تتباين ملامح محمد بين الوجوم والضحك والإغراق في التفكير لحل أحجية المقصود من العبارات المكتوبة على السيارات والتي باتت تعرف بـ “أدب سيارات الشمال”.

يحاول يومياً أن يختار عبارة يكتبها على سيارته الجديدة يختصر فيها ما يشعر به، ويجول ببصره باحثاً بين عشرات العبارات المكتوبة، بعضها مكرر من حكم وأدعية، أخرى خلقتها الظروف التي يعيشها السكان ويقتصر فهم ما يقصد بها عليهم، كذلك تلك التي تبدو رسائل موجهة لحبيبات أو لأشخاص أو لواقع سياسي معين.

يكفي أن تكتب وسم “أدب سيارات الشمال” على فيس بوك لتشاهد عشرات الصور تحمل عبارات متنوعة تعبر عن حياة الناس اليومية، تعكس معاناتهم، ولاقى بعضها انتشاراً واسعاً على صفحات التواصل لتوافقها مع الحالة العامة لكثيرين منهم كالنزوح، مثل العبارة التي كتبها أحد النازحين على سيارته المحملة بأغراض منزله “يا ظالم إلك يوم” أو “لا تشوفنا نازحين بدنا نرجع رجعة عز”.

"أدب سيارات الشمال" -فيس بوك
“أدب سيارات الشمال” -فيس بوك

كسرت الكلمات الجديدة لـ “أدب سيارات الشمال” حاجز النمطية القديم، والتي كانت تقتصر على الأدعية والحكم والأشعار الموروثة الشهيرة، وولدت الحياة التي يعيشها الناس في إدلب عشرات العبارات التي لم نسمعها من قبل، والتي يصعب على غير الملمّ بأحوال البلد فهمها، كالعبارة التي كتبها رجل من سراقب على سيارته “طلع مو عادي”، إذ لا يمكن لقارئ أن يفهم معنى عبارته إلا من عاش تجربة نزوح جديدة وكانوا يظنونها أمراً بسيطاً يمكن الاعتياد عليه، إلا أن الواقع كان أصعب من تخيلهم، ومثلها عبارة  “طلع بأثر” أو “بحبك قد ما الجيش اقتحم الكبينة وفشل”.

كما سيطرت عبارات النصح والحكمة المستمدة من الواقع على المشهد، إذ تقرأ العشرات منها ممن يتحدث عن عيب النفاق وضرورة الابتعاد عنه، مثل “في ناس زمرة دمها  Oنفاق”، “عشرتكم تلج نص ساعة وتدوب”، “الله يديم المصلحة مشان نشوف الوجوه الطيبة”، “بطلوها للكولكة”، “الصديق المصلحجي متل مال الحرام ما بدوم” ومثلها كثير من العبارات التي تنتقد واقعاً اجتماعياً تعتمد فيه العلاقات الاجتماعية على صداقة المصالح والنفاق.

تتشارك عبارات اليوم مع الأمس بمعاني الحماسة والفخر، لكن بقوالب جديدة لم نألفها سابقاً، إذ لم يعد الفخر بالبلد أو الجنسية السورية أو القائد موجوداً واقتصرت عبارات الفخر على الأشخاص بأنفسهم أو عشائرهم، “الصفوف الأخيرة ليست صفوفنا نحن أينما وقفنا يبدأ العد” أو “” لما كنتو رايحين تصيروا .. نحنا كنا راجعين”، “خليك بدربك دربنا صعب عليك”، “لا غلينا ولا رخصنا، السوق إلكم نحن ما ننباع”.

في حين تسيطر عبارات الطرفة والفكاهة على الموقف وتكاد تكون أكثر انتشاراً، وأغلبها يكتب للمرة الأولى إذ يكون نابع من تجربة شخصية أو حالة اجتماعية. “لا تسأل مجرب ولا تسال حكيم، خبص لحالك والله كريم”، “بعت حبك واشتريت شعير”، “رضا الناس بدو مصاري ونحن جماعة طفرانين”، و “خليك فضة تحكي فيك الزلم مو ذهب تلبسك نسوان”.

