(الحكواتي) في واحد من مخيمات الشمال السوري.
(الحكواتي) في واحد من مخيمات الشمال السوري.

يفترش أطفال مخيم “العارضية”، قرب مدينة سرمدا (شمالي إدلب)، الأرض في خيمة رمضانية مخصصة وصول الحكواتي ليأخذ مكانه على الكرسي المخصص له وقد اتكأ على عصاه بيد وحمل كتابه بيده الأخرى، علا رأسه “طربوش” أحمر ولف خصره بحزام يمسك ثيابه التراثية.

يبدأ حسين برتاوي (أبو أدهم) قصصه اليومية بـ “كان يا مكان في قديم الزمان”، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة تشد الأطفال لمراقبة حركات شفاهه أثناء سرده لحكاية اليوم.

أبو أدهم مهجر من أهالي القلمون ويعمل ضمن فريق منظمة غراس النهضة، وقد قررت المنظمة أن تبدأ بسلسلة حكواتي رمضان هذا العام بهدف إدخال البهجة على قلوب الأطفال ولتعريفهم على شخصية الحكواتي التراثية.

يقول أبو أدهم: “إنه عمل خلال سنوات مضت في مجال المراقبة والتقييم ضمن مشاريع المنظمة، لكن قبيل شهر رمضان الحالي عرضت عليه المنظمة أن يعمل كحكواتي في المخيمات، ليكون المسؤول عن المبادرة التي أطلقتها المنظمة والتي تتضمن أن يقوم بجولةٍ على المخيمات لرواية القصص للأطفال لاسيما الأيتام منهم”.

كان طلب المنظمة مفاجئاً لأبي أدهم إذ لم يعمل في هذا المجال من قبل، لكن تشجيع زملائه دفعه لخوض التجربة التي وصفها بمثابة تحد مع ذاته لإثبات قدرته على النجاح بالمهمة وإسعاد الأطفال.

يقول أبو أدهم: “عملت قبل الثورة ضمن فوج إطفاء دمشق، لكن لم أتخيل يوماً أن أعمل كحكواتي مهمته زرع البسمة على وجوه الأطفال، وإطفاء نار الحرقة في قلوبهم بعد سنواتٍ من الحرمان وتجرّع مرارة الحرب”.

بدأت مبادرة “حكواتي رمضان” ضمن مخيم العارضية في سرمدا، ثم تنقّل الحكواتي أبو أدهم بين المخيمات في ريف إدلب الشمالي قاصداً المخيمات التي تضم عدداً من الأيتام.

(الحكواتي) في واحد من مخيمات الشمال السوري.
(الحكواتي) في واحد من مخيمات الشمال السوري.

قصص مليئة بالحِكم والفائدة والترفيه

جهزت المنظمة خيمة تتسع لثلاثين طفلاً وزينتها بإضاءة ملونة وفوانيس رمضان لخلق طقوس خاصة تروق للأطفال وتشدهم لزيارة الخيمة والاستماع للحكواتي.

يقول أحمد محمد مدير مكتب المنظمة في الداخل السوري: “إن بحثنا عن نشاط مميز وغير اعتيادي للأطفال خلال شهر رمضان دفعنا للاتجاه نحو فكرة “الحكواتي” كونه شخصية من التراث السوري ومحبوبة لدى الجميع”.

يضيف المحمد: “أغلب الأطفال المستهدفين في نشاط الحكواتي دون الثالثة عشر من العمر، ما يعني أن معظمهم وُلدوا أو عاشوا طفولتهم بعد انطلاق الثورة، وبالتالي عانوا من مآسي الحرب، كفقدان والديّهم أو أحدهما، أو تعرضوا للتهجير أو الإصابة، إضافةً لحرمانهم من أبسط حقوقهم في اللعب والتعليم، وبالتالي فإن وجود مثل هذه الأنشطة يعتبر داعماً نفسياً كبيراً لهم”.

يرى القائمون على المبادرة أنها فرصة لتعريف الأطفال على هذه الشخصية، التي رافقت آباءهم وأجدادهم لسنوات طويلة، وكان الكبار والصغار يقصدون المقاهي لسماع قصص الحكواتي، إضافةً لقيم الأخلاق والفضيلة التي تغرسها قصص الحكواتي في نفوس الأطفال.

يحرص أبو أدهم على انتقاء قصصه بعناية، بحيث لا تحتوي على كلماتٍ فيها تجريح لمشاعر الأطفال، كامتناعه عن ذكر العبارات المفعمة بمشاعر الآباء تجاه أطفالهم أو العكس، لأن أغلب الأطفال المتواجدين من الأيتام، إضافةً إلى التركيز على القصص التي تحمل القيم والأخلاق والحِكمة والعِبرة، بحيث تمنحهم المعرفة وكيفية التعامل مع الحياة، إلى جانب تقديم التسلية والمرح والترفيه لهم.

(الحكواتي) في واحد من مخيمات الشمال السوري.
(الحكواتي) في واحد من مخيمات الشمال السوري.

صفات تميّز الحكواتي

يقول أبو أدهم: “وأنا أروي القصة للأطفال، لم تغب الابتسامة عن وجوههم، وعيونهم تحدّق بكل تفصيلٍ مني، فكانوا مستغربين لماذا أمسك العكاز، كونهم اعتادوا مشاهدته في أيدي كبار السن فقط”.

يطرح أبو أدهم أسئلته على الأطفال بشكل متكرر أثناء سرد القصة ليحافظ على تركيزهم ويساعدهم بالاستفادة من العبر الموجودة ضمنها، وفي نهاية القصة يسأل الأطفال بطريقةٍ فكاهية عن الشيء الذي تعلموه من القصة، وكيف يمكن أن يطبقوه في حياتهم.

يضيف أبو أدهم: “يجب أن يتمتع الحكواتي بأسلوبه السردي كي يشدّ انتباه الحضور ويستطيع إيصال العِبرة لهم، ومهنة الحكواتي جزء من التراث السوري القديم، يحرص فيها على عدم التحدث بكلماتٍ صعبة من العربية الفصحى، وأن تكون القصة بسيطة تلامس قلوب الأطفال، والأهم من كل ذلك أن يحافظ على ابتسامته، وأن يستخدم لغة الجسد في إيصال الفكرة، بغية زيادة تفاعل الحضور معه”.

ومن الضروري أن يتميز الحكواتي بثقافة عالية وخبرة ومهارة في سرد القصص والروايات التاريخية المُفعمة بالمغامرات والأحداث المشوّقة، إضافة لقدرته على جذب انتباه المستمعين وتشويقهم لمعرفة باقي التفاصيل.

تركز منظمة غراس النهضة، وهي “منظمة غير حكومية غير سياسية غير ربحية تقدم الدعم للإنسان السوري”، في أنشطتها على شريحة الأطفال وأطلقت مسابقات لحفظ وترتيل القرآن الكريم حيث سيتم اختبار الأطفال المشاركين في نهاية رمضان وتكريم الفائزين منهم، إضافة لرعايتها لاحتفالات العيد الخاصة بأطفال المخيمات والتي يرافقها تقديم الهدايا والمأكولات.