الصورة من أحد مراكز العزل في إدلب
الصورة من أحد مراكز العزل في إدلب

 

غادرت علياء سريرها في مركز العزل المجتمعي في منطقة الدانا بعد تمضية أربعة عشر يوماً ضمن المركز وشفائها من الإصابة بفيروس كورونا.

اكتشفت علياء إصابتها بالفيروس بعد إجراء مسحة ضمن المركز، ما دفعها لاتخاذ القرار بالبقاء فيه خوفاً من نقل العدوى لأطفالها وزوجها.

يتوفر في إدلب ثلاثة وعشرون مركزاً وزعت بحسب الكثافة السكانية، وقد أنشئت، بالتعاون بين مديرية صحة إدلب ومنظمة الصحة العالمية ومجموعة من المانحين، كاستجابة عاجلة عن ازدياد أعداد المصابين بفيروس كورونا والتي بلغت ذروتها في شهري تشرين الأول والثاني من العام الماضي.
يقول الدكتور حسام قره محمد “مسؤول ملف كورونا بمديرية صحة إدلب” إن الهدف من مراكز العزل “تحقيق الشرط الأول للوقاية من الفايروس “التباعد الاجتماعي” الذي استحال تطبيقه في المخيمات والمناطق المزدحمة بالسكان”

وجاءت مراكز العزل كخطة بديلة مكملة لعمل المشافي و استيعاب أعداد المصابين المتزايدة، وتوزعت المراكز بحسب الكثافة السكانية للمناطق، ففي إدلب المدينة يوجد ثلاثة مراكز لاستيعاب العدد الكبير، إضافة لمركز في أريحا وبنش وجسر الشغور ودركوش وحزانو وكلي وكفرتخاريم وحارم وكذلك في دارة عزة.

تضم مراكز العزل مجتمعة نحو ألف سرير، وتختلف قدرتها الاستيعابية بين مركز وآخر، جميعها يجري تقييمات الفرز للمسحات (إيجابي أو سلبي) والتحاليل الطبية، ويقدم العلاج الأولي للمرضى الذين يندرجون ضمن تصنيف (جيد أو متوسط)، أما الحالات السيئة فتحوّل إلى المشافي المختصة.

في إدلب خمسة مشافي تستقبل الحالات المحولة التي تحتاج إلى “عناية مشددة”، منها “مشفى كارلتون في إدلب ومشفى سيما في كفر تخاريم وشام في تل الكرامة وسيما في جسر الشغور”.

يصف قره محمد هجمة الفايروس الأخيرة بـ “الشرسة”، ويؤكد “أن مديرية الصحة ستزود مراكز العزل، في خطوة قادمة، بمولدات أكسجين من أجل استيعاب حالات أكثر شدة لتخفيف الضغط عن المشافي في الهجمات القادمة”.

الصورة من أحد مراكز العزل في إدلب
الصورة من أحد مراكز العزل في إدلب

وتقول علياء إنها، ومن خلال تجربتها، أن العزل في المراكز أفضل منه في المنازل، لما تقدمه من “العناية الطبية على مدار اليوم، ومراقبة وضعها الصحي وتقديم الدواء والطعام بانتظام مع تقديم الدعم النفسي الذي رفع معنوياتها والتخفيف من قلقها وحالتها النفسية”، كما ترى علياء أن لهذه المراكز أهمية كبيرة في مناطق المخيمات نتيجة استحالة حجر المريض في الخيمة التي تقيم بها العائلة.

يقول أنس بطل منسق مراكز عزل UOSSM “بلغت ذروة الضغط على مراكز العزل خلال شهر تشرين الثاني الماضي، وتراوحت أعداد الحالات المشتبه بها بين مئة إلى مئة وعشرين حالة يومياً، أما الآن فالموجة انحسرت بشكل تدريجي وهناك تناقص في الأعداد”.

آلية عمل مراكز العزل

تحولت مراكز العزل في الأسابيع الماضية إلى مراكز علاج مجتمعي أو استشفاء توفر خدمات طبية ودعماً بالأكسجين والأدوية لمرضى كورونا، لكن مهمتها الأساسية تتمثل باستقبال الحالات المشتبه بها وفحصها من قبل طبيب مختص وكادر تمريضي وفق استمارة فرز تحدد الأعراض الأساسية

لكوفيد 19، حيث توضع درجة معينة لكل عارض صحي، وفي حال حصول الحالة على عدد محدد من العلامات تعتبر حالة مشتبهة ويجب متابعتها.

