أعلنت الحكومة العراقية في الثامن عشر من تشرين الثاني الجاري عن إعادة افتتاح معبر عرعر الحدودي الذي يربطها مع السعودية، بعد توقفٍ دام قرابة ثلاثين عاماً، على إثر حرب الخليج عام 1990.

يعتبر المعبر أحد المراكز الإدارية التابعة لمدينة عرعر في منطقة الحدود السعودية الشمالية، ويبعد 10 كيلومترات عن الحدود العراقية، لكن إعلام النظام السوري عمد لاستغلال الخبر وتوظيفه لصالحه، حيث روج أن الرياض تسعى لإعادة إحياء العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع دمشق، وأن سوريا تستطيع الاستفادة من هذا المعبر لتحقيق مكاسب اقتصادية بدلاً من معبر نصيب الحدودي مع الأردن.

نظام الأسد خارج نطاق المكاسب

قال “الاتحاد السوري لشركات شحن البضائع الدولي” التابع للنظام قبيل افتتاح المعبر بأيام إن معبر عرعر على الحدود السعودية العراقية سيخدم حركة نقل البضائع والشاحنات السورية من وإلى دول الخليج، زاعماً أن الرياض طلبت من الجانب العراقي تأمين طريق “ترانزيت” يربط سوريا بالمملكة عبر العراق.

بينما يرى فراس علاوي مدير تحرير شبكة “الشرق نيوز”، أن الجانب السعودي لا يمكن أن يطلب من العراق تسهيل عبور البضائع السورية، خوفاً من تبِعات قانون قيصر، الذي يفرض عقوبات على كل من يتعامل مع نظام الأسد، وقال “إن الظروف الحالية تجعل أي تقارب بين دمشق والرياض مستبعداً، لاسيما أن الأخيرة تسعى لبناء علاقات جيدة مع الإدارة الأميركية الجديدة، التي لم تتضح سياستها بعد تجاه الأسد، وبالتالي فالسعودية لا يمكنها الآن القيام بأي إجراء مع النظام السوري من شأنه إغضاب واشنطن التي تتواجد عسكرياً على الأراضي السورية”.

بدوره قال يونس الكريم “محلل اقتصادي” إن افتتاح معبر عرعر لن يمنح أي فائدة ملموسة للأسد، وتقتصر فائدته على السعودية والعراق إذ يحقق أهدافاً سياسية للرياض التي تسعى لضم بغداد إلى صفها وإبعادها عن النفوذ الايراني، وفي الوقت ذاته يرغب محمد بن سلمان بمنافسة تركيا وإيران على التواجد في العراق”.

أما على المستوى الاقتصادي أوضح الكريم أن المعبر لا يُقدم مكاسب اقتصادية كبيرة للسعودية في الفترة الحالية، كون المعبر بعيد عن المنشآت الصناعية السعودية، كما أن الوضع الأمني السيء في العراق في ظل انتشار الميليشيات الايرانية ، لن يُشجّع التجار السعوديين على التعامل الاقتصادي مع العراق حالياً، لذا فان فتح المعبر له دلالة رمزية سياسية حول عودة العلاقات السياسية العراقية السعودية”.

بينما يجني الجانب العراقي مكاسب اقتصادية وسياسية من افتتاح معبر عرعر ، فهو بوابة لإعادة إحياء العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وبغداد، إضافةً إلى المكاسب الاقتصادية، حيث ستقدم السعودية دعماً مالياً للعراق لتجاوز أزمته المالي إضافةً لافتتاح سوق جديد لتصريف الإنتاج العراقي في السعودية، كما أن العراق سيتقاضى رسوماً جمركية على مرور شاحنات الترانزيت من المعبر.

وقال يونس الكريم لفوكس حلب إن ما يروج له نظام الأسد حول وجود محاولات من السعودية للتقارب مع الأسد، يقع ضمن السياسة الاعلامية التي ينتهجها النظام أمام مؤيديه والرأي العام بهدف الظهور بهيئة المنتصر، وأن الدول المقاطعة بدأت تسارع لإعادة علاقاتها مع سوريا، وبالتالي فإن الأسد لن يحقق أي مكاسب من معبر عرعر سوى الدعاية الإعلامية، و في الوقت ذاته تغيب أي بوادر توحي بوجود تقارب بين دمشق والرياض على المدى المنظور نتيجة ثلاثة عوائق، أولها أن الأسد مقبل على انتخابات رئاسية، إضافةً إلى قانون قيصر، وتغيّر الإدارة الأميركية التي لا يمكن التكهن  بسياستها تجاه النظام السوري”.

