المعروك من أحد افران المعجنات في حي الثورة بمدينة ادلب
المعروك من أحد افران المعجنات في حي الثورة بمدينة ادلب

“أكل الملوك يا معروك”.. “تازة يا معروك” حين تسمع تلك العبارات وتشم روائح هذه الحلوى تفوح في الأسواق، فاعلم أن رمضان قد أتى،  فـ المعروك بالنسبة للسوريين مرتبطٌ بالشهر الفضيل، ولا يمكن تصوّر مائدة الإفطار دون وجوده، حتى بات يسمى “خبز رمضان”، إلا أن ارتفاع سعره بشكلٍ كبير هذا العام جعل معظم السوريين يستغنون عنه ويدرجونه ضمن قائمة الرفاهيات، بعد أن كان على مر العقود من الأساسيات في الشهر الكريم.

يستعيد أبو منذر من سكان حي الجميلية بحلب ذكرياته قبل الثورة، حين كان يُجهّز قائمةً طويلةً قبل خروجه الى السوق في رمضان، تحتوي أهم الحاجيات التي تريدها زوجته لتحضير مائدة الإفطار، وتكون على رأسها المعروك، الذي لم يكن يغيب عن موائد السوريين في الشهر الفضيل.

يقول أبو منذر لفوكس حلب: “كنا نضع المعروك كشيء أساسي على مائدة الإفطار، فالبعض يُفضّل تناوله كمقبلاتٍ قبل البدء بالطبق الرئيسي، والبعض يأكله عوضاً عن الخبز الى جانب الوجبات، وهناك من يُفضّل تناوله كحلوى بعد الإفطار مع كوب الشاي، كما كان المعروك حاضراً على مائدة السحور، فهو مليء بالكربوهيدرات التي تمنح الطاقة للجسم طوال فترة الصيام”.

المعروك من أحد افران المعجنات في حي الثورة بمدينة ادلب
المعروك من أحد افران المعجنات في حي الثورة بمدينة ادلب

في عام 2010 كان سعر المعروك السادة 25 ليرة سورية، والمحشو بجوز الهند والزبيب أو التمر بـ 50 ليرة، وبالتالي كان سعره منخفضاً وفي متناول الجميع، ومع اندلاع الحرب بدأت الأسعار ترتفع فوصل سعر المعروك السادة في 2015 الى 100 ليرة، والمحشو بـ 150 ليرة.

يضيف أبو منذر: “أسعار جميع مستلزمات رمضان الأساسية هذا العام وصلت الى أرقامٍ خيالية، حيث أصبح سعر المعروك السادة 3 آلاف ليرة، والمحشو ما بين 3500- 4000 آلاف حسب نوع الحشوة، وبالتالي اضطر أغلب السوريين للاستغناء عن المعروك، وشراء الحاجيات الضرورية كالخبز والخضروات”.

“المعروكة” تساوي ست ربطات خبز

لم تكن أسعار المعروك في الشمال السوري هذا العام أقل من مناطق النظام، بل كانت أشد ارتفاعاً مقارنةً بالعام الماضي، حيث يبلغ سعر المعروك السادة (حجم صغير) 5 ليرات تركية، والسادة (حجم كبير) 10 ليرات، بينما يصل سعر المعروك المحشو الى 15 ليرة.

وبدأت مناطق الشمال السوري منذ منتصف العام الماضي، تتعامل بالليرة التركية بدل السورية، التي شهدت انهياراتٍ متتالية طوال سنوات الحرب، إلا أن أغلب السكان وجدوا هذا الحل غير مجدي في تحسين الواقع المعيشي.

وقال أحمد شيخ تلت من سكان مدينة ادلب لفوكس حلب: “حين كنا نتعامل بالليرة السورية، كان سعر المعروك في رمضان الماضي 500 ليرة للسادة و700 للمحشو، أما في رمضان الحالي ومع تحوّل التعامل الى الليرة التركية أصبح السادة بـ 10 ليرات والمحشو بـ 15، وبالتالي باتت المعروكة تعادل ثمن 6 ربطات خبز”.

