لم يكن العثور على “عكاش” المعروف بصياد الضباع أمراً سهلاً، بسبب تواجده الدائم مع ماشيته على التلال الجبلية بعيداً عن حياة المدن ووسائل التواصل الاجتماعي.

يقيم عكاش في منزل بجبل الدويلة شمالي غربي إدلب، ويقضي يومه برعي الماعز والبحث عن الضباع ليمارس هوايته في اصطيادها.

يقول عكاش إنه يملك موهبة مكنته من ممارسة هوايته التي ورثها عن أجداده، ولا يمكن لأي شخص القيام بهذه المهمة المحفوفة بالمخاطر فهي تحتاج لجرأة وشجاعة، ومعرفة بنقاط ضعف الضباع ليتمكن الصياد من السيطرة على الضبع وإمساكه حياً.

يتنقل عكاش بين التلال الجبلية المنتشرة غربي إدلب للبحث عن الضباع واصطيادها ضمن أوكارها، وتمكن من صيد وإمساك نحو أحد عشر ضبعاً خلال حياته، ويرصد اليوم نحو اثني عشر موقعاً لمغر وأوكار يعتقد أنها تحوي ضباعاً بداخلها.

لا ينقطع عكاش عن ممارسة هوايته في البحث والتحري عن الضباع في الجبل، وقد اصطاد آخرها منذ نحو اسبوع في منطقة “تل حدادة” غربي أرمناز، حيث اضطر يومها لقتل الضبع لأن شريكه في الصيد فرّ وتركه وحيداً في المواجهة، فما كان منه إلا أن أطلق النار على الضبع الذي حاول مهاجمته ولم يتوقف إلا بعد أن أصابه بخمس رصاصات من بندقيته، يقول إنه لا يفضل قتل الضبع لكنه يضطر لذلك خاصة في الليل عندما يكون وحيداً.

الطريقة المتبعة لصيد الضبع

يتتبع عكاش أثر سير الضباع ويتبع آثار أقدامها إلى الوكر، ويراقبه لفترة لمعرفة عدد الضباع المتواجدة بداخله والطريقة التي يجب أن يتبعها في اصطيادها، حيث تختلف طرق الصيد، بحسب براعة الصياد ومعرفته والوقت الذي سيتم به تنفيذ المهمة.

ففي النهار يعد الصياد سلسلة معدنية يبقى طرفها الأول بيده ويلف الطرف الثاني على شكل عقدة كلما شد الصياد السلسة باتجاهه زاد إحكامها على الطريدة ويرميها على رأس الضبع عند لقائه فتلجمه وتمنعه من فتح فكه ثم يقوم الصياد بإقفال السلسة وجر الضبع بالسلسلة التي يمسكها بيده إلى خارج الوكر، بينما يستخدم عكاش في بعض الأحيان لجاماً حديدياً لإغلاق فم الضبع ومنعه من الهجوم، ثم يتم تقييده.

يستعمل عكاش مصابيح إنارة قوية يوجهها بشكل مباشر على عيني الضبع ما يمنعه من الرؤيا، ليقوم بعدها بتقييده، أما في الليل وفي الأماكن المفتوحة فلا ينفع مع الضبع إلا كثرة العدد والسلاح الناري، بحسب عكاش.

 أشبه بالأساطير

يروي أهالي إدلب حكايات وأساطير متوارثة تتحدث عن قدرات الضبع الخارقة، مثل مطاردة الضباع للبشر وقيام الضبع برمي الإنسان بالحجارة وكتل التراب، وكيف يمارس الضبع حركات تبث الرعب عند الإنسان حتى “يضبعه” أي “يرعبه لدرجة أن يرتبط لسان الضحية من الخوف فلا يستطيع الكلام ولا يقوى على الحركة عند مواجهته الضبع في الليل وحيدا”، ويشتهر الضبع بعضته التي تصنف ضمن أقوى عشر عضات للحيوانات ويستطيع الضبع تهشيم العظام بفكيه.

يستذكر عكاش حكاية الضبع التي كان يرويها له جده خلال سهرات الشتاء في تسعينيات القرن الماضي، يقول  “أتى رجل إلى القرية من مكان بعيد في ليلة شتوية مثلجة باردة، ليلاقيه الضبع على الطريق في البراري ويصارعه حتى يشارف الرجل على الهلاك قبل أن ينقذه أهالي القرية في اللحظات الأخيرة ويأتوا به إلى حظيرة ويطمروه بالروث الدافئ حتى يتمكن من الحركة والكلام بعد أن ضبعه الضبع وارتبط لسانه وتجمدت حركته من الخوف والبرد معاً”.

في الواقع

تشكل الضباع خطراً على سكان مخيمات منطقة الوطى (وطى أرمناز) حيث تحدث بعضهم عن مشاهدتهم لضباع وخنازير برية بشكل متكرر، ويقول أبو علي “مقيم في منطقة الوطى” إن أحد الضباع قام بمطاردة طفل على الطريق العام بين البيرة وأرمناز مؤخراً، وأن الحظ حالف الطفل بمرور سيارة أنقذته قبل أن يصل إليه.

يسرد السكان قصصاً مشابهة كان آخرها اقتراب مجموعة مؤلفة من أربعة ضباع من مخيم “يغلو”، حيث تنبه الأهالي للمجموعة وطاردوها وأطلقوا النار عليها حتى ابتعدت عن مخيمهم.
يحظى الضبع بهالة من الخوف صنعتها الروايات القديمة ما جعله المطلوب الأول لصيادي الوحوش في تلك المناطق، إذ يتباهون بصيده.

ممنوعات

يقول عكاش إن جلد الضبع يباع بمبلغ يتجاوز أربعة آلاف دولار في بعض الدول ما يعود بأرباح على تجاره وصياديه، حيث يستخدمه تجار المخدرات لنقل بضائعهم بداخله لما يتميز به من خصائص تمنع الكلاب البوليسية من كشف الحشيش أو المواد المخدرة التي تهرب داخل الجلد، كما تستعمل بعض أعضاء الضبع في أعمال السحر والشعوذة، وهو ما يمنع الاتجار بجثته بحسب عكاش الذي يبيع  الضباع الحية ليتم نقلها إلى تركيا وعرضها ضمن حدائق الحيوان.