يتم أخذ المسحات من قبل فريق مختص يزور المركز بشكل يومي، وتحتاج ليومن أو يومين، كحد أقصى، لظهور النتيجة، وفي حال كانت إيجابية يخير المريض بين البقاء في مركز العزل حتى يتعافى أو عزل نفسه في منزله.
تقول “أميرة 30 عاماً” إن مركز العزل في إدلب تواصل معها وأخبرها بنتيجتها الإيجابية وأرسل لها ملف التحليل مطالباً إياها بضرورة التزامها بالحجر المنزلي أو التوجه للمركز للاستفادة من خدماته، لكنها فضلت البقاء في منزلها، واستمر المركز بالتواصل معها ليطمئن عن حالتها الصحية.

ومراكز العزل خيام كبيرة الحجم مزودة بعوازل ومجهزة بشكل كامل من ناحية الأسّرة والمعقمات والأدوية وأجهزة الأكسجة والرذاذ ووجبات الطعام والتدفئة، إضافة لكتل حمامات وكرفانات خاصة بالممرضات وفنيي التعقيم والأطباء وعمال ضبط العدوى.

يحرص كوادر تلك المراكز على اتباع أقصى درجات الوقاية والحذر خشية تلقيهم للعدوى من أحد المرضى. تقول هبة “فنية تعقيم” إنها ترتدي كامل اللباس الخاص بالعزل، مثل القفازات الطبية والكون (لباس من النايلون يغطي الجسم ويتم تغييره بشكل مستمر)، وغطاء الرأس ونظارات وقناع وكمامات عالية الجودة مع تعقيم مستمر لليدين حين ارتداء كل قطعة.

تصف هبة العمل في مركز العزل بالتجربة “المفيدة والمقلقة” في آن معاً، فهي مهنة جديدة تقوم على مساعدة الآخرين، لكنها أيضاً متلازمة مع الخوف وشبح العدوى لاسيما بعد إصابة عدد من زميلاتها رغم إجراءات الوقاية المتبعة.
ينقسم العمل ضمن المركز لثلاث مناوبات أسبوعياً، في كل منها ثلاث ممرضات وثلاث عاملات خدمة وثلاث فنيات تعقيم ومثلهم من الذكور، وتنقسم المناوبة إلى ثلاث فئات على مدار 48 ساعة.

يؤمن هذا العمل دخلاً مقبولاً، بحسب هبة، إضافة لما تكتسبه من خبرة، خاصة وأنها ماتزال طالبة صيدلة وعليها الانخراط في المشافي والمراكز الصحية.

وتقول هبة إن مركز العزل الذي تعمل داخله ينقسم إلى ثلاث مناطق: الخضراء وتسمى غرفة الاستقبال، وفيها أربع أسّرة وعدة كراسي متباعدة وهي مجهزة لاستقبال الأشخاص أثناء أخذ المسحات.

والمنطقة البرتقالية للحالات المشتبه بها، وتدعى غرفة المراقبة، وتضم ست أسّرة للذكور وست للإناث، يراعى فيها مسافة التباعد.

المنطقة الحمراء الخاصة بالإصابات المؤكدة، وتسمى غرف العزل وفيها أيضاً ست أسّرة.

تعقم هذه الأقسام على مدار اليوم وفق معايير عالمية تطبقها مديرية الصحة بالتشاور مع اللجنة العلمية للوصول إلى أفضل طرق للوقاية.

يقول الدكتور حسام إن مدة عمل هذه المراكز مرهونة بالدعم والمنح المقدمة، فمنها توقف ومنها ما يزال مستمراً حتى آب القادم، كونها تندرج ضمن خطة الاستجابة الطارئة لذروة الفايروس.

وكانت مديرية صحة إدلب قد أعلنت عبر قناتها الرسمية في تلغرام يوم أمس أن عدد الإصابات الكلي منذ نيسان الماضي وحتى يوم أمس  وصل إلى ١١٤٣٠ شخصاً، بينهم ٣٩١١ حالة نشطة، ووفاة ٢١٩ شخصاً بالفايروس.