غسيل الأموال، وتبييضها جريمة تُحاسب عليها القوانين لتحويلها على الأغلب ما هو غير شرعي إلى شرعي، في هذه النقطة ومن حيث الشكل والدلالة، كيف يُنظر مثلاً إلى “غسيل الذاكرة”، و “تبييض التاريخ”، هل هو ممكن بداية؟ وإن كان كذلك ما هي الدوافع والأدوات والتداعيات؟ هل تغدو بعد ذلك جريمة؟ كيف يمكن أن تتعامل معها القوانين إن كانت كذلك؟

سلاح التوثيق في مواجهة السوط والبندقية

التحقيق الذي سُتُنشر فصوله وحلقاته تباعاً وفي افتتاحيته المعنونة بـ “الأرشفة والتوثيق سلاح الحقيقة في مواجهة قتل التاريخ”، ذكرنا أن وأد التاريخ يكون في تغييب وضياع الوثيقة، وفق ما خلصت إليه جل المدارس التاريخية الوضعية، وفي الحالة السورية تشتد الحاجة إلى حماية “الوثائق” وخصوصاً البصرية منها لقيمتها العالية كقرينة ودليل، بوصفها نافذة لحفظ الحقوق، وإقامة العدل، والانتصار للضحايا، وباختصار هي معركة وجود بالنسبة لهم.

ومن المفيد العودة إلى البدايات، بدايات الثورة السورية، فحين كان الإنسان السوري محاصراً بجحافل عسكرية وأمنية وإعلامية تسعى إلى تقويض حقه في التعبير والحياة، لم يفكر كثيراً حين “شغّل” كاميرا هاتفه المحمول، كانت وسيلته الوحيدة للمقاومة، يقول من خلالها للعالم حقيقة ما يحدث بالصوت والصورة.

ومن هنا شكلت “مواقع التواصل الاجتماعي” ميداناً بديلاً للمواجهة عن الميدان الذي كان يجر نظام الأسد مناوئيه إليه، كانت بديلاً استراتيجياً عن العنف، بل وسيلة ذكية لاحتوائه، أو التخفيف منه على أقل تقدير، هذا البديل أربك نظام الأسد، وأحرجه، وهو ما تسبب لاحقاً في اعتباره الناشطين الإعلاميين “الخطر الأكبر” وجرت ملاحقتهم في عملية انتقامية انتهت في كثير من فصولها السوداوية بقتلهم، في الميدان أو تحت التعذيب في المعتقلات، ورغم تصفية عدد كبير منهم، إلا أن تدفق الصور عبر الانترنت لم يتوقف، وبهذا شكلت مواقع التواصل الاجتماعي أضخم “مكتبة” تنضح منها وسائل الإعلام والجهات الحقوقية المعنية بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان.

لم يعد بوسع مكائن الإعلام الموجه للأنظمة الديكتاتورية مواجهة هذا النوع من الإعلام البديل –الجديد-، وهو ما جعل مصداقيتها تهوي حتى عند مؤيدي تلك الأنظمة، أو في الحد الأدنى تدفع إلى إثارة شك هنا، وتساؤل هناك.

إخفاء التاريخ

في السنوات الخمس الأخيرة، تعددت محطات اختفت فيها قنوات وتسجيلات وحسابات سوريّة مناصرة للثورة السورية في مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديداً في تويتر وفيسبوك، معنية بتوثيق مفاصل الثورة، وتداعيات حرب نظام الأسد على الشعب السوري.

أرشيف ضخم كثير منه عُمّد بدماء الناشطين الذين حرصوا على التوثيق في أكثر المناطق خطورة للعمل الصحفي وفق تصنيف “مراسلون بلا حدود”.

نتحدث هنا عن ملايين الفيديوهات، حُذفت جملة واحدة بشكل صادم، أو تختفي فرادى بهدوء وصمت. هذا الحذف يتسبب في كل مرة بموجة غضب، لا تخلو من الاستغراب، وصولاً إلى أصوات وجدت في “نظرية المؤامرة” تفسيراً سهلاً لسلوك إدارات مواقع التواصل الاجتماعي البارزة. في اتهام صريح بمحاولتها “تعقيم مواقع التواصل الاجتماعي من جرائم نظام الأسد انحيازاً له على حساب ضحايا الثورة السوريّة”.

