أحد المطاعم في مدينة اعزاز -إنترنت
أحد المطاعم في مدينة اعزاز -إنترنت

يشهد الشمال السوري الخارج عن سيطرة النظام، وبشكل خاص مناطق ريف حلب، اقبالاً متزايداً على الاستثمار في قطاع الترفيه والخدمات الذي يستقطب غالبية المستثمرين المحليين، في تطور يرى فيه المختصون ظاهرة اقتصادية مفيدة، تعكس حالة الاستقرار وتوفر الأمان نسبياً في المنطقة.

لكن اللافت في هذه المشاريع التي لايكاد يخلو حي أو بلدة بريف حلب الشمالي والشرقي منها، أنه مقابل ازدهار هذا القطاع وتوسعه، فإن الأوضاع المعيشية لسكان المنطقة الذين يمثلون في النهاية “الزبون المستهدف” لا تشجع على زيادة أعداد المطاعم وأماكن الترفيه، خاصة مع ارتفاع نسبة البطالة، بينما تعتبر غالبية الفئة العاملة من أصحاب الدخل المحدود.

ازدهار المشاريع الترفيهية

تأتي المطاعم في مقدمة المشاريع التي تجذب المستثمرين، خاصة وأنها توفر خيارات تناسب مختلف كتل رأس المال، ومن الملاحظ انتشار عدد كبير منها تتباين من حيث الحجم والمساحة ومستوى الخدمات. ومنها الكبيرة التي تستوعب نحو عشرين طاولة وأكثر، وقد بدأت بالازدياد في المدن الرئيسية مثل “اعزاز والباب وعفرين وبزاعة”، ومطاعم متوسطة الحجم “كافتيريات”، وأخرى صغيرة، وهي الأكثر انتشاراً حيث تتركز في الأسواق والشوارع الرئيسية.

تجاوز عدد المطاعم الكبيرة والمتوسطة في مدينة إعزاز وحدها، خلال السنوات الخمس الماضية، ثلاثين مطعماً، مايعكس حجم الاستثمار ضمن هذا القطاع في المدينة، خاصة مع التراجع التدريجي للقطاع الزراعي فيها واتجاهها لنمط المدن الكبيرة.

ويعتبر كثير من أصحاب رؤوس الأموال، أن غياب التعقيدات البيروقراطية وتسهيل المجالس المحلية الحصول على الموافقات والرخص لإنشاء المطاعم والأماكن الترفيهية، فضلاً عن رمزية الضرائب، قد ساهمت في نمو القطاع بالشمال السوري عموماً.

ويشير أبو شهاب صاحب مطاعم “كناج” في مدينة اعزاز، خلال حديثه لفوكس حلب، إلى سبب آخر ساهم بانتشار المطاعم في السوق، وهو ارتفاع الكثافة السكانية بريف حلب الشمالي، نتيجة حركات النزوح والتهجير، وتحول العديد من مدنه مثل “الباب واعزاز” إلى مراكز تجارية واقتصادية.

معوقات وارتفاع التكلفة

مع ذلك، لاتزال هناك العديد من العراقيل التي تواجه المستثمرين، أبرزها عملية استيراد المعدات والتجهيزات وارتفاع قيمة بعضها إلى الضعف لعدم توفرها في السوق المحلية، حيث تشكل 90 في المئة من قيمة رأس المال.

وعن هذا الموضوع يشرح أبو شهاب: بلغت تكلفة التجهيز لافتتاح مطعمي الذي يضم  25 طاولة ومطبخين لتقديم الوجبات الشرقية والغربية، مايقارب مئتي ألف دولار، وذلك نتيجة اضطرارنا لاستيراد المعدات والأدوات اللازمة من تركيا.

ويقول أيضاً: بالإضافة إلى تكلفة المشروع هناك مصاريف يومية ثابتة تبلغ 3000 ليرة تركية تقريباً، من إيجار العقار وأجور اليد العاملة، حيث يوفر مطعمي 35 فرصة عمل، وهذه الأجور تمثل تحدياً حقيقاً أمام نجاح المشروع.

لكن، وبالرغم من ارتفاع تكاليف الاستثمار، إلا أن الأرباح تعتبر مضمونة بالنسبة إلى أصحاب الخبرة في هذا المجال (ولاد المهنة) كما يؤكد أبو شهاب. ويضيف: “يعتبر الاستثمار في مجال الإطعام من أكثر المشاريع نجاحاً في المنطقة، فلا أحد يمكنه الاستغناء عن الأكل.  كما يلعب الجو العام للمكان وطريقة عرض وتقديم المنتج بما يتناسب مع مستوى دخل السكان دوراً هاماً في جذب الزبائن الذين يقصدون المطاعم للترويح عن أنفسهم أو الاستراحة من عناء سفر طويل”.

