تبقي أم أحمد “مقيمة في مخيم الخطيب بقرية كفرعروق شمالي إدلب” أنوار خيمتها مضاءة طوال الليل، وتتقاسم  مع زوجها نوبات السهر لمراقبة وحراسة أطفالها، خوفاً من اقتراب الفئران والجرذان منهم، إذ يعاني سكان المخيم من انتشار كبير للقوارض خلل الأشهر الماضية.

تزايدت أعداد الفئران والجرذان في مخيم الخطيب مع بداية الشتاء، فهي تحفر جحورها بالقرب من الخيام وتبني لنفسها أعشاشاً تمنحها الدفء، ما شكل حالة هلع لدى السكان لاسيما بعد تداول عدة قصص تتحدث عن اقتراب الجرذان من الأطفال أثناء نومهم، فالقوارض تهدد أطفالهم، وتسرق وتنهي مؤونتهم، كما تخرب أغراضهم وخيامهم.

تقول أم أحمد: “إنها لا تنسى حادثة اقتراب جرذين من ابنها الرضيع، وكيف أنقذته في آخر اللحظات، “مين بيعرف بجوز كانوا يعضوه ويهددوا حياته”.

منذ تلك الحادثة يجافي النوم أعين أم أحمد، خشية اقتراب الجرذان من الأطفال أثناء النوم.

تلوث بيئي وصحي داخل المخيم

يتخوف السكان من انتشار الأوبئة داخل المخيم، يقول الطبيب حسان البكور إن القوارض تنقل العديد من مسببات الأمراض، من بكتيريا وفيروسات وطفيليات وفطريات وعفن. وتكون عملية النقل بعدة طرق، منها خلال العض أو تناول طعام ملوث ببراز القوارض وبولها وشعرها، أو التماس المباشر معها.

ومن أهم الأمراض التي تنقلها القوارض التهاب السحايا والتهاب الفم الحويصلي والتسمم الغذائي البكتيري وحمى عضة الجرذ قد تنقل الطاعون.

يتحدث مصطفى محمد علي وهو من سكان المخيم أن تراكم القمامة قرب البراميل (قليلة العدد) المخصصة لجمعها وطول مدة ترحيلها ساهمت في انتشار القوارض التي تعتمد في نموها على الفضلات والمخلفات الغذائية.
كما تجد الفئران تجمعات المياه الخارجة من الخيم والجارية في أنحاء المخيم، بالإضافة إلى الجور الصحية “فنية” المكشوفة وما تبعثه من روائح كريهة مأوى لها  في وسط غياب شبكة الصرف الصحي.

ويضيف محمد علي إن هناك عوامل أخرى ساعدت في الانتشار كطبيعة الأرض التي أقيم عليها المخيم، والتي تحولت إلى رطبة مع غياب الصرف الصحي وكثرة الصخور فيها، بالإضافة إلى الخيام التي تفتقد إلى عوازل أرضية.

يقول أحد سكان المخيم “يوجد فأر أو جرذ في كل متر مربع داخل المخيم، عددها أكثر من النازحين، والجور الصحية وبقع المياه مستنقعات مليئة بالقوارض”.

المكافحة ضعيفة

يتداول رجال المخيم قصصاً طريفة في جلساتهم عن اصطياد القوارض، أو الإمساك بها حية، فيما ترى أم أحمد أن هذه الطرق تبقى فردية وقاصرة، فالفئران والجرذان ما زالت تغزو الخيام والخسائر في ازدياد، وقد خسرت مؤخراً كيساً بداخله بذور دوار الشمس وعلبة معكرونة وكيس زعتر.

قام فادي الخطيب بتربية قط داخل خيمته ليخفف من وجود القوارض، إلا أن تجربته لم تنفع فبعد يومين من غيابه مع أسرته عن الخيمة لطارئ صحي وجد الجرذان قد أفرغت عبوة زيت زيتون بلاستيكية بعد ثقبها، وقضمت جزء من أثاث المنزل “كالطرّاحات والوسائد الإسفنجية”.

