أعلنت شركة “فيسبوك” المالكة لتطبيق المراسلة الفورية “واتس آب” مطلع الشهر الجاري عن حزمة تحديثات لشروط الخدمة والخصوصية، وعرضتها على المستخدمين للموافقة عليها قبل تاريخ الثامن من شباط، وإلا ستوقف التطبيق عند رافضي البنود الجديدة، لكن ردود الفعل التي تعرّضت لها من المستخدمين والنزوح إلى تطبيقات أخرى دعتها إلى تأجيل التحديثات حتى الخامس عشر من  أيار المقبل.

تسمح السياسية الجديدة التي كانت أعلنتها الشركة بجمع المعلومات ومشاركتها مع شركات فيسبوك الأخرى كرقم الهاتف، وصورة الحساب، ونشاطات المستخدم على التطبيق، إضافة لتحديد المعرف الرقمي (الآي بي) لجهاز الحاسوب أو هاتف المستخدم وموقعه ولغته، إضافة إلى معاملات الدفع والبيانات المالية الخاصة بالمستخدمين.

الشروط الجديدة كان لها تأثير مختلف على سكان الشمال السوري فهناك من يخشى على بياناته الشخصية وهناك من يخشى على بيانات مكان عمله، بحسب ما فهموا من الشروط، لكن جميع من التقيناهم يرون أن التحديثات والشروط الجديدة لن تؤثر على أمن المنطقة الخارجة عن سيطرة النظام بشكل عام، ولا على أمن الناشطين المعارضين.

ترك “واتس آب” مرهون بالأصدقاء الذين سيغادرونه

يقول المسؤول الإعلامي لمبادرة مسارات التعليمية عبد الرزاق ماضي لـ “فوكس حلب” إنه لا يستطيع أن يقرر ما إذا كان سيترك تطبيق “واتس آب” أم لا. لكنّه، على حد قوله، سينتظر حتى تطبيق الشروط الجديدة من قبل الشركة، وأشار إلى أن موضوع تركه للتطبيق متوقف على حجم الأصدقاء الذين سيغادرونه.

وعن البيانات المتعلقة بعمله يؤكد “ماضي” أنه لا يستخدم أياَ من تطبيقات التواصل الفورية أثناء العمل، ويستخدم جهاز حاسوب وهاتف خاصين أثناء العمل، حفاظاً على بيانات المبادرة، ولضمان عدم وصول أي جهة غير مخولة بالاطّلاع على تلك البيانات التي تخصّ المساهمين والمشتركين في المبادرة.

وبدوره يوافق الطبيب البيطري العامل في ريف إدلب الشمالي، فايز أحمد عبد الرزاق، ماضي فيما ذهب إليه، ويشير إلى أنه لن يترك تطبيق “واتس آب” إلا إن تركه جميع أصدقائه وأقاربه، وأكد في الوقت نفسه أن استخدامه للتطبيق شخصي فقط، ولا خوف على جميع البيانات في هاتفه ولا خوف لو أراد التطبيق مشاركتها.

وفي الوقت نفسه يقول “إن من أحد الأسباب التي ستمنعني من إزالة تطبيق “واتس آب” هي أن معظم الأشخاص من حولي اعتادوا العمل على هذا التطبيق، ولا يستسيغون التحذيرات التي يتم تداولها عن استخدامه، وهذا لن يجعلهم يتركونه بسهولة وبخاصة أنهم يستخدمونه منذ سنوات وتغيير الرقم أو الانتقال إلى تطبيق آخر لن يكون فكرة محببة لديهم.

تقليل من أهمية الشروط الجديدة لـ “واتس آب”

أما الناشط الإعلامي فادي ياسين فيقول، “الحقيقة أننا وحسب الواقع الذي نعيشه اعتدنا ألا نؤمن إلا بالخطر الملموس المباشر عندما نراه، أما موضوع انتهاك الخصوصية وما طُرح عن تطبيق واتساب وبخاصة المخاطر الرقمية والإعلانات، فهي غير مرئية لنا وغالباً لها تأثير ولكن لا نراه إلا بعد مدة طويلة”.

وعن نفسه يقول “ياسين” لست مستعداً للتخلي عن استخدام التطبيق، والسبب أن جميع الأصدقاء والأقارب وفي العمل يستخدمونه، وفي حال لم يكن هناك برنامج بديل حقيقي يلبي متطلبات تواصلي وعملي فمن المستحيل الاستغناء عنه وبخاصة أن الاتصالات الخليوية لا تعمل في الشمال السوري.

