لم تستطع سمر الشلح (45 عاماً) كبت دموعها، عندما بدأت تتحدث عن المصاعب التي واجهتها بعد دخولها إلى تركيا وحيدة دون مرافق ، من أجل تلقي علاج مرض السرطان، “لم يسمحوا لي بإدخال مرافق ، أحسست أني ضائعة، ولم أعرف ماذا أفعل، حتى علمت أن لي أقارب في مدينة إسكندرون، فلجأت إليهم وسكنت عندهم”، تقول الشلح.

وتضيف في حديث مع “فوكس حلب” أنها تضطر يومياً للسفر من إسكندرون إلى مدينة أنطاكيا لأخذ جرعة من علاج السرطان، وتستقل خلال رحلتها سيارات عامة، تعمل على نقل المسافرين بين المدينتين، ولا تعود إلى منزل أقاربها إلا في الساعات المتأخرة من المساء.

تعاني “الشلح” التي قدمت من محافظة إدلب من فهم ما يتحدّث به الأطباء الأتراك، إذ لا يوجد مترجمون ضمن المستشفيات في كل الأوقات، وبحسب ما ترجم لها أحد السوريين فإن وضعها الصحي سيء وقد يستمر علاجها لنحو العام، وقد أوصاها الأطباء بعدم الانفعال والغضب، لكنها لا تستطيع ضبط نفسها على حد قولها، لأنها تركت اثنين من أطفالها عند أقارب لها في سوريا، ولم تستطع اصطحابهم معها إلى تركيا.

وتشير في حديثها إلى أن العائلة التي استضافتها تحاول تلبية طلباتها بالرغم من فقدان رب العائلة عمله أخيراً، وهذا ما شكّل عبئاً إضافياً على العائلة، وبخاصة أن سمر تتبع حمية غذائية خاصة وصفها لها الأطباء، كما تحتاج إلى أجور تنقل بشكل يومي، وكل هذا تتكفل به العائلة المستضيفة، بحسب “الشلح”.

أمينة أسود (60 عاماً) من حلب مصابة أخرى بـ مرض السرطان دخلت تركيا للعلاج من مرضها وحيدة أيضاً دون مرافق . تعيش أمينة في منزل أقارب لها في أحد أحياء مدينة غازي عنتاب، جنوبي البلاد، وتقول إنها تجد صعوبة في التنقل بين المستشفيات، إذ تذهب وتعود وحيدة، وقريبها الذي يستضيفها لا يستطيع مرافقتها فهو يذهب إلى عمله صباحاً ولا يعود إلى ما بعد الساعة الخامسة.

تضطر أمينة بحسب قولها لـ”فوكس حلب” إلى شراء بعض الأدوية على حسابها الشخصي، وتستقل سيارة أجرة خاصة في كل مرة تذهب فيها إلى المستشفى، كونها لا تستطيع ركوب وسائل النقل العامة، التي قد تتأخر أو تسلك طرقاً بعيدة عن المنزل الذي تقيم فيه أو عن المستشفى.

نديمة الصالح (53 عاماً) من ريف حلب مصابة بالسكري وارتفاع الضغط وفي نفس الوقت، ولديها آلام مستمرة في المعدة، دخلت تركيا وحدها من أجل العلاج، وتقيم عند أقارب لها في مدينة غازي عنتاب. تقول “إن أقاربها منشغلون بأنفسهم وكلهم عمال مياومة، وكل منهم مشغول بنفسه، وجئتهم أخيراً وشكّلت عليهم عبئاً مضاعفاً”.

تشير “الصالح” في حديث مع “فوكس حلب” إلى أنها تحاول ألا تشغلهم أكثر بنفسها، فتراجع المستشفيات وحيدة، وهذا يتسبّب لها بالكثير من المتاعب على حد قولها، كمشكلة حجز الأدوار لدى الأطباء، ويضاف إلى ذلك عدم معرفتها باللغة التركية، وعدم فهم توصيات الأطباء.


وتؤكّد نديمة أن أكبر مشكلة تعاني منها هي عدم وجود سيدة ترافقها، إذ تستعين في كثير من الأحيان بسيدات لا تعرفهن من أجل مساعدتها في تبديل ثيابها وغسلها، وحمل حاجياتها الخاصة أثناء زيارة المستشفيات.

يقول الطبيب خطّاب قاموعة مسؤول متابعة المرضى السوريين في مدينة إسكندرون لـ”فوكس حلب”، إن الإدارة التركية في معبر باب الهوى الحدودي أوقفت منذ أكثر من سنتين السماح بدخول مرافق مع المريض الذي يبلغ عمره ثماني سنوات فأكثر، ومن هم دون ثماني سنوات يسمح بدخول الأب أو الأم معهم فقط.

