تربية الإبل في ريف حلب الغربي -فوكس حلب
تربية الإبل في ريف حلب الغربي -فوكس حلب

لم يعتد أهالي الشمال السوري تربية الإبل في مناطقهم، إلا أن مشهد وجودها بات مألوفاً بعد وصول عدد من المهجّرين والنازحين من أصحاب هذه المهنة وممارستها في المنطقة، حيث افتُتحت بعض محلات بيع لحم الجمل في ريفيّ حلب وإدلب، إضافةً إلى انتشار الإبل في بعض المناطق الزراعية، إلا أن المربين اصطدموا بالكثير من الصعوبات.

وتحتاج تربية الإبل الى شروطٍ معينة، من سهولٍ ومنخفضاتٍ رملية، ومناخٍ صحراوي جاف، وانتشارٍ للنباتات الشوكية، لذلك تنتشرتربية الإبل في أرياف حمص وحماه ودير الزور والرقة المحاذية للبادية، وفي حرستا ودوما بالغوطة الشرقية.

وعقب تهجير النظام لسكان الغوطة وحمص وحماه قبل ثلاث سنوات، نقل المهجّرون الإبل معهم الى الشمال المحرر، كونها مصدر رزقهم الوحيد، يقول حسين رومية أحد مربي الإبل من مهجري دوما: ” تربية الإبل مصدر رزقنا الوحيد، وهي مهنة ورثناها عن الآباء والأجداد، لذلك رغم تهجيرنا نقلنا تربية الإبل إلى الشمال السوري”.

يضيف رومية لفوكس حلب: “في بداية تهجيرنا قبل ثلاث سنوات كان دخلنا ضئيلاً للغاية، فأهالي الشمال السوري غير معتادين على لحم الجمل، ويُفضّلون عليه لحم الغنم، لكن مع الأيام بدأ بعض السكان يعتادون عليه ويشترونه للطهي والشواء، أو حتى من أجل الأضاحي والنذور”.

ولم تقتصر تربية الإبل التي وصلت إلى الشمال السوري على المهجّرين فقط، بل أن الكثير من المربين الذين كانوا في مناطق البادية وأرياف المنطقة الشرقية، نزحوا منها هرباً من القصف وبطش الأسد وتنظيم داعش، حيث نفَقت الكثير من الجِمال بفعل القصف، فضلاً عن قيام الكثير من الميليشيات بالاستيلاء على الإبل من المربين، ما دفعهم للبحث عن بيئةٍ أكثر أمناً.

تحديات تعيق تربية الإبل

اصطدم المهجّرون والنازحون الذين نقلوا تربية الإبل الى الشمال السوري بصعوباتٍ كثيرة، يقول أبو عدي الخلف من نازحي تدمر: “أعمل في تربية الإبل منذ ثلاثين عاماً، لكن خلال السنوات الماضية عانينا من القصف والسرقات، لذلك بحثنا عن مكانٍ أفضل، فنزحنا إلى ريف حلب الغربي، لكن المشكلة الأكبر التي تواجهنا ندرة المراعي الواسعة والوفيرة، وصعوبة تأمين العلف، إضافةً الى طبيعة الأرض الطينية في الشتاء، والتي تتسبّب بانزلاق الجِمال وإصابتها بكسور تساهم في انخفاض ثمنها”.

يضيف الخلف لفوكس حلب: “حين كنا في البادية السورية، لم نكن نشتري العلف أبداً، حيث أن النباتات الشوكية متوفرة في الصحراء صيفاً وشتاءً، ولاسيما (الشيح والرمث والعاكول)، وهي علف مفضّل لدى الإبل، أما في الشمال السوري فالعلف متوفر فقط في الصيف، بينما نضطر لشرائه في الشتاء”.

ويبلغ سعر الكيلو غرام من العلف حوالي ربع دولار أمريكي، وهو ما دفع المربين إلى مناشدة المنظمات الانسانية والجهات المعنية، لتقديم العلف المجاني لهم، حيث أن وضعهم الاقتصادي السيء وارتفاع أسعار العلف، يمنعهم من شرائه بشكلٍ مستمر، واضطر البعض في ظل غياب الدعم إلى تقديم نصف كمية العلف المطلوبة إلى الإبل، وهذا انعكس سلبًا على إنتاجها.

كما يعاني المربون من ارتفاع أسعار الأدوية واللقاحات، وصعوبة تسويق إبلهم ومنتجاتها ولحومها، بسبب تفضيل سكان الشمال السوري لحوم الأغنام على لحوم الإبل، إضافةً لعدم وجود أسواق تصريف خاصة بها، ففي البادية كانت لها أسواقها الخاصة وكان تصريفها سهلاً، حيث يكثر الطلب عليها هناك.

كذلك يعتبر التكاثر والحصول على سلالات جيدة من الجِمال، مشكلة كبيرة يعاني منها المربون، حيث يجدون صعوبةً في تأمين (الذكر الفحل) القادر على التلقيح، وهو ما يُهدّد بتراجع أعداد الإبل، وبالتالي باتت هناك حاجةً ماسةً إلى وجود جهات مختصة تشرف عليها، وتساهم في إحداث مزارع متخصصة لتربيتها.