بائع معروك  في حي الثورة بمدينة ادلب
بائع معروك في حي الثورة بمدينة ادلب

وأضاف شيخ تلت “لو حسبنا سعره اليوم على الليرة السورية، نجد أن المعروك السادة أصبح بـ 3500، و5 آلاف للمحشو، أي أن سعر المعروك ارتفع عشرة أضعاف مقارنةً بالعام الماضي، وطبعاً هذا الأمر ينطبق على أسعار معظم السلع، وبالتالي فالتعامل بالليرة التركية أشعل الأسعار، بينما بقي دخل المواطن على حاله، وهذا جعلنا نستغني عن كثيرٍ من السلع التي كانت أساسيةً من قبل، ومن ضمنها المعروك”.

كذلك تقول هبة لقموش من سكان اعزاز: “الأسعار في رمضان أصبحت جنونية، حيث يستغل الباعة والتجار غياب الرقابة، فلديّ صديقة تقيم في إسطنبول أخبرتني أن سعر المعروك السادة من النوع الفاخر والحجم الكبير بين 5-7 ليرات تركية، بينما يبلغ سعره في المناطق المحررة 10 ليرات وبجودة متوسطة، علماً أن مستوى دخل السوريين في تركيا أفضل بكثير من الأهالي في الداخل”.

من جهته أفاد أبو محمد حبوش صاحب محل معجنات في مدينة ادلب: “كثير من السكان يشتكون من ارتفاع سعر المعروك هذا العام ويتهموننا بالغش، لكن أسعار المكونات مرتفعة خاصةً مع تراجع الليرة التركية، فكيلو السكر بـ 5 ليرات تركية، والطحين بـ 3، والجبنة بـ 20، والمحلب بـ 200، اضافةً الى ارتفاع أسعار الغاز والمازوت بشكلٍ مستمر، لذا من الطبيعي أن يصبح سعر المعروك بين 10-15 ليرة”.

حلول للظفر بمعروك رمضان

رغم ارتفاع أسعار المعروك ، إلا أن بعض السوريين لا يستطيعون الاستغناء عنه، لكن لجأ البعض الى حلولٍ بديلة ليتمكنوا من تناوله باستمرار في رمضان، فهو بالنسبة لهم من الطقوس التراثية المحببة.

يقول أبو صحبي من سكان الزاهرة بدمشق: “أولادي يحبون المعروك كثيراً، كنت معتاداً أن اشتري ثلاث قطع من المعروك يومياً، لكن بعد أن وصل سعره الى 3 آلاف ليرة سورية، أصبحت اشتري واحدةً فقط، وفي بعض الأحيان أسأل عن سعره في كل المحلات لشراء الأرخص ثمناً، أو اشتري من البسطات المنتشرة في الشوارع، حيث أن سعر المعروك ألفي ليرة، وأحياناً يُباع بـ 1500 ليرة في المساء”.

خباز في أحد أفران المعروك في إدلب
خباز في أحد أفران المعروك في إدلب

في المقابل لجأت بعض السيدات الى تحضير المعروك في المنزل حيث أن تكلفته ضئيلة، تقول هدى ربة منزل من سكان جرمانا: “يمكن لأي سيدة تحضير المعروك في البيت ووضع الحشوة التي تريد، فطريقة تحضيره سهلة، ويمكن تعلمها من اليوتيوب، كما أن تكلفته أقل من نصف سعره في الأسواق، وبنفس الوقت حجم القطعة كبير وتكفي خمسة أشخاص، بينما معروك السوق لا يكفي شخصين”.

تضيف هدى “لتحضير معروك سادة، نحتاج الى ربع كيلو طحين بـ 500 ليرة سورية، نص ظرف خميرة بـ 150، ربع كوب سكر بـ 200، بيضة واحدة بـ 200، القليل من السمسم والشمرة بـ 150، وربع كوب من الزيت بـ 100، الى جانب الماء، وبالتالي تبلغ تكلفته 1300 ليرة فقط، علماً أن بعض السيدات تضيف أيضاً الحليب والزبدة والمحلب وحبة البركة والماء زهر، لكن يمكن الاستغناء هناك لتقليل التكلفة”.

وجاءت كلمة “معروك” اشتقاقاً من “العرك” أي الخلط بشكلٍ جيد حتى تتماسك المكونات، ففي الماضي كان المعروك يُحضّر يدوياً لعدم وجود آلة العجن وقتها، وحتى الآن تعتمد أغلب السيدات الطريقة القديمة في العجن مع انقطاع التيار الكهربائي.