كيث هيات، مستشار التكنلوجيا والقانون وحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، قال إن ٢٠٠ منظمة مدنية في سوريا تعمل في جمع مشاهد انتهاك حقوق الإنسان، العديد من الذين يعملون مع هذه المنظمات يغامرون بحياتهم من أجل تصوير المشاهد، وإن حجب المشاهد المُصورّة في سوريا يُفقد موقع يوتيوب صفة مصدر المعلومات الأول حول انتهاكات حقوق الإنسان.

“ما يختفي أمام أعيننا هو تاريخ الحرب المفزعة”، بهذه الكلمات وُصفت عملية حذف يوتيوب لتسجيلات الثورة السورية المذكورة آنفاً، وفق ما نقلت نيويورك تايمز عن مدير منظمة “آيروورز” العاملة في أرشفة تقارير الضحايا مفتوحة المصدر، وتقييم الأضرار المدنية من العمليات العسكرية.

منظمة آيروورز التي تتخذ من لندن مقراً لها، تعرضت هي لحذف مقاطع لها في يوتيوب، وفق تقرير نشره موقع ميدل إيست أي، وهو ما دفعها إلى رفع شكوى لإدارة يوتيوب، تتضمن انتقاداً لآليات التقييم والحذف المعتمدة في يوتيوب.

المنظمة وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية اعتبرت يوتيوب المصدر الأول للسوريين تحديداً لتوثيق جرائم الحرب في مناطقهم منذ بدء الصراع، وقيام يوتيوب وفيسبوك بحذف تلك الفيديوهات يُعد إسقاطاً لدليل حاسم على جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، إسقاطاً لأدلة إلى الأبد كان يمكن أن تستخدم في مقاضاة مجرمي الحرب في المحاكم الدولية.

فيسبوك أيضا في عين عاصفة الغضب، ففي منتصف العام الجاري، أطلق ناشطون سوريون حملة واسعة تحت عنوان “فيسبوك يحارب الثورة السورية” احتجاجا على “السياسة التعسفية” التي تمارسها إدارة المتمثلة بحذف آلاف حسابات معارضين لنظام الأسد، بما فيها حسابات موثقة بالعلامة الزرقاء، بذريعة انتهاكها “معايير المجتمع”.

آلية الحذف ومبرراته

يوتيوب كان يعتمد في وقت سابق على من يعتبرهم “مراقبين موثوقين” للإبلاغ عن أي مادة غير لائقة، لتُخضع بعد ذلك إلى مراجعة بشرية، إلا أن الحال تغير بعد عام ٢٠١٧.

بدأ توجه جديد تزامن مع توغل تنظيم الدولة الإسلامية، المعروف بتنظيم داعش، ولجوئه إلى فضاء الانترنت لبث مقاطع إعدام بشعة، وهو ما دفع إلى ردة فعل تهدف إلى احتواء ما تصفه إدارة منصات التواصل الاجتماعي، بالمحتوى المتطرف أو العنيف، وأسنُدت مهمة التعرف إليه إلى برمجية ذكاء صناعي جرى تطويرها لهذه الغاية، تعمد تلقائياً إلى حذف المحتوى. إضافة إلى توفير يوتيوب ميزة “الإبلاغ” وتتيح لأي مستخدم الإبلاغ عن مخالفة أي فيديو تحت أربعة عناوين أبرزها، المحتوى الذي يتضمن مشاهد عنف، والمحتوى الذي يتناول الأسلحة النارية.

المعياران السابقان وضعا جل فيديوهات الثورة السورية تحت مقصلة الحذف، فالفيديو الذي ينجو من الحذف التلقائي بذريعة “مكافحة التطرف” قد يُحذف بذريعة “العنف”، وهو ما يثير الاستغراب وخصوصا أن انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا قائمة كلها على لا العنف فقط، بل العنف المفرط.