ويرى سكان ممن التقيناهم أن وجود مثل  النوع من المشاريع قد بات ضرورياً، نتيجة ارتفاع الكثافة السكانية والازدحام، فضلاً عن غياب الخدمات من كهرباء وانترنيت بشكل يساعد على إقامة السهرات والولائم المنزلية كما في السابق، دون أن يخفوا استيائهم من الأسعار.

ويقول أبو عمر من سكان مدينة الباب: تعاني الناس من تبعات الحرب وظروف الحياة القاسية التي جعلت المنزل الواحد يؤوي عائلتين وأكثر، لذا فهي تجد في الكافتيريات والمطاعم متنفساً اسبوعياً أو شهرياً للترويح عن النفس، بالرغم من ارتفاع الأسعار بالنسبة إلى قسم كبير من السكان هنا، حيث يبلغ السعر الوسطي للوجبة حوالي 4000 ليرة (مايقارب دولار أمريكي واحد).

مخاوف ودلالات

الدلالات الايجابية التي يعكسها النمو التصاعدي للقطاع على اقتصاد المنطقة، وتنمية القطاعات المرتبطة به مثل الزراعة والخدمات، لم يمنع من تخوف بعض الاقتصاديين من الآثار المستقبلية لهذا النشاط، خاصة وأنه يأتي على حساب المشاريع الصناعية والانتاجية التي يعاني الشمال السوري من نقص المستثمرين فيها.

وكان مركز عمران للدراسات قد أشار في تقريره عن “التعافي الاقتصادي المبكر في الشمال السوري“، الصادر منتصف شهر آذار/مارس المنقضي، إلى العديد من العقبات التي تقف حائلاً دون تنمية القطاع الخاص والاستثمار، أبرزها هشاشة الوضع القانوني وعدم الاستقرار السياسي والعسكري في المنطقة.

وفي السياق، قال الخبير الاقتصادي “عبد الرحمن أنيس” لفوكس حلب: إن عدم اهتمام السلطات في الشمال السوري برسم رؤية اقتصادية شاملة (الاقتصاد الكلي) للمناطق المحررة، من توفير الأمان والخدمات المالية والمصرفية وتأمين الخدمات الرئيسية لخلق بيئة استثمارية جاذبة وتوليد فرص العمل، أدى إلى عزوف المستثمرين والصناعيين عن نقل مصانعهم إلى الشمال أو افتتاح منشآت صناعية.

وأضاف: يمكن القول أن انتشار هذا النوع من المشاريع، يعد طبيعياً في مناطق الحروب والنزاعات، حيث تعتبر دورة رأس المال قصيرة نسبياً، وغالباً ما تكون يومية أو أسبوعية، وبالتالي تكون أرباحها سريعة وتغطي الكلفة التشغيلية من أسعار البضائع وأجور العمال وبعض المصاريف، كما أنها قادرة على خلق عشرات فرص العمل، وهذا ينعكس بطبيعة الحال على مستوى الدخل الأسري.

وأكد “أنيس” على أن نهوض أي قطاع في الشمال السوري حالياً يجب التعامل معه على أنه خطوة متقدمة لانعاش الاقتصاد المحلي، لكن بالمقابل يتحتم على المؤسسات الحكومية المسؤولة في المنطقة توفير أرضية خصبة تساعد على تنوع المشاريع من خلال توفير هيكل دولة اقتصادية وإيقاف الاعتماد على المشاريع الممولة ودعم الإيرادات الوطنية.

الاستقرار الأمني وتوقف العمليات العسكرية في الشمال السوري، الذي انعكس على حياة السكان وتحول اهتمامهم للبحث عن سبل الاستقرار والراحة، ما ساهم بنمو الاستثمار ضمن قطاع المطاعم في المنطقة.

وبحسب تقارير اقتصادية عالمية، فقد حقق قطاع المطاعم نمواً اقتصادياً خلال العام الماضي بمعدل 4 في المئة، على عكس بقية القطاعات والاستثمارات التي تأثرت باجراءات العزل الوقائي نتيجة جائحة كورونا، وهو ماينطبق أيضاً على الشمال السوري، الذي ساهمت الاجراءات الوقائية بتحسين مستوى خدمة الزبائن وتنشيط خدمة التوصيل المنزلي “دلي فري”.