ويضيف أن المشكلة الكبرى هي دخول السيدات بدون مرافق، بسبب خصوصية وضعهن، وهناك سيدات يصلن ليلاً بحالات غير إسعافية، وفي هذه الحالة لا يستطعن المبيت في المستشفى، ويحتجن في نفس الوقت إلى سكن وطعام وشراب، وأشار إلى أن منظمة إنسانية كانت تتكفل بشؤون المرضى الذين يدخلون بدون مرافق، لكنها متوقفة الآن، بحسب قوله.

ويرى أن سبب كل هذه المشكلات هو ضعف القطاع الطبي في سوريا، وافتقار الشمال السوري إلى مستشفيات مزودة بأجهزة حديثة، وعدم تأمين الأدوية السرطانية للمنطقة، ويؤكد أن هناك كوادر طبية لا يستهان بها في الداخل لكن تنقصها التجهيزات.

وبدوره يقول المسؤول الإعلامي في معبر باب الهوى مازن علوش لـ”فوكس حلب”، إن إدارة المعبر لا تستطيع التدخل في قرارات الأتراك، لكنّها وظّفت متابعين للمرضى الذين يدخلون بحالات إسعافية في ولاية هاتاي فقط، وهم يتابعون الحالات حتى عودتها إلى سوريا، ويعمل المعبر على توسيع نشاطه ليتابع المرضى الذين يدخلون بحالات غير إسعافية.

وعن الحالات المرضية التي يسمح بدخولها إلى الأراضي التركية، يقول إن الأتراك قلّصوا الأعداد خلال انتشار “كوفيد-19” كثيراً، وهم يسمحون بدخول الحالات الإسعافية الحرجة منها فقط، إضافة إلى مرضى السرطان، والأمراض التي لا يمكن علاجها في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري شمالي البلاد.

ويقول حسن يوسف مترجم في إحدى مستشفيات مدينة غازي عنتاب إن الحالات التي نراها يومياً للنساء الداخلات بدون مرافق مبكية، بعضهن يصلن وليس لديهن ثمن طعامهن وشرابهن، ويشير إلى أن المستشفيات لا توفّر المبيت لمرضى السرطان والحالات الباردة، وجميعهم يغادرون بعد تلقي العلاج ولا يعودون إلا لرؤية أطبائهم أو إجراء الفحوصات.

وبحسب “يوسف” فإن هناك منظمات قليلة ترعى السيدات اللواتي يدخلن تركيا للعلاج، لكن معظم النساء يرفضن الإقامة فيها، بسبب عدم الاهتمام بالنظافة، وتسلط بعض القائمين عليها، على حد قوله.

وأشار مسؤول في “دار استشفاء السلامة” بمدينة كلّس في حديث مع “فوكس حلب” إلى أن حجم دور رعاية المرضى لا يتناسب أبداً مع عدد المرضى الذين يدخلون تركيا بشكل يومي، ولفت إلى أن مدينة غازي عنتاب فيها داران فقط وفي كلّس داران، والدور الأربعة لا تتجاوز قدرتها الاستيعابية 100 مريض من الإناث والذكور.

وأضاف أن معبري “باب السلامة” و”الراعي” القريبين من كلس يدخل منهما يومياً ما لا يقل عن 20 مريضاً، يتوزّعون على مستشفيات كلّس وغازي عنتاب وكهرمان مرعش والمدن القريبة، ويبقى عدد قليل منهم في كلس بسبب تواضع الخدمات الطبية فيها.

وأكّد أن دور الاستشفاء التي تؤوي المرضى لا تعتبر حلاً جيداً بالرغم من أنها تقدّم المنامة وخدمة النقل والطعام والشراب للمرضى، ويعزف عنها الكثير بسبب الاختلاط والخوف من انتقال العدوى، والازدحام، وبعدها غالباً عن المستشفيات التي يتعالجون فيها.

ويبقى ما تعانيه هؤلاء السيدات اللواتي ذكرت قصصهن جزءاً بسيطاً من مشكلات باقي المريضات السوريات في تركيا، يضاف إليهن نسوة أخريات رفضن دخول الأراضي التركية لعدم وجود أقارب لهن عليها، واضّطررن للتعايش مع المرض بسبب قوانين وإجراءات وصفتها بغير العادلة.

ويضمن “قانون الحماية المؤقتة” الذي يخضع له السوريون الموجودون في تركيا الاستفادة من الخدمات الصحية بشكل مجاني، كما يقدّم الدواء للذين يخضعون للمعاينة في المستشفيات الحكومية، وكانت السلطات تسمح بدخول مرافق مع كل مريض يأتي من سوريا، لكنها أوقفت ذلك قبل سنتين ولم تشر إلى الأسباب.

ويتنافى هذا الإجراء مع المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي قال إن “لكلِّ شخص حقٌّ في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصَّةً على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحقُّ في ما يأمن به العوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمُّل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه”.

تمّ إنتاج  هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR”صحفيون من أجل حقوق الإنسان” بتمويل من برنامج عالم كندا Global Affaris Canada