معبر باب الهوى الحدودي -إنترنيت
معبر باب الهوى الحدودي -إنترنيت

تسيطر “هيئة تحرير الشام” وأذرعها السياسية والاقتصادية والأمنية وبخاصة ما تسمّى بـ “حكومة الإنقاذ” على كافّة مفاصل الحياة في أرياف إدلب وحماة واللاذقية وحلب الخاضعة لسيطرتها، ومنها عمل ونشاط المنظمات الإنسانية، الذي تعتبره أحد مواردها، إذ تجبر المنظمات على إشراك مؤسسات تابعة لها، ومنح نسبة من المواد الإغاثية والمساعدات لعناصرها، وفي نفس الوقت لا تسمح للمنظمات ببدء أي مشروع دون الحصول على موافقة من مكتب إدارة شؤون المنظمات، التابع لوزارة التنمية والشؤون الإنسانية في حكومة الإنقاذ.

أخيراً طالب المكتب الذي يتمركز في ما يسمى بـ”المبنى الأزرق” الواقع على الطريق الواقع بين مدينة سرمدا ومعبر باب الهوى، شمال غربي إدلب، المنظمات التي يحتاج موظفوها إلى التنقل بين محافظتي إدلب وحلب ببيانات، اعتبرت غير منطقية، والحجة هي إصدار بطاقات تسهّل عبورهم، وتجعل مدة وقوفهم على نقطة تفتيش “دير بلوط” في ريف مدينة عفرين شمالي حلب أقصر، ومن أجل التفريق بينهم وبين المدنيين، على حد قول مسؤوليه.

صورة متداولة لما طلبته إدارة المنظمات من العاملين في المنظمات الإنسانية
صورة متداولة لما طلبته إدارة المنظمات من العاملين في المنظمات الإنسانية

جملة الطلبات التي أرسلها المكتب إلى المنظمات وخلت من شعار حكومة الإنقاذ، نصّت على طلب صورة شخصية لكل موظف، ودفتر عائلي “صادر عن حكومة الإنقاذ” للمتزوجين أو إخراج قيد للعازبين، إضافة إلى صورة عن عقد العمل مصادق عليها من المنظمة.

وخلال التواصل مع عدد من مسؤولي المنظمات العاملة في الشمال السوري الذين رفضوا التصريح مطلقاً، أكّدوا في ذات الوقت أن المطالب وصلتهم، لكن أي منظمة لم تستجب لها، واعتبروا أنها اعتداء على خصوصية الموظفين، وإمعان في زيادة التضييق على العمل الإنساني والقائمين عليه، بغية تحقيق مكاسب مالية وأمنية للهيئة عبر حكومة الإنقاذ.

أحد العاملين في منظمة تنشط في محافظة إدلب قال لـ”فوكس حلب” إن إدارة شؤون المنظمات تعمل على آلية جديدة لجرد المشاريع وتوزّعها وعدد العاملين فيها، ومن خلال ذلك سترصد التمويل الممنوح لتنفيذ المشاريع وقيمة كل مشروع على حدة، وعلى هذا الأساس ستعمل على منح الرخص للمضي في إنجازها.

وأكّد أن الهدف من كل ذلك هو معرفة القيمة التنفيذية لكل مشروع، والقيمة المستهلكة في تنفيذه، وأشار إلى أن الإدارة تخطط لفرض ضرائب على الموظفين من خلال تصنيف فئات الرواتب، كما يخطط لفرض ضريبة مالية تقدّر على حسب نسبة عدد الموظفين في كل مشروع أو منظمة.

وبحسب المصدر فإن قرار إدارة المنظمات الجديد الذي يطالب بعقود رسمية مصدقة سيتسبب بالكثير من المشاكل، وبخاصة أن بعض المنظمات الدولية لديها سرية ولا تسمح بالكشف عن بيانات موظفيها، لذا سترفض هذا المطلب ومن الممكن أن تعلّق عملها في إدلب، وهذا سينعكس سلباً على المدنيين.

عامل آخر قال لـ”فوكس حلب” إن مكتب إدارة المنظمات الذي تأسس عام 2017 كمكتب تابع لـ هيئة تحرير الشام ، وبعد تشكيل حكومة الإنقاذ أواخر العام نفسه أصبح تابعاً لها، أنذر مسؤولي المنظمات التي سترفض الاستجابة لهذه المطالب بأن موظفيها سيعاملون كباقي المدنيين، وحينها ستعرّضون للتأخير والتفتيش، وسيتقصد عناصر الهيئة التضييق عليهم وإذلالهم كي يضّطروا المنظمات للرضوخ لمطالب المكتب، بحسب قوله.

الباحث في الشأن السوري والجماعات الجهادية عرابي عبد الحي عرابي قال لـ”فوكس حلب” إن هيئة تحرير الشام تسعى إلى حوكمة المنطقة واحتكار كل شيء، وتهدف من خلال إجرائها الأخير إلى الحصول على البيانات والمعلومات لأن القوة باتت تقاس اليوم بالوصول إلى المعلومات وتخزين أكبر قدر منها، فإذا امتلكت الهيئة كل هذه البيانات يصبح من السهل لها الوصول إلى كل الأشخاص وبيانات المنظمات وفي نفس الوقت تعتقل وتراقب ما ومن تريد.

واعتبر عرابي أنها تسعى أيضاً إلى تسويق نفسها كجهة مدنية متحكمة في الشمال السوري، من خلال امتلاك سجلات مدنية ووظيفية، ومن خلالها تسعى لتثبيت نفسها والتسويق لفكرتها، والتدخل في الخصوصيات ما يجعلها تملك شيئاً افتقدته قوى أخرى، ومن خلال هذا التغلغل تبرز نفسها كمتعامل وحيد مع الجهات الدولية التي تهتم لشؤون المنطقة.

أما الصحافي أحمد نور الرسلان فيرى أن الإجراءات الأخيرة تصبّ في سياق سياسة التضييق التي تمارسها الهيئة وأذرعها، وتحويل بعض المشاريع بما يخدم أجندتها ويصب في صالح عناصرها، من خلال الضغط على المنظمات العاملة في إدلب، حتى يتسنّى لها التدخل بما يخدم مصالحها في الوقت الذي تريد.

وأشار إلى أن عمل المنظمات في الداخل يعود بمردود كبير على الهيئة من خلال الإشراف على المشاريع والرقابة عليها، وتأتي خطوتها الأخيرة لشعورها بتفلّت بعض المنظمات مالياً، فأرادت ضبط الوضع من جديد والحصول على البيانات المالية والتفاصيل التعاقدية للموظفين.

وبيّن خلال حديثه أن الهيئة باتت تعتمد بعد توقف المعارك وإغلاق باب الغنائم والدعم المقدّم من الخارج على مصادر داخلية كالمعابر التي تدّر عليها ملايين الدولارات وشركة “وتد” للبترول والشركات التجارية التي تسوّق لها شخصيات تابعة لها، إضافة إلى فرض الغرامات والرسوم والإتاوات على المدنيين، يضاف إلى كل ذلك المبالغ التي تجنيها من خلال تسهيل عملية تهريب الأشخاص إلى الأراضي التركية، عبر مخافرها المنتشرة في المناطق الحدودية، والطلبات الأخيرة تصبّ في هذا السياق الذي لا تريد له أن يضيع من يدها.