لحم الغنم يتفوق على لحم الجَمل

شهدت مناطق الشمال السوري افتتاح محلات لبيع لحم الجَمل، ففي مطلع عام 2017 افتُتح أول محل لبيع هذا الصنف من اللحوم في مدينة إدلب، وهو أمر كان جديداً على سكان المدينة، فلم يسبق لهم تناوله.

تقول أم عبدو ملندي من سكان مدينة إدلب: “حين سَمعت بافتتاح محلٍ جديدٍ لبيع لحم الجَمل قررت تجريبه، خاصةً أنه يحتوي على فوائدٍ كثيرة، لكن عائلتي لم تحبه كثيراً، فهم يُفضّلون لحم الغنم لأنه أزكى، وبنفس الوقت فإن سعر كيلو لحم الجَمل والغنم متقارب، ويتراوح ما بين 40-50 ليرة تركية، لذلك أغلب السكان يميلون إلى لحم الأغنام”.

تضيف أم عبدو “أغلب ربات البيوت يُفضلنّ لحم الغنم في الطهي، فهو الأفضل مقارنةً بلحم الجمل، الذي يتميّز بطعمه المالح وقلة الدهن فيه، وبالتالي لا يُناسب كافة الطبخات، ومن يريد تذوق لحم الجَمل فيُفضّل تناوله مشوياً فقط، ولكن مع تدهور الوضع الاقتصادي لأغلب الأهالي، لم يعد لديهم قدرة على شراء أي نوع من أنواع اللحوم، وأغلب الناس لجأت إلى لحم الدواجن كونه أرخص ثمناً”.

ضعف الإقبال على لحم الجِمال لا يقتصر على تراجع شرائه للطهي أو الشواء فقط، بل حتى أن أغلب الناس لم يعودوا يميلون إلى ذبح الجِمال للأضاحي أو النذر، لارتفاع أسعارها، حيث يصل سعر الجَمل ما بين مليون ونصف المليون إلى مليوني ليرة سورية وربما أكثر، فلكل عرق أو سلالة أو لون من الإبل مواصفات وإنتاجية معينة، وبالتالي يختلف السعر من جملٍ إلى آخر، بينما يتراوح سعر الخاروف ما بين 400-500 ألف ليرة.

فوائد عظيمة من بول الإبل ولحمه وحليبه

وللجَمل فوائد كثيرة سواءً من اللحم أو الحليب أو البول، يقول حسين رومية أحد مربي الإبل: “في بعض الأحيان نعطي القليل من بول الجمل الممزوج مع حليبه، كدواء لمرضى السرطان والسكري والتهاب الكبد، فهو يساعد على الشفاء بإذن الله، والبعض يُفضّل تناول لحم الجمل عن باقي اللحوم، لأنهم يعتبرونه سنةً متبعةً عن النبي عليه الصلاة والسلام، والذي دعانا لأكله ولو مرة في حياتنا، كونه يزيد الغيرة والنخوة لدى الانسان”.

وتوصلت بعض الدراسات الى أن بول الإبل، يساعد في علاج الالتهابات الجلدية والسكر والعقم، ويفيد في حماية البشرة وتقوية الشعر، كما تم إدخال بول الإبل في تركيبة مرهم يساعد على التخلص من آثار الحروق نهائياً، وله فوائد أيضاً لعلاج العديد من أمراض البطن ومنها القولون والقرحة والاستسقاء، إضافةً لأمراض الكبد مثل: (تورم الكبد، التهاب الكبد، وتليف الكبد).

ولحليب الإبل كذلك فوائد كثيرة، فهو يساعد على تقوية عظام الأطفال، وعلاج جلطات الدم، والتهابات العين، وأمراض الأسنان واللثة، وتقوية الجسم وإعادة بنائه، والتخلص من أمراض الجهاز الهضمي وأمراض السُل، ويفيد في علاج مرض البواسير.

كذلك يتميّز لحم الإبل باحتوائه على نسبة عالية من الأحماض الدهنية المفيدة لصحة القلب والأوعية الدموية، كما تساهم في ضبط نسبة الكوليسترول بالجسم، على عكس اللحوم الحمراء الغنية بالدهون، التي تزيد من خطر الإصابة بتصلّب الشرايين.

لكن منظمة الصحة العالمية، عبّرت عن مخاوفها من مخالطة الإبل وشرب بولها أو لبنها النيء؛ خوفاً من الإصابة بفيروس كورونا، بعد أن تمّ ربط الإصابة بهذا الوباء في بعض الحالات بمخالطة الإبل أو استخدام أحد منتجاتها، داعيةً الى أخذ الاحتياطات اللازمة عند التعامل مع أحد منتجات الإبل، والحصول عليها من مراكز معتمدة ومراقبة صحيّاً لتجنّب الإصابة بهذا المرض.

وبلَغت أعداد الإبل في سوريا عام 2010 وفق احصائيات حكومة النظام السوري 50202 رأس، إلا أن أعدادها تراجعت بسبب الصعوبات التي واجهت المربين، وسيطرة تنظيم داعش على أغلب المناطق التي تشتهر بتربية الجِمال، اضافةً الى انتشار تجارة تهريب السلالات الجيدة من الإبل الى العراق ودول الخليج.