الصورة من الإنترنت
الصورة من الإنترنت

وفّرت السيدة (منى) ثلاث ليرات تركية من ثمن علبة دواء واحدة كانت تشتريها من صيدلية مجاورة لمنزلها، تقول إنها دخلت إلى صيدلية أخرى لتحصل على دوائها لتتفاجأ بسعر مختلف لعلبة الدواء ذاتها، ومن نفس الشركة المصنعة.

لا يغيب تفاوت أسعار الأدوية عن كثر من سكان إدلب، ما يدفعهم لتسعير الوصفة الدوائية في أكثر من صيدلية للحصول على السعر الأنسب، يخبرنا أبو معاذ وهو مواطن يعيش في المدينة “لا يوجد صيدليتان يعطونك سعراً واحداً لنفس الوصفة في المدينة”.

يبرر الصيدلاني خالد اليماني تفاوت أسعار الأدوية بقوله : “إن استيراد الدواء من عدة مصادر لعب دوراً كبيراً في اختلاف الأسعار، كذلك زمن الاستيراد الذي يحدد سعر الأدوية، بسبب اختلاف سعر صرف الدولار بين دفعة وأخرى”.

على رفوف صيدلية الدكتور وائل تجد ثلاث تسعيرات  مختلفة لعلب دواء “فلاجيل”،  حيث كتب على إحداها ثمان ليرات تركية والثانية خمس والأخيرة بثلاث ليرات، دون اختلاف في شركة التصنيع يقول وائل: “إن العلب الثلاث من دفعات مختلفة قام بشرائها، وإنه لا يمكن بيع الأدوية بأرخص من ثمنها ما سيسبب له خسارة أكيدة”.

ويشرح وائل آلية تفاوت أسعار الأدوية بقوله:” يشتري الصيدلي دواء بسعر تسع ليرات تركية، على سبيل المثال، وفي اليوم التالي يصبح سعره في النشرة الموحدة سبع ليرات بسبب اختلاف سعر صرف الليرة التركية، ما يعني أن الصيدلي سيخسر إذا باع بنفس تسعيرة النشرة، لذلك تجد سعرين مختلفين عند غالبية الصيادلة، ولا يسلم الصيدلاني من المخالفات والرقابة والشكاوى التي تقدم ضده رغم عدم مسؤوليته عن ارتفاع أو تغير السعر” حسب قوله.

ويضيف الصيدلاني أن المستودعات الخاصة هي من يتحكم سعر الأدوية بشكل كبير قبل ضبط السعر من قبل النقابة، إذ كان بعضهم يوقف استيراد بعض الأدوية بهدف تصريف البدائل الموجودة في مستودعه، وبالسعر الذي يريد، حيث وصل التفاوت بالسعر أحياناً لعشر ليرات تركية لنفس الصنف والشركة، أما اليوم فقد تضاءلت فروقات الأسعار لتتراوح بين ليرة الواحدة إلى ثلاث ليرات”.

محاولات مستمرة لضبط السوق

في حزيران من عام 2020 شُكّلت “لجنة الأمن الدوائي العليا” في إدلب، بمشاركة من الجهات الصحية والجهات المسؤولة عن ضبط الأسعار والمعابر، وأصدرت نشرة أسعار موحدة للأدوية المنتجة محلياً والمستوردة من مناطق النظام، حيث تم تحديد سعر الأدوية، وأجور الشحن مع فرق التصريف، ووزعت النشرات على جميع الصيدليات المرخصة، كما حددت نسبة الربح للأدوية ذات السعر المنخفض بـ 33٪ أما الأدوية ذات الأسعار المرتفعة فحددت النسبة بـ 25٪ من سعر الدواء. بحسب من التقيناهم من صيادلة.

ويقول يحيى نعمة نقيب صيادلة إدلب “إن المشكلة الأكبر لـ تفاوت أسعار الأدوية تكمن في غياب النشرة الموحدة لأسعار المنتجات الأجنبية المستوردة عبر معبر باب الهوى، الأمر الذي أوجد بعض الفروقات السعرية، ولعب تفاوت سعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار دوراً في تباين أسعارها كونها تستورد بالدولار”.

وأكد نعمة أن أسعار الأدوية استقرت بشكل أكبر بعد اعتماد الليرة التركية في التعاملات المالية، إذ شهد سوق الأدوية تفاوتاً كبيراً بالأسعار قبل اعتماد الليرة التركية نتيجة انخفاض قيمة الليرة السورية وارتفاع أجور الشحن وغياب الجهات الرقابية، إذ كانت المستودعات الدوائية تبيع نفس الصنف الدوائي ومن نفس الشركة بسعرين مختلفين.

تنفذ شعبة الرقابة الدوائية بالتعاون مع نقابة الصيادلة جولات مستمرة على الصيدليات للتأكد من التزام الصيدلي بدوامه، وعدم وجود أصناف دوائية مخالفة، أو مخالفة الصيدلي لأسعار النشرة، ومتابعة أي شكوى مقدمة بشأن ذلك من قبل المواطنين، مع اتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين، بحسب الدكتور محمد حاج حمود “رئيس شعبة الرقابة الدوائية” في مديرية صحة إدلب، والذي أكد أن الإجراءات التي تتخذها الشعبة قد تصل للتشميع فوراً إن كانت الصيدلية مفتوحة وتزاول عملها بدون صيدلي وغير مرخصة، في حين تبدأ مخالفة الصيدليات المرخصة بالإنذار قبل الوصول للتشميع.

