الإعلاميات السوريات في تركيا جهد مضاعف وإنتاج قليل خلال كورونا
الإعلاميات السوريات في تركيا جهد مضاعف وإنتاج قليل خلال كورونا

ألقى فيروس كورونا المستجد بظلاله على مناحي الحياة كافة، وطالت آثاره جميع فئات المجتمع. ولم تكن الإعلاميات بمنأى عن هذه الآثار، وبخاصة الإعلاميات السوريات الموجودات في تركيا، فقد كانت الآثار السلبية عليهن مضاعفة، لعدة اعتبارات، منها وجودهن في بيئة بعيدة عن الأهل والأقارب، وطبيعة التعاقد مع المؤسسات التي يعملن فيها والتي انطلقت في ظروف استثنائية، ولم يتسنَ لها وضع قوانين تنظّم عمل الموظفين وتراعي الظروف الطارئة.

لقد كانت الحكومة التركية من أكثر الحكومات تشدّداً في فرض إجراءات قد تحدّ بنظرها من انتشار فيروس كورونا بين السكان، وكان من أبرز الإجراءات التي اتخذتها حظر التجوال، ومنع تجمّع الأشخاص في أماكن العمل، وحظر الخروج من المنازل يومي السبت والأحد من كل أسبوع، وبعد التاسعة مساءً على مدار الأسبوع حتى الخامسة صباحاً، وبسبب هذه الإجراءات اضّطرت الإعلاميات إلى نقل جزء كبير من أعمالهن إلى المنازل، وهنا طرأت مشكلات جديدة أدت إلى بذلهنّ جهداً مضاعفاً وتراجع كمية الإنتاج.

أبرز التحديات التي واجهت الإعلاميات السوريا في تركيا خلال كورونا
أبرز التحديات التي واجهت الإعلاميات السوريا في تركيا خلال كورونا

تقول المذيعة في تلفزيون “حلب اليوم” حلا الخطيب إن الظروف التي لازمت انتشار فيروس كورونا أجبرتنا على التواصل مع المصادر عبر الأون لاين فقط، وهذا غالباً ما يؤدي إلى صعوبة في فهم المصادر ما يحتاجه الصحفي، على عكس المقابلة وجهاً لوجه، كما أدت هذه الظروف إلى ممارسة الصحفية مهمات إضافية قد لا تكون أساساً من اختصاصها، وهذا بات يكلّفها جهداً إضافياً، كما لم تعد تستطيع الالتزام بوقت العمل، فأحياناً نضطّر للعمل ساعات إضافية حتى إنجاز المادة التي تعمل عليها، وكل هذه الظروف الطارئة تضع الصحفية تحت ضغط نفسي مستمر.

وتضيف أن طول فترة الجائحة اضطّر الصحفيات لتعلم مهارات جديدة، ولكنّه في نفس الوقت قلّل من الإنتاجية، والمشكلة الكبرى باتت تكمن في تحوّل جو العمل إلى جو شبيه بالحياة المنزلية، وهذا انعكس سلباً على وجود الصحفية وتعاطيها مع عائلتها، وباتت الحياة متكررة، فلم تعد تتوفّر فرصة للانتقال من جو العمل إلى الجو العائلي، وهذا أدى إلى تدخل العائلة في بعض الأحيان في العمل الصحفي، وتشير إلى أن الخوف من فقدان فرصة العمل وعدم وجود استقرار وظيفي كان يضطرها للتواصل مع عدة جهات والقيام بأعمال عديدة في نفس الوقت، وقليل منها كانت ذات جدوى، بحسب تعبيرها.

أما آلاء محمد المحررة في “راديو روزنة” فتقول إن ظروف الحظر أثّرت عليها نفسياً، فلم تعد تستطيع تفريغ وقت لابنها كالسابق، وباتت تحس بأنها بحاجة للراحة أكثر لكنها لم تتمكن من ذلك بسبب الحظر المفروض يومي السبت والأحد، ومساء كل يوم حتى الصباح، كما أدى طول فترات الجلوس في المنزل إلى لجوئها للقراءة التي جعلتها تراجع الكثير من الأفكار والمعتقدات وهذا شكّل عليها ضغطاً نفسياً مضاعفاَ، كما ترى “محمد” أن وجود الزوجين في المنزل بشكل دائم قد يخلق خلافات بينهما بسبب أو بدون سبب.


