تنهي أم تيسير “سيدة حلبية مقيمة في إسطنبول” واجباتها المنزلية، وتربط هاتفها على الشحن لتحافظ عليه “مشحوناً”، قبل أن تبدأ بعملها في التسويق الإلكتروني واستقبال الرسائل والاتصالات من زبائنها.

بعد أن دخلت مهنة التسويق الالكتروني لتساعد زوجها في سد بعض حاجيات المنزل.

تقيم أم تيسير في أسنيورت “منطقة تركية تشتهر بوجود جالية سورية كبيرة ” بعد رحلة طويلة شهدت خلالها حياة الخيام ومرارة النزوح وبحث زوجها عن فرصة عمل عثر عليها أخيراً في هذه المدينة كعامل في ورشة خياطة.

“في تركيا لا يكفي أن يعمل شخص واحد ليسد احتياجات العائلة” تقول أم تيسير وهي تشرح لنا كيف استطاعت إيجاد عمل يتناسب مع ما تمتلكه من طاقة ووقت “اخترت التسويق الإلكتروني للألبسة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويؤمن لي هذا العمل ما يتقاضاه زوجي من ورشة الخياطة أسد من خلاله أجرة المنزل والفواتير الكثيرة التي تلاحقنا كالكهرباء والماء والغاز والإنترنيت..”

أم تيسير واحدة من عشرات النسوة اللواتي امتهن التسويق الإلكتروني لإعانة أزواجهن في بلاد اللجوء دون الحاجة للخروج من المنزل والالتزام بساعات عمل محددة، بحسب من التقيناهن من ممتهنات هذا التسويق.

 عبر الانترنت

تواصل هادية محمد “سيدة سورية في تركيا” مع أحد تجار الألبسة لتحصل على صور البضائع والماركات المتوفرة قبل أن تبدأ الترويج لها عبر الانترنت، عن طريق غرف واتس آب أعدتها مسبقاً لهذا الغرض.

تلجأ هادية إلى هذا النوع من التسويق الإلكتروني وتطلق عليه “التسويق الحر”، إذ يتمكن من يلتزم

هذا الأسلوب من اختيار بضائعه وتحديد سعر كل قطعة خلال بيعها، تقول “أضيف نحو عشر ليرات تركية كربح، وبعد الاتفاق مع الزبائن أتقاضى عمولة الشحن من مستودع التاجر إلى منزل المشتري”.

تقدر هادية ما تحصل عليه شهرياً من ربح بنحو ألف وخمسمائة ليرة تركية، تزيد وتنقص بحسب المواسم وتنوع البضائع، إلا أن مقدار ربحها لا يحقق لها وحده، حياة كريمة، لكنه يعينها على جزء

من تكاليف الحياة.

وتعتمد أخريات من العاملات في التسويق الإلكتروني على أسلوب آخر من خلال الانضمام لفريق

من النساء يتبعن لشركة معينة، ويعملن كمندوبات ينضممن إلى غرفة في واتس آب تديرها امرأة

من موظفات الشركة لتدريبهن على التسويق والإشراف على عملهن.

تكسب المندوبة ربحها حسب المبيعات، وتتراوح عمولتها بين15إلى 25 ليرة تركية بحسب سليم أنور “موظف بشركة لتجارة الألبسة”.

ويشرح الأنور آلية تقاضي العمولة بقوله: “يحدد سعر القطعة عمولة المندوبة إذ تبلغ نحو ١٥ ليرة

في القطع التي لا يزيد سعرها عن مئة ليرة تركية، بينما تصل حتى ٢٥ ليرة في القطع التي يزيد سعرها عن ذلك”.

وتقدر عاملات في هذا النوع من التسويق الإلكتروني مقدار ربحهن الشهري بين (١٥٠٠ -٢٥٠٠) ليرة تركية، وتحدد ظروف كثيرة هذا الربح، منها المناسبات وأوقات التسوق وتنوع البضائع..

تسعى العاملات في هذا المجال لامتهان التسويق الخارجي “خارج تركيا”، وهو ما يعرف بتسويق الجملة إذ تكون مرابحهن في هذا المجال أكبر نتيجة بيعهن عدد أكبر من القطع بحسب المندوبة

مرام الراعي، “في التسويق للخارج يترك لي حرية وضع الربح المناسب، وكما يقال أنا وشطارتي، المهم

أن تؤمن بيع البضاعة للخارج، ويشترط علي من قبل الشركة التي أسوق لها أن تكون الطلبية أكثر من عشرين قطعة”.

