قادت الصدفة والحاجة، وربما الشغف، آلاف السوريين لأن يصبحوا ناشطين ومصوّرين مسؤولين عن توثيق ما عايشوه، انطلاقاً من رغبتهم في نقل واقعهم إلى العالم في ظلّ انغلاق البلاد أمام وسائل الإعلام المحايدة والمُستقلة. وعلى الرغم من أنّ توثيق أحداث الثورة السورية لم يقتصر على شكلٍ بعينه، لكنّ أيّاً من الأشكال لم يصل إلى مصاف الصورة والفيديو من حيث الأهمية التوثيقيّة وبناء الأرشيفات. 

ويتّفق جلّ الذين صوّروا أحداث الثورة السورية، منذ البدايات الأولى التي طغى عليها استخدام كاميرات الجوالات رديئة الدقة، على أنه لم يكن بواردهم أن تتحّول هذه الصور والمقاطع القصيرة إلى وثيقةٍ تاريخية ستكون ذات أثرٍ حاسمٍ في تشكيل الذاكرة الجمعية لأبناء البلد عن واحدةٍ من أكثر مواضع تاريخه الحديث حساسيةً وانقساماً ودموية، كما لم يخطر ببالهم أن تأخذ، في أوقاتٍ لاحقة، صفة التوثيقات، وأن يتحول قسمٌ منهم إلى موثّقين.

وقد وظّفت هذه التوثيقات في تحقيقاتٍ صحفية وأعمال بحثية ودعاوى قضائية قُدّمت إلى محاكم دولية وأجنبية، كما شكّلت التوثيقات المتراكمة أرشيفاً جعل من الثورة والحرب السوريتين أكثر الأحداث الطافحة بالدماء توثيقاً على مرّ التاريخ.

بالعودة إلى أولى المقاطع التي توثّق أفعال الشر التي مارسها النظام السوري، نجد أنه نفسه كان من بين الأطراف الأولى التي وثّقت انتهاكاته، وذلك من خلال مقاطع الفيديو التي غلب عليها طابع التعامل العنيف والطائفي لأفراد قواته مع الخصوم المدنيين، في سعيٍ مبكرٍ ومدروس لترهيب الشارع وتقسيمه وتطييف الحراك، وتالياً لدفع الناس إلى الردّ على تعامله العنيف وخطابه الطائفي بعنفٍ وطائفيةٍ مضادة. هنا ليس من النزيه أن نتغاضى عن حقيقة أنّ السوريين المناوئين لحكم الأسد قد وقعوا في هذا المطب دون كثير عناء. كذلك، رشح عن بيروقراطية النظام التوثيقية أن سمحت ببناء ملفاتٍ عملاقةٍ عن انتهاكاته، لا سيما في ما يتعلق بآلاف الصور التي وثّقها قيصر.  

نتذكّر أنّ أولى المحطات التي سمعنا فيها عن التوثيق ليست مما نعتبره اليوم فعلاً طيباً، ذلك حين نراجع آلاف الصور ومقاطع الفيديو التي صوّرت تقديم المساعدات الغذائية والإنسانية للمستفيدين، وكان القصد من هذه الصور أن تُبعث كرسائل طمأنةٍ إلى دافعي الأموال بأنّ أموالهم قد سُلّمت إلى مستحقيها من دون أن تُنهب، ولكن ليس دون أن تُعرض على مواقع التواصل الاجتماعي دليلاً على الفاعلية والنشاط، سواءً من قبل الناشطين أو من قبل دافعي الأموال أنفسهم. 

لم يكن السوريون حينها أصحاب باعٍ في العمل الإنساني والإغاثي أو في التعامل مع وسائل الاتصال الحديثة، ولم يتنبّهوا إلى الأثر غير الحميد لعمليات التوثيق هذه، وبشكلٍ أساسي على المستفيدين الذين ستلاحقهم احتمالية أن يجدوا هذه الصور أمامهم، بما يشتمل عليه الأمر من تبعاتٍ نفسيّة سيئة كان يمكن تجاوزها بقليلٍ من التفكّر. من المؤسف أيضاً أنّ هذا الشكل من التوثيق ما زال موجوداً حتى اليوم، رغم النقاشات العريضة حوله ورغم أشكال التوعية المختلفة حيال مساوئه.