وتشير إلى أنها لجأت إلى اختصاصي نفسي بسبب الضغوط النفسية التي واجهتها، واضطرت إلى أخذ إجازة من العمل عدة مرات، وذلك لأنها لم تكن تحب الجلوس في المنزل أساساً والآن باتت مجبرة على البقاء بين جدرانه، بل واضطّرت إلى نقل جزء من عملها إليه، وأكّدت أنها بكت في كثير من الأحيان لأنها لم تعد تجد الوقت الكافي للجلوس مع ابنها الوحيد، أو الخروج معه في نزهة إلى حديقة أو مطعم قريب، أو إلى أي مكان آخر يحبه.

هيفا خليل صحفية في “راديو نسائم” حملت بابنتها خلال انتشار الجائحة في تركيا ووضعتها أواخر عام 2020، تقول كنت خلال فترة الحمل أتحاشى الاختلاط بالآخرين في مكان العمل وفي وسائل النقل العامة، خوفاً على نفسي وعلى الجنينة بسبب اعتقادي أن مناعة الحامل قليلة، وتشير إلى أنها كانت تصطدم في كثير من المرات خلال عملها باعتذار الضيوف عن المقابلات، بسبب إصابتهم أو أقاربهم بفيروس كورونا، أو وجودهم في الحجر الصحي، وهذا كان يلغي أو يؤجل الحديث عن مواضع تمّ التخطيط لها مسبقاً.

وتؤكّد أن دعم زوجها ساعدها على تجاوز الآثار النفسية التي سبّبها انتشار الوباء، فكان يشجّعها على العمل بالرغم من الآثار النفسية المضاعفة للحمل، وكان يساعدها بأعمال المنزل، كما أن إدارة الإذاعة التي تعمل فيها راعت ظروفها الصحية والنفسية، ولم تلزمها خلال فترات العمل بالدوام الكامل، بل كانت تعود إلى منزلها بعد إنهاء مهامها، وتركت لها في نفس الوقت حرية اختيار المواضيع والضيوف.

كيف واجهت الإعلاميات السوريات التحديات التي تعرضن لها في تركيا خلال فيروس كورونا
كيف واجهت الإعلاميات السوريات التحديات التي تعرضن لها في تركيا خلال فيروس كورونا

ويبقى هذا جزء بسيط مما عانته الصحفيات السوريات في تركيا خلال كورونا، وخاصة أن للنساء في المجتمع السوري، خصوصية تجعلها أكثر عرضة للتأثر نفسياً ومادياً، إضافة إلى تعرّض كثير من النساء للعنف بسبب بقاء الأزواج في المنازل فترة أطول، والاضطرار للقيام بأعباء الرعاية الصحية لأسرهن وبيوتهن وأطفالهن، ما يجعل لهن نصيباً كبيراً من الخطر اليومي.

وأظهرت دراسة بحثية نشرتها منظمة “صحفيون من أجل حقوق الإنسان” عام 2020 بعنوان “مساحة صحافة حقوق الإنسان في تغطية وسائل الإعلام السورية لأزمة كورونا” وشملت منشورات 40 مؤسسة إِعلامية محلية  ما بين 20 آذار و30 نيسان أن نسبة (8.2%) من المواد في الفترة التي تناولها البحث معدة من قبل صحفيات، وأن نسبة الصحفيات لم تتجاوز في بعض المؤسسات (5 %) وهذه الإحصائيات تظهر شكلاً من أشكال التمييز ضد المرأة في ميدان العمل، وتخالف اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي تقول في المادة رقم 11 “تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في ميدان العمل لكي تكفل لها، على أساس المساواة بين الرجل والمرأة”.

تمّ إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR” صحفيون من أجل حقوق الإنسان” بتمويل من برنامج عالم كندا Global Affaris Canada

فرحات أحمد -راما نعناع