يقول فادي إن الفئران قضمت المادة العازلة لأسلاك الغسالة ما أحدث ماساً كهربائياً، لذا قرر توسيع دائرة المكافحة باستعمال دفتر اللاصق وفيه قطعة واحدة لا تكفي لقتل أكثر من فأرين، إضافة إلى استعمال الفخ التقليدي، وخلط مادة الزرنيخ السام مع حبات القمح التي وجدها ضعيفة المفعول، ثم اللجوء للسم العلفي والطعوم السامة والغازات التي تعد “سيفاً ذو حدين” فيما لو استنشق الإنسان شيئاً منها أو دخلت جوفه، لا سيما بعد سماع قصة وفاة طفلتين في أحد مخيمات خربة الجوز بعد استنشاقهما غازات متطايرة من مبيد القوارض.

ويتابع فادي أكثر ما يحير سكان المخيم ويثير دهشتهم هو الازدياد المستمر لأعداد الفئران، ودفعهم تكاليف يرونها كبيرة في سبيل مكافحتها.

إذ يبلغ ثمن قطعة اللاصق نصف دولار، فيما يبلغ سعر مئتي غرام من السم العلفي دولارآً واحداً. “نقتل الفأر ثم يظهر خمسة بدلاً عنه” يقول فادي.

من جهته يصف الطبيب البيطري أسامة العيسى هذا الازدياد بالأمر الطبيعي لعدة أسباب أهمها ضعف وسائل المكافحة وبدائية الطرق، وضعف فعالية المبيدات المستوردة من تركيا.
ويضيف أن المبيدات والسموم القادمة من تركيا لم تثبت كفاءتها لقلة جودتها، في حين تغيب الأصناف الجيدة نظراّ لارتفاع ثمنها وصعوبة الحصول عليها من مناطق النظام.

ويتابع العيسى “تشتهر القوارض بتكاثرها السريع، وتملك حواساً وميزات فيزيائية تمكنها من إيجاد الغذاء واتقاء الأخطار. فالسمع عندها حاد جداً.وحاسة الشم متطوّرة . فضلاً عن أنها تصنف من الحيوانات الذكية ،وتتمتع بحس الفريق، فعند شعورها أنها تناولت مادة سامة، مثلاً، تعود إليها وتبول عليها، لتنذر بقية الفريق من خطر الاقتراب منها”.
وتبين الدراسة المشتركة التي أجراها المعهد الوطني الفرنسي للبحث الزراعي مع معهدي ” فيتاغروسوب” و “باستور” أن 56 % من الفئران، مادة الدراسة، كانت مقاومة وراثياً لسم الفئران المستخدم في القضاء عليها.

الحل موجود مع وقف التنفيذ

وعن تدابير الحد من ظاهرة انتشار القوارض والقضاء عليها يتحدث المهندس عيسى قوجو من منظمة (وطن المسؤولة عن إدارة مخيم الخطيب)، عن ضرورة وضع خطة شاملة تبدأ بحملة توعية صحية لأهالي المخيم، ثم تنفيذ حملة ميدانية للمكافحة، وهذه تحتاج إلى أيدي عاملة وآليات ومبيدات.

ويضيف قوجو: ” نحن بحاجة إلى تنظيم المخيم ،وشق طرقات داخله، وتسهيل الطرقات بالبحص ومد شبكة صرف صحي”، وينوه إلى أن الإجراءات المذكورة خارج نشاط منظمة “وطن” التي تعتبر بحسب من تحدثنا معهم مسؤولة عن المخيم، ويرى أن آلية المكافحة تحتاج إلى مشروع زراعي وبدعم من المؤسسات الحكومية.

يأتي شتاء المخيم وتغيب فيه الأفاعي ألد أعداء الفئران لصالح وجود الأخيرة، ويجد النازحون أنفسهم أمام استحقاق التخلص من عدو جديد. وتحمل تكاليف مادية جديدة وسط واقع اقتصادي سيء. ناهيك عن التقاعس والتنصل من المسؤولية من قبل المنظمات والمؤسسات الحكومية بحسب من تحدثنا معهم من نازحي مخيم الخطيب.

ويقول من تحدثنا معهم إنّه لا يوجد أي إجراء من قبل المؤسسات الحكومية أو المنظمات الداعمة للمساعدة في الحد من انتشار القوارض، ويناشد أهالي المخيم المنظمات الإنسانية لإيجاد حلول جذرية لهذه المشكلة التي تتفاقم كل يوم  خاصة مع بداية الشتاء.