محلات على واتس آب وفيس بوك

أضافت أم محمد “تعمل كمسوقة” صديقاتها وأقاربها على غرفة واتس آب مختصة بتجارة الملابس وطلبت منهن دعوة معارفهن ليزداد عدد زبائنها وتنطلق في مهنتها.

تقول “أعمل كصاحبة محل ألبسة دون التكلف بأجرة محل، أو ثمن الألبسة، أعرض صور الألبسة المتاحة على غرف الواتس التي أديرها مع أسعارها ومن يعجبها قطعة من النساء تخبرني عنها لأقوم بتحويلها من صاحب البضاعة للزبونة وأتقاضى عمولتي عليها”.

مجموعة التسوق الإلكتروني  على الواتس آب
مجموعة التسوق الإلكتروني على الواتس آب

أما المسوقات العاملات ضمن فرق فغالباً ما يكون عملهن على برنامج فيس بوك، لما يتيحه البرنامج من اتساع مجال التسويق، بحسب ما أوضحت لنا أكثر من مسوقة.

تنشر العاملات في التسويق الإلكتروني بضائعهن في مجموعات مخصصة لتجارة الألبسة على البرنامج، أو افي مجموعات عامة يتواجد فيها سوريون وعرب، ويتم التواصل معهن من قبل الزبون لمعرفة كيفية الحصول على البضاعة.

الاستغلال في سوق العمل

تركت سماهر (امرأة تقيم في الريحانية بولاية هاتاي التركية) عملها في التسويق بعد شهر من التزامها به، تقول إنها لم تحقق ما كانت تطمح إليه، وتخبرنا أنها كانت تحصل على خمس ليرات تركية كربح لكل قطعة تبيعها، لكن الشركة التي كنت تسوق لها كانت تلزم المندوبات بقطع معينة يصعب بيعها، واصفة التسويق الإلكتروني بهذه الصورة “بالعمل غير المجدي”.

وتقول أم سعيد صديقة سماهر وزميلتها في العمل إنها وجدت المشكلة التي كانت تحد من تطور عملها بعد أن اكتشفت أنها كانت تعمل كـ “مندوبة المندوبة”.

وتشرح ذلك بوجود عدد من العاملات في التسويق الإلكتروني ممن يوظفن لديهن “مندوبات”، ويقتطعن جزء من أرباحهن واستغلال جهدهن لبيع أنواع معينة من البضائع.

وتخبرنا أم سعيد أنها تركت العمل لدى المندوبة القديمة وتواصلت مع الشركة الأم بشكل مباشر، ما زاد من ربحها وتنوع بضائعها.

أكد لنا تجار ألبسة سوريين بتركيا أن “مندوبة المندوبة” هي ظاهرة متواجدة بالسوق، وهي أكثر قضية تبخس العاملات حقوقهن، لذا على المتوجهة لهذا التسويق أن تعرف هل هي مندوبة لشركة أم لمندوبة، ويمكن للعاملة معرفة ذلك من خلال كمية الربح إذ لا تمنح الشركات أقل من عشر ليرات على القطعة بينما لا تعطي المندوبة أكثر من خمسة.

أثر هذا التسويق بحياة نساء كثر ممن امتهنه. أكسبهن فرص عمل تراعي ظروفهن وطاقاتهن، وجعل منهن نساء منتجات دون مشقات العمل بتركيا التي لا تلائم غالب السوريات، بحسب من تحدثنا معهن من العاملات.

مجموعة التسوق الإلكتروني  على فيس بوك
مجموعة التسوق الإلكتروني على فيس بوك

يقول أبو مصطفى الوافي “صاحب شركة ألبسة” إن السوريات هن أكثر العاملات بتسويق الألبسة في تركيا مقارنة بباقي الدول. وإن كانت لا توجد إحصائية عن عددهن إلا إنه يلاحظ من نشاطهن عبر المجموعات الكثيرة على وسائل التواصل الاجتماعي حجم العاملات في هذا المجال.

استطاعت أم تيسير أن تستقر باسطنبول رغم غلاء المعيشة بعد أن أتقنت عملها وباتت تكسب دخلاً يفوق دخل زوجها، فقد أتاح لها هذا السوق فرصة عمل تتناسب مع طاقاتها وباتت تحلم بتوسيع أعمالها بشكل أكبر.