ميزة الإبلاغ والحال هذه تحولت إلى الميزة الفُضلى لجيوش إلكترونية تابعة لأجهزة المخابرات السورية، تقدم بلاغات غزيرة في وقت واحد، وفق ما كشف تامر تركماني، ناشط مهتم بحفظ التسجيلات ونقلها من مواقع التواصل إلى الاجتماعي إلى وسائط تخزين خارجية.

التركماني أشار كذلك إلى تحذير إدارة يوتيوب تحت طائلة الحذف ضرورة وضع علامة على الفيديوهات التي تتضمن مشاهد عنف أنها غير مناسبة للأطفال، وعلق قائلاً: إن هذا الإجراء غير منطقي لسببين، الأول الكم الضخم من التسجيلات المرفوعة تباعاً منذ عام ٢٠١١، والآخر وجود كثير من القنوات بأسماء ناشطين قتلتهم قوات النظام.

يوتيوب اعترفت في تغريدة على حسابها في تويتر، أن برمجية الذكاء الصناعي تحتاج إلى تطوير وتحسين، ومما يؤكد على وقوع يوتيوب في أخطاء كثيرة تراجعها عن حذف آلاف الفيديوهات بعد مراسلات جرت على سبيل المثال بين إدارة الموقع و منظمة “الأرشيف السوري”، إحدى أبرز المنظمات السورية الفاعلة في عمليات الحفظ والأرشفة والتوثيق، وقد أشار مؤسس المنظمة الصحفي “هادي الخطيب” إلى أن المراسلات قبل عامين أفلحت باستعادة قناتين بارزتين في يوتيوب، تضمن أكثر من ٣٠٠ ألف مقطع فيديو، والعمل على إرسال قوائم أسبوعية تتضمن القنوات والتسجيلات المُراد التراجع عن حذفها من جانب يوتيوب.

وفي تقرير نشره الأرشيف السوري في نهاية أيار ٢٠٢٠ بين حفظ ومعالجة ١،٧٤٨،٣٥٨ مقطع فيديو، لم يعد الكثير منها متاحاً لأسباب مختلفة، رغم أن العديد منها يوثق انتهاكات حقوق الإنسان، وإنه منذ تموز ٢٠١٧ استعيد ما يزيد عن ٦٥٠ألف مقطع فيديو وأتيح للعلن بعد إثارة الموضوع مع شركة يوتيوب من قبل الأرشيف. وإنه لا يزال هناك ٣١٦،٠٦١ مقطع فيديو غير متاح حتى أيار ٢٠٢٠، لكنها محفوظة بأمان في الأرشيف ومتاحة عند الطلب.

ويحفظ الأرشيف محتوى ٣٤٨٨ قناة يوتيوب على أساس يومي، من بينها ٣٠١ قناة لم تعد متاحة لكن محتوياتها مخزنة لدى الأرشيف

يخلص التقرير إلى الإثبات أن هذه المنصات ليست المكان الأنسب للحفظ الأمن وطويل الأجل ما يحتم ضرورة استخدام استراتيجيات بديلة لأرشفة هذه المواد.

وتمكن الأرشيف، يظهر ذلك في معرفاته الرسمية، من حفظ ما يزيد عن ثلاثة ملايين وخمسمائة ألف مقطع فيديو، جمعت من نحو خمسة آلاف مصدر، ومعالجة ستمائة وخمسين ألف مقطع فيديو حتى الآن.

وفي تحقيق نشره الأرشيف السوري حول تأثير كورونا على الإشراف على المحتوى، وذلك باستخدام الذكاء الصناعي كبديل للمشرف البشري في منصات التواصل، يذكر “أن أبحاثه أظهرت ازدياداً في معدلات إزالة محتوى وثائق حقوق الإنسان السورية منذ بداية العام، وقد ازدادت بنسبة الضعف تقريباً على يوتيوب، فيما وصلت إلى ثلاثة أضعاف على تويتر،  بينما لا تتوفر بيانات مشابهة على فيس بوك لأنه، خلافاً لتويتر ويوتيوب، لا يقدم لمستخدميه سبب إزالة المحتوى”، ويخلص التحقيق إلى أن هذه الزيادة غير مسبوقة خلال عمل الأرشيف في جمع البيانات حول إزالة المحتوى منذ عام ٢٠١٨.

