذهني ما بين تمساح لاكوست وألماسة شام البلاستيكية التي تأخذ شكل قلب الحب دفعتني للضحك والامتعاض من منتعل الحذاء وصديقه.

سمعت أحدهم يقول للآخر همساً: ما الذي يضحكه! أجابه الآخر: لا أدري لعله مجنون! سترى غداً سيحصل على الإقامة بأقل من ثلاثة أشهر. وقد تحققت نبوءة العاقلان وحصلت على الإقامة في فترة قصيرة.

أسير بهدوء نحو الموظف ابتسم فيبتسم يقدم ليّ مخصصاتي من وجبة العشاء وليس عليّ بعدها أن أدعو له بطول العمر وزيادة الرزق كما هيَّ طوابير الحصار، فهذه الأدعية غير مطلوبة في أرض الأحلام كما أنه لا وجود للكاميرات هنا لتسجيل الفيديوهات والتقاط الصور أثناء توزيع الطعام، وهذا يعني أني لست مضطراً للركض أو التخفي خشية أن يظهر وجهي في فيديو مصور

وصلة من الذاكرة على تفاصيل عشاء دسم

أسير نحو الغرفة التي أتقاسمها مع شريك آخر. ابتسم له، يسألني فيما إن كان سر الابتسامة عشاء دسماً، تتحول ابتسامتي إلى ضحك يشاركني فيه مستبشراً بعشاء على مزاجه.

اتفحص الوجبة “قطعة من لحم البقر محكمة التغليف رائحتها لا توحي إلى أن البقرة ماتت بقذيفة هاون وقطعت لإطعام الجياع، كذلك لا تحمل رائحة لحم القطط أو طعمه”، يقولون إنه في هذه البلاد تحصل البقرة على ميتة كريمة، فهي تذبح بعد تنويمها مغناطيسياً، ومن ميزاتها أيضاً أنها لا تستدعي أن تفرك لثتك بالملح بعد تناولها للتخلص من المرار، فهي ليست كرجل العصفورة السامة مرة المذاق.

أضعها جانباً لأتفحص قطعة شوكولا صُنعت تحت الرقابة وبالمواصفات العالمية، هي خالية من مادة السكرين والقطر الإفرنجي لهذا فإن تناولها عدة مرات في اليوم لا يسبب حالة إسهال كتلك التي تسببها شوكولا الحصار.

أكملُ تفحص الوجبة لأجد قرناً من الموز، والموز سمة للممنوع في أزمنة سورية كثيرة، ليس الحصار الأخير أولها، بل بدأت منذ أن أقسم صديق لي في المرحلة الابتدائية أنه لا يعرف طعم الموز حتى الآن، وأنه لا يعلم عن الموز سوى أن قشوره تتسبب بزحلقة المارة على الطرقات. زجاجة العصير الطبيعي حلت مكان نصف قرص من الفوّار بطعم البرتقال لكل لتر من الماء في زمن الحصار، وكنا نادراً ما نحصل عليه..

"نبتة رجل العصفور" طعام المحاصرين في دمشق -إنترنت
“نبتة رجل العصفور” طعام المحاصرين في دمشق -إنترنت

لم أتعمد المقارنة والدخول في التفاصيل الدقيقة، لكنها فرضت نفسها منذ أن وقفت في طابور آخر غير ذاك الذي ألفته، وقادتني إلى السوق العام في مدينتي المحاصرة، وقتها كنت أعقد المقارنة بين زي الأنواع التي ستكون طبق هذا اليوم “حشائش بلون أخضر، رجل العصفورة، فجل، سلق، سبانخ”.

الأخيرة لذيذة تحتوي على الحديد وستساعدك على الصمود لثلاثة أيام ولكنها باهظة الثمن، بنفس السعر تستطيع أن تعيش على الفجل لخمسة أيام متتالية، هل عليّ أن أجوع ليومين مقابل السبانخ! إذن، سأشتري الفجل لأنني حتماً لن أكل رجل العصفورة في هذا اليوم أيضاً حتى لو أن ثمنها أرخص من الفجل، ما زلت أعاني الإسهال منذ أيام..

آن للفجل أن يعلو على غيره من الخضروات، وهو الذي اشتهر بالمثل الشعبي الشهير “أرخص من الفجل”.. في أرض الموت كان الإنسان ورجل العصفورة أرخص من الفجل. حُسم الأمر سأشتري الفجل اقترب من البائع مخاطباً إياه “أعطني رجل العصفورة لو سمحت..”

هامش أول

رجل العصفورة لمن يجهلها هي “رجل العصفورة.. غسلين الحياة الدنيا وزقومها لا تُسمن ولا تغني من جوع. كنا نحن المحاصرين نفضلها على السبانخ مع مرارة مذاقها وكثرة أضرارها الصحية لأننا نفكر في التفاصيل، دائماً منهمكون في إيجاد الحلول والابتكار لأننا نطمح للعيش طويلاً”.

هامش أخير

صقلنا الحصار وأغرقنا بتفاصيله، نحن لا نستطيع العيش بعيداً عن المقارنات اليومية، أن نستعيد مرارة رجل العصفور قبل أن نبدأ بوجبتنا الحالية، أن نحاكي سؤالاً لديستوفسكي في رواية “حلم رجل مضحك” حين يقول “هل ثمّة عذاب على هذه الأرض الجديدة؟ على أرضنا لا نستطيع أن نحب إلا مع الألم والعذاب، وفقط من خلالهما وإلا فإننا لا نستطيع أن نحب، بل لا نعرف حب آخر، لهذا أنا أطلب العذاب كي أتمكن أن أحب”.