شكلٌ آخرٌ من أشكال التوثيق الصوري لم يكن حميداً، هو ذاك الذي كانت تستخدمه غالبية الفصائل العسكرية التابعة للمعارضة السورية، لتُثبت نجاعتها في مواجهة النظام أمام داعميها ومموليها، لا سيما خلال الأعوام الأولى من الثورة، حين كانت تحظى بتعاطفٍ واسعٍ من قبل متبرعين أفراد وجماعات، ومن قبل أجهزةٍ استخباراتية كانت تلاحق هذه الصور لتعرف أي الفصائل أكثر نشاطاً وأولى بالتبنّي. هذا الشكل من التوثيق، جعل من الضروري أن يحوي كل فصيلٍ عسكري على مكتبٍ إعلامي يواكب عملياته وتحركاته، وأن يُصرف عليه مبالغ تفوق ما كان يُقدّم للتنسيقيات والمكاتب الإعلامية التي تسلّط الضوء على الحراك الشعبي. لعلّ هذه الصور التوثيقية كانت إحدى الإشارات المبكرة لارتهان البندقية السورية للمال الأجنبي دون أن نلاحظ ذلك جميعاً، كما كان طغيانها على صور الحراك السلمي دليلاً آخر على التحوّل التدريجي للثورة نحو الحرب المسلحة التي سيتصدّرها عسكرٌ مرتبطون بجهاتٍ مختلفة الأجندات.

ليس التوثيق الرديء وحده الذي حصل دون أن نفطن إليه، فاليوم نفقد جزء عظيماً من الأرشيف السوري، ليس ذاك الذي ضاع نتيجة العمليات العسكرية والاعتقال والنزوح المتواصل أو نتيجة تخزين المحتوى في حوافظ بدائية وبشكلٍ غير مستدام، ولا نتيجة نقص الإمكانات المعرفية والمادية التي حالت دون استخدام التخزين السحابي، وإنما كونه كان يُقدّم مباشرةً إلى وسائل إعلام محلية وأجنبية، الأولى أُغلق القسم الأعظم منها نتيجة غياب التمويل فاختفى أرشيفها معها، والثانية ليست معنيةً في تقديم أرشيفها وتوظيفه في المحاكمات أو في إتاحته لباحثين وصحفيين مستقلين دون أجورٍ أو شروط، إذ صار هذا الأرشيف ملكها الذي دفعت ثمنه. في هذه النقطة يشير كثيرٌ من الناشطين إلى أنهم فشلوا في الحصول على نسخٍ من الأرشيف الذي اشتغلوا عليه لصالح هذه المؤسسات. الأشد من ذلك علينا هو أنّ هناك مؤسسات سورية ويديرها سوريون تفكر جدياً في إتاحة أرشيفها الذي وثقه ناشطون كثيرون لقاء مبالغ مالية، كما لو كان سلعةً قابلةً للبيع والتربّح! لسنا هنا بصدد محاكمتهم، ولا بصدد الدخول في جدلٍ حول إذا ما كان تقديم أي مؤسسةٍ لأرشيفها الذي يوثّق أحداث الثورة السورية لجهات الإدّعاء والباحثين والصحفيين وغيرهم، ومن دون مقابل، فعلاً أخلاقياً فقط ، أو أنه أمرٌ مُلزِم، ولكن لا بدّ من طرح السؤال عن ملكية هذا الأرشيف: هل هو لنا جميعاً كسوريين، أم أنه حقاً ملك هذه المؤسسات؟

تم دعم هذا التحقيق (الذي سينشر تباعاً) من قبل صندوق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتمويل الأعمال الاستقصائية NAWA -IF

قاسم البصري