هل يكون معبر عرعر بديلاً عن نصيب؟

يقول فايز قسومة ” نائب رئيس لجنة التصدير في غرفة تجارة دمشق” بحديثه لصحيفة “الوطن” الموالية، إن اعتماد منفذ عرعر بديلاً عن معبر نصيب مع الأردن، سيُسهم في توفير 1500 دولار أميركي عن كل شاحنة سورية تعبر المعبر نحو دول الخليج، موضحاً أن السعودية سمحت مطلع الشهر الحالي بدخول الشاحنات السورية إلى أراضيها، بعد أن كانت البضائع السورية تدخل سابقاً بواسطة شاحنات غير سورية.

حيث يسمح الجانب الأردني بمرور ثلاثين شاحنة سورية في اليوم من معبر نصيب ما أثر على الحركة التجارية بين سوريا ودول الخليج.

كما أن البضائع التي تعبر المنافذ الأردنية وتدخل الأراضي السعودية هي عبارة عن خضار وفواكه ومواد غذائية وألبسة، الأمر الذي يؤدي إلى تلف جزء من المنتجات وتكليف أصحاب الشاحنات مبالغ كبيرة خلال الانتظار، ما دفع النظام للتفكير بالاعتماد على معبر عرعر بدلاً من نصيب.

إلا أن فراس علاوي أوضح أنه من “المستبعد أن يكون معبر عرعر بديلاً عن معبر نصيب، وإنما هي محاولة من الأسد للضغط على الأردن، لدفعه إلى تسهيل عملية مرور الشاحنات السورية، التي تعاني من مزاجية موظفي المعبر الأردنيين، الذين يتعمّدون إيقاف تلك الشاحنات لفترة طويلة قبل السماح لها بالمرور، كما أن دمشق تحاول أن توحي لعمّان بأنها تود استخدام معبر عرعر بدلاً من نصيب، لإرغام الحكومة الأردنية على تخفيض الرسوم التي تتقاضاها، والتي تبلغ ألفي دولار على كل شاحنة”.

لكن في حال قرر النظام السوري استخدام معبر عرعر، فيجب على الشاحنات السورية دخول الأراضي العراقية أولاً عبر معبريّ البوكمال أو التنف، ويعتبر معبر البوكمال من المعابر الصغيرة والبعيدة عن  مراكز إنتاج السلع، كما أن الحالة الفنية للطرق سواءً في سوريا أو العراق متهالكة وضيّقة، وتفتقر إلى الخدمات الفنية من محطات وقود واستراحات ما يرفع كلفة الشحن، في حين يقع معبر التنف تحت سيطرة قوات التحالف الدولي، وبالتالي لا يستطيع النظام استخدامه إلا اذا حصلت تفاهمات دولية لاحقة بعد استلام الإدارة الأميركية الجديدة، وفق ما ذكر يونس الكريم.

كما أن الوصول إلى هذين المعبرين خطر من الناحية الأمنية، بسبب وجود خلايا لتنظيم داعش في البادية السورية ومحافظة الأنبار، إضافةً إلى انتشار الميليشيات التي تتبع لإيران و”الحشد الشعبي” على الضفة الثانية من المعبرين من جهة العراق، والتي يعمل عناصرها كقطّاع طرق تعترض حركة الشاحنات، علماً أن معبر التنف يعتبر الأفضل، لأنه يختصر جزءاً كبيراً من المسافة أمام الشاحنات المتجهة إلى دول الخليج، مقارنةً بمعبر البوكمال.

كل هذا يجعل الكلام عن استخدام معبر عرعر كبديلٍ عن معبر نصيب الحدودي غير واقعي، وشبيه بالضجة الإعلامية التي خلقها الأسد، حين تحدث عن افتتاحه معبر البوكمال كبديلٍ عن التنف في أيلول 2019، وأنه سيُنشّط الحركة التجارية مع العراق وايران، لكن تبيّن لاحقاً أنه مجرد كلام على الورق، ولم يتم الاستفادة منه سوى بدخول الأسلحة والميليشيات الطائفية.

ويذكر أنه أُعيد افتتاح معبر عرعر سنة 2013 بشكلٍ جزئي وضمن نطاق محدود، لكنه أُغلق مجددًا بعد سيطرة تنظيم داعش على مدن غربي وشمالي العراق، وبقي مغلقاً إلى أن تم افتتاحه مرة أخرى خلال الأيام الماضية.