التحديث الجديد يمثل خطراً على حياة الأشخاص

يقول فايز خضر وهو صاحب معرض لبيع السيارات في مدينة سرمدا، بحسب ما فهمت أن “واتس آب” سيتمكن من الوصول إلى صوري ومعلومات “واتس آب للأعمال” بشكل كامل وأنا لا أرغب بأن يطلع أحد على تلك البيانات، لذا أنا مستعد للتخلي عنه، ولا يقتصر الأمر على خوفي على بياناتي الشخصية فقط بل على طبيعة عملي وتحركاتي، إذ أنني أتنقل بين المناطق الخاضعة لسيطرة تحرير الشام والأخرى الخاضعة لسيطرة “الجيش الوطني السوري” وتلك الخاضعة لسيطرة “قوات سورية الديمقراطية” (قسد).

أما المصور جابر عويد فيرى أن وصول “واتس آب” إلى مواقع وجهات اتصال سكان الشمال السوري وبخاصة الناشطين، يشكل خطراً على حيواتهم وحياة سكان المنطقة، التي تسعى الكثير من الدول وأجهزة الاستخبارات إلى متابعة تحركاتهم ورصد أنشطتهم.

كما أبدى تخوّفه من اختراق أجهزة استخبارات النظام السوري أو روسيا أو إيران لسيرفرات شركة فيسبوك، وحينها ستصبح معلومات الناشطين والسياسيين والعسكريين المعارضين متاحة لها، وهذا يعّرضهم ويعرّض المنطقة بشكل كامل للخطر، وأكدّ أنه سينتقل تدريجياً لاستخدام “سيغنال” الأكثر أماناً بين تطبيقات التواصل الفوري.

الصحافي عمر حاج أحمد المسؤول في رابطة الإعلاميين السوريين لا يوافق جابر فيما ذهب إليه، ويرى أن شركة لها شهرة عالمية كفيسبوك لن تضحي ببياناتها لجهات أخرى استخباراتية أو غير استخباراتية على حساب سمعتها، وأشار إلى أنه يثق بالشركات الكبرى المشهورة، وقد يتردد في استخدام التطبيقات التابعة لشركات مغمورة حتى لو كانت ذات سمعة جيدة من ناحية الأمان.

ويعتقد “حاج أحمد” أن جميع التطبيقات التي تعمل على الأجهزة الجوالة لا تحمي الخصوصية وتطلب الوصول إلى الكثير من الأذونات وبخاصة تلك التطبيقات المجانية، والأمر لا يتوقف على “واتس آب” فقط، وبحسب قوله إن من يريد الحفاظ على الخصوصية عليه عدم اقتناء هاتف ذكي في الأساس.

التلغرام أكثر عرضة لانتهاك الخصوصية

يقول مطوّر التطبيقات والمهندس أحمد بربور، الغالبية العظمى من مستخدمي تطبيقات الهواتف الذكية لا تقرأ سياسة الخصوصية عند تحميل أي تطبيق جديد، والبعض يقرأ ولا يكترث، وأرى أن هذا الحدث والجدل القائم حول هذا الموضوع أضاف وعياً لدى المستخدمين المتكاسلين عن فهم مدى خطر التطبيقات وصلاحياتها التي نستطيع التحكم بها في بعض الأنظمة، والصلاحيات التي لا نستطيع التحكم بها أيضاً وتعمل في الوقت نفسه على جمع المعلومات بدون إذن المستخدم.

ويرى أن هذا الجدل مكّن الكثير من المستخدمين من المقارنة بين التطبيقات التي تعطي نفس الوظيفة الخدمية، كالمقارنة بين واتساب وتلغرام وسيغنال الذي استغل مالكوه هذا الظرف لإشهاره، كما جعل الكثير من المستخدمين يتعرّفون إلى مدى اهتمام الشركات المنتجة للأنظمة والتطبيقات بالمعلومات الشخصية، وكم أن لهذه المعلومات قيمة لديها بهدف توظيفها  بأمور تتعلق بالتسويق والذكاء الاصطناعي والأمور الأمنية والكثير من الأمور الأخرى.

ويشير إلى أن “واتس آب” أحد أهم البرامج المستخدمة في هواتف السوريين، وأنه أجرى العديد من المقارنات بين تطبيقات التواصل، من حيث حفظ خصوصية المستخدم، إلا أن هذه المقارنات لا يمكن الاعتماد عليها لأن الشركات تتنافس فيما بينها لكسب المستخدمين وتصدر تحديثات دورية وميزات متجددة.

وعلى حجم البيانات التي سيشاركها “واتس آب” يرى “بربور” أنه  يبقى آمناً أكثر من تلغرام الذي أشيع أنه أكثر أماناً، وتوجّه إليه سكان الشمال السوري، إذ إن المحادثات بين مستخدمين واتساب مشفرة بشكل لا تستطيع حتى الشركة فك رموزها، كما أنها لا تحفظ في سيرفراتها.

ويؤكد أن تلغرام لا يشفر المحادثات إلا إذا رغب المستخدم بذلك، والمحادثات التي تتم عليه تحفظ على سيرفرات الشركة لإمكانية الوصول إليها إذا كان المستخدم لديه عدة أجهزة تمكّنه من استخدام نفس التطبيق.