أما في حال التأكد من مخالفة سعر الدواء، يعطى الدواء مجاناً للمريض ويعاد المبلغ المدفوع له، بالإضافة لعقوبة مادية بحق الصيدلية المخالفة.

وقد أصدرت نقابة الأطباء تعميماً خصصت من خلاله رقماً للشكاوى والاستفسار عن أسعار الأدوية وفق النشرة الدوائية وتعديلاتها، وفي حال تعرض المواطن للغبن بإمكانه إرسال صورة الدواء الذي تم شراؤه واسم الصيدلية ومكانها واسم الشخص الذي قام ببيعه والسعر الذي تقاضاه منه لتتابع النقابة عملها وتقوم بمخالفته.

تعرضت صيدلانية في إدلب لمخالفة بسبب بيعها لعلبة دواء حسب التسعيرة القديمة وبسعر ثمانية عشر ليرة تركية في حين أصبح سعرها الجديد خمسة عشر ليرة، تقول إنها دفعت مئتي ليرة تركية كمخالفة نتيجة تقديم شكوى ضدها.

مصدر الدواء

تعتمد غالبية مستودعات الأدوية العاملة في إدلب، على كتلة دوائية مصنعة في المعامل السورية داخل مناطق سيطرة النظام، إضافة لنسبة بسيطة من الدواء المستورد من (الهند والصين) عن طريق المعابر الرسمية، وغالباً تكون أسعار الأدوية الأجنبية مستقرة لأنها تستورد بالدولار، في حين يشهد سوق الأدوية السورية تقلباً مستمراً في الأسعار نتيجة تغير سعر صرف الليرة السورية بحسب علي حمادة “صاحب مستودع أدوية”.

وقال: تعتمد مستودعات الأدوية في تحديد أسعارها على معادلة تسمى “نت الأدوية” وقد اعتمدتها لجنة الأمن الدوائي في مدينة إدلب لضبط تقلبات السعر. حيث يضاف لنت القطعة الدوائية 20٪ أجور شحن و7٪ للمستودع المركزي و10٪نسبة ربح للمستودع، ثم يقسم ناتج مجموع هذه الأرقام على 350 (وهي نسبة معيارية تمثل سعر صرف الليرة التركية مقابل الليرة السورية) حين تم وضع المعادلة.

نفى الحمادة وجود اختلاف في سعر الأدوية بين المستودعات بسبب ضبط السعر من قبل وزارة الصحة التي تصدر نشرة رسمية بذلك، ولا يمكن لأي مستودع مخالفتها، في حين استمر موضوع ارتفاع وهبوط سعر الدواء نتيجة البيع والشراء بعملتين مختلفتين.

تأخذ عملية وصول الدواء من مناطق النظام إلى مدينة إدلب نحو شهر من لحظة إرسال الحوالة المالية للموردين إلى لحظة وصولها للمستودعات، وبهذه الفترة يختلف سعر صرف الليرة السورية، ويصل للمستودع بسعر مختلف، ما يتسبب بخسارة المستودع بهذه الشحنة حسب حمادة.

ضرائب ترفع أسعار الدواء

تفرض حكومة الإنقاذ ٧٪ كضريبة على كل قطعة دواء تدخل المحافظة عبر معبر “دارة عزة – الغزاوية”، وتذهب الضريبة لصالح مستودع العادل التابع للمكتب الاقتصادي، كما تتعرض شحنة الدواء لصعوبات كبيرة أثناء الاستيراد نتيجة مرورها على حواجز الفرقة الرابعة وحواجز قسد، وقد يتم إفراغ الشحنة على الأرض وتفتيشها ما يؤدي لتلف بعضها، الأمر الذي يتسبب بزيادة سعر الدواء على المواطن بحسب أبو الوليد “اسم مستعار لصاحب مستودع أدوية”.

ويقول أبو الوليد إن مستودع العادل يحتكر استيراد الأدوية من مناطق النظام، ولا يُسمح لأي مستودع باستيراد الدواء إلا من المستودع المركزي حصرياً مع عجزه عن تأمين جميع الأصناف المطلوبة، ما يدفع بقية المستودعات لتأمين الأدوية عبر طرق التهريب ودفع مبالغ إضافية سيتحملها المواطن.

يتساءل أبو الوليد، وكذلك مواطنون تحدثنا معهم عن سبب وضع هذه الضريبة التي ترفع من سعر الأدوية بدلاً من الاتجاه نحو دعمها، يقول إنه يجب اتخاذ إجراءات صارمة بهذا الخصوص، فلماذا علينا أن ندفع ضريبة لمستودع!

يشكل الفارق السعري في الأدوية مشكلة أخرى تضاف لما يثقل كاهل المواطنين الذين يرجون توحيد هذه الأسعار وإراحتهم من البحث والمساومة بين الصيدليات، ويأملون بإيجاد صيغة مناسبة تضمن للمواطن الحصول على الدواء بسعر مناسب وللصيدليات عدم الخسارة.