نيويورك تايمز، كشفت في تقرير نشرته عام ٢٠١٧ أن التقنية المعتمدة في يوتيوب والمسماة بنظام “التعلم الذاتي” صُممت للتعرف على مقاطع فيديو تبثها جماعات متطرفة أو المتعاطفين معها، لا سيما تنظيم داعش، وهذه التقنية كان يجد أن تخضع في النهاية للمراجعة البشرية قبل إزالتها، إلا ان هذا لم يحدث، بل تمت عملية الحذف بطريقة آلية وترسل بذات الطريقة أيضا تحذيرات لمنتجي المحتوى.

واعتبرت الصحيفة الأمريكية أن حذف تلك الفيديوهات من شأنه إعاقة محاكمة مرتكبي جرائم الحرب، وخصوصا أن تسببت بعرقلة عمل المراقبين والمنظمات الحقوقية، وفي مقدمتها فريق الآلية الدولية في سوريا والتابع للأمم المتحدة بغرض جمع وحفظ الأدلة الجنائية لاستخدامها لاحقا في المحاكم الدولية.

من يتحمّل المسؤولية؟

لا تُعرف الأعداد الحقيقة للمواد المرتبطة بتوثيق العقد الأخير من تاريخ سوريا، إلا أنها بالملايين، وليس ما نُشر منها في مواقع التواصل الاجتماعي سوى جزء من كل، ظل حبيساً في وسائط التخزين الإلكترونية للناشطين، فقد حدث كثيراً أن أُفرج عن هذه التسجيلات في وقت لاحق من الحدث نفسه، تسجيلات تتضمن تفاصيل أوفى، بدقة عالية، ترفع من القيمة التوثيقية للمادة البصرية، كما حدث مثلا بعد عملية “التهجير” من الغوطة الشرقية في ريف دمشق.

يخلص الأرشيف السوري إلى أن عدد ساعات مقاطع الفيديو التي توثق النزاع في سوريا تفوق عدد ساعات النزاع نفسه، ما يجعل هذا المحتوى “أرشيفاً بالصدفة”، ويتيح لأي شخص أن يكون شاهداً على النزاع وقت وقوعه، ربما للمرة الأولى في التاريخ.

ثمة أصوات تتعالى، ناقدة أو عاتبة، إلا أنها جميعاً تطالب بإنشاء ما يشبه لجنة وطنية للتوثيق، يقول الداعون إليها إن حالة التخلي التي يصفونها بالكبرى عن الثورة السورية ومطالبها وضحاياها تستلزم على الأقل أن يقف الضحايا إلى جانب بعضهم البعض.

ومن هنا، وتأكيداً على أهمية الأرشيف الذي يعاني من سياسات إدارات منصات التواصل الاجتماعي، أو الغياب في وسائط تخزين إلكترونية بسبب انعدام الخبرة في مجال الأرشفة، وأحيانا تتسبب الفوضى والإهمال بضياعها، كل هذا يؤكد على ضرورة تضافر الجهود لحفظ وأرشفة الكم الهائل من الوثائق، وإنشاء بنك معلومات يسهل الوصول إليه من جانب المنظمات الدولية والحقوقية، المعنية بانتهاكات حقوق الإنسان.

فإلى الآن، الغالب الأعم في جهود التوثيق من جانب المؤسسات والأفراد، تكون محدودة على أهميتها، وقد ساعدت فعلاً بعض هذه الجهود في تقديم مجرمي الحرب إلى المحاكم الأوروبية أو إصدارها مذكرات توقيف بحقهم، لكنها لم ترتق بعد لرسم الإطار العام لأرشيف متكامل يشمل مساحة الوطن السوري ككل.

ثمة من يرى أن الحل يعتمد على تضافر الجهود على المستوى المحلي والعربي، وخصوصا من الجهات المناصر للربيع العربي، عبر إنشاء منصات كبرى بديلة، معنية بحفظ وحماية التسجيلات بوصفها دلائل لا يمكن نفيها بمواجهة قطار الثورات المضادة الحريصة على تقويض أهم فترة تاريخية عربية منذ نحو قرن.

تم دعم هذا التحقيق (الذي سينشر تباعاً) من قبل صندوق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتمويل الأعمال الاستقصائية NAWA -IF