"أدب سيارات الشمال" -فيس بوك
“أدب سيارات الشمال” -فيس بوك

تختلف العبارات المتداولة على السيارات العمومي عن السيارات الخاصة، إذ يميل أصحاب السيارات العامة للحكم والأدعية وعبارات التباهي والمفاخرة، “كيا ومين قدا” و”عين الحاسد تبلى بالعمى”، يقول أبو أمين سائق تكسي عمومي “قد تعكس العبارة المكتوبة شخصية السائق وطباعه فهناك من يبقيها مطبوعة لفترة طويلة دون أن يغيرها حيث يعتبرها مرآة لمشاعره، على خلاف أصحاب السيارات الخاصة الذين يقومون بتغيير العبارات باستمرار، رغبة منهم بلفت أنظار المارة وكأن زجاج سيارته تحول لحائط فيس بوك يستعمله في توجيه الرسائل العامة والخاصة”.

يتنافس أصحاب تلك السيارات باختلاق عبارات جديدة تلفت أنظار المارة وتمييز سياراتهم ضمن المنطقة التي يتواجدون بها، وساهم انتشار المطابع وغياب القوانين الرادعة بتطور هذه الظاهرة التي رافقت سيارات السوريين منذ سنوات طويلة، لكنها لم تكن بهذا الانتشار قبل الثورة، إذ يعتبرها قانون المرور السوري من المخالفات التي يضطر صاحبها لدفع غرامة مالية، وقد يتم حجز السيارة مالم يملك صاحبها موافقة من المؤسسة العربية للإعلان تخوله الكتابة على سيارته ضمن شروط، و كانت تتقاضى ستة آلاف ليرة سورية على متر الكتابة الواحد شريطة أن يندرج تحت بند الإعلان بينما تندرج بقية الكتابات تحت بند المخالفات المرورية.

تطورت تلك العبارات مع مرور الوقت وتحولت من عبارات تمجيد القائد والتي كانت تتغاضى عنها دوريات المرور وعبارات الحكم والأمثال، إلى أقوال في الحب ورسائل اجتماعية تحمل الطابع الفكاهي تارة وطابع النصح والإرشاد تارة أخرى.

انتشار ظاهرة “أدب سيارات الشمال” أمن فرص عمل لعشرات المطابع التي اعتمدت في عملها على الدعاية والإعلان، قبل أن تصبح ملاذ أصحاب السيارات لتزيين سياراتهم عبر اختيارهم العبارة المناسبة وقصها ولصقها على السيارة.

يقول أبو عمر “صاحب مطبعة شام” يستعمل الناس عدة مواد للكتابة على السيارات مثل “الكتر، الفينيل اللاصق، والفينيل المثقب” ويعتبر “الكتر” أكثرها انتشاراً إذ يطلب الزبون طباعة عبارات محددة أو رقم هاتف أو إعلان ما، في حين يستعمل الفينيل اللاصق لتغطية زجاج السيارة بصورة كتب عليها عبارة خاصة به، بينما يستعمل الفينيل المثقب ليمنح رؤية لصاحب السيارة من الداخل بينما يعجز من خارج السيارة على رؤية ما بداخلها.

يستعمل “الكتر” وهو مادة لاصقة قابلة للتشكيل بأحرف وأشكال معينة بشكل واسع في أعمال الإعلانات على واجهات المحلات،  لكن أصحاب السيارات باتوا يستعملونه مؤخراً للكتابة على الزجاج، تتراوح تكلفة المتر الواحد بين دولارين ونصف الدولار إلى ثلاثة دولارات ونصف الدولار بحسب نوع المادة اللاصقة.

"أدب سيارات الشمال" -فيس بوك
“أدب سيارات الشمال” -فيس بوك

يضيف أبو عمر ازداد الطلب مؤخراً على الفينيل اللاصق إذ يعمد مهجرون للصق صورة لبلداتهم على زجاج السيارة مع كتابة عبارة تؤكد حنينهم لقراهم أو تتحدث عن أملهم بالعودة، مثل “سراقب سالفتنا مطولة، أو “اشتقنالك يا معرة”، وتعتبر فئة الشباب الأكثر اهتماماً بهذه الظاهرة حيث يتنافسون فيما بينهم بقوة العبارة وعمق تأثيرها بحسب أبو عمر.

تتفاوت آراء من التقيناهم حول “أدب سيارات الشمال” ويرى بعضهم أن دوائر المرور يجب أن تفعل قانون المخالفات بهذا الاتجاه، بينما يقول آخرون إن انتشار مثل هذه الظاهرة لا يؤذي الذوق العام، بل يعتبرها كثيرون متنفساً لمشاعرهم وتخلق لحظات طريفة تدفعك للابتسامة أثناء قراءة بعضها.