“الأعياد السياسية والزمنية متحركة جداً، فهي لا تزال تتوالد مع الحروب والانقلابات العسكرية”

حازم صاغية في كتاب وداع العروبة.

تتضارب المشاعر في كل مرة تقترب فيها واحدة من المناسبات التي شكلت في وعينا السوري منذ زمن حالة من الاعتياد، بالفرح والابتهاج أو الحزن، ويتدخل في إصباغ هذه الصفة عليها عوامل كثيرة، لعل أهمها ما فرض علينا، ثم بعد ذلك ما اعتدنا عليه، من سلوك تجاه هذه المناسبات، وكيف يتم التعامل معها والتأثر بها، وما يرافقها من ردود أفعال.

يوم أمس في السادس عشر من تشرين الثاني كنا على موعد مع ذكرى الحركة التصحيحية، أو كما أريد لنا تسميتها، ذلك أن أسماء هذه المناسبات وطريقة التعاطي معها تدخل في حيز الإجبار لا رفاهية الاختيار، وليس مهماً إن كنا، سابقاً، نتفق على ضرورة الاحتفاء بهذا اليوم أم لا، كل ما كان يعنينا أن نعرف الطريقة التي يتوجب علينا من خلالها التعاطي مع هذا الحدث. في هذا اليوم كان علينا أن نحتفل ونزين المدارس والمصانع ودوائر الدولة، وإن صادف مروره في أحد أيام العطلة فعليه أن يتحول لعمل طوعي (تجبر فيه على التواجد في مكانك والاستماع لخطابات طويلة، غير مفهومة، عن هذا اليوم التاريخي وتلبيس قائده كل الإنجازات، من لقمة الخبز وحتى سد الفرات).

ولا بد لهذا اليوم من مكرمات، غالباً ما تأخذ شكل الشائعات، كأن يحصل المولود في مثل هذا اليوم على بطاقة طائرة مجانية لم يستلمها أحد، أو زيادة في الراتب لا تأتي في انتظار مناسبات جديدة علها تصيب، أو إفراج عن المعتقلين لم يحدث أيضاً، ولعلهم سيرفضون في ذلك الوقت الإمعان في إذلالهم بإخراجهم من المعتقلات في اليوم الذي يمثل سلطة من اعتقلهم وتمكينه من رقاب السوريين إلى الأبد.

منذ بداية الثورة السورية تغيرت هذه المناسبات وانقسمت لصالح مناسبات أخرى كثيرة، وفي الضفتين الموالية والمعارضة، شأنها شأن مناسبات كثيرة كانت قبل “التصحيح” ولم يعد لها ذكر في العقود التي حكم فيها الأسد الأب مزرعته السورية. لم نعد مثلاً نذكر اليوم الذي تمت فيه الوحدة بين سوريا ومصر، كذلك الانفصال، وبات عميقاً في ذاكرتنا الاحتفال بيوم الثامن من آذار والعام ١٩٦٣ كبديل محق تحت مسمى “ثورة”، وحرب تشرين “التحريرية” وذكرى “التصحيح” و “موت الأب الخالد” واستلام “الابن الخالد”، ولا أقصد هنا المهتمين والدارسين بل الوعي الجمعي.

بات لنا في الثورة السورية أعيادنا الخاصة، وهي منقسمة أيضاً، بداية الثورة -تحرير مدينة -مجازر الكيماوي والقصف -موت قائد عسكري نحترمه -استهداف مدينة -تهجير سكان من قراهم وبلداتهم -اعتقال الآلاف، مقابل ذلك وفي الضفة المقابلة بات لذات الذكرى شعوراً مختلفاً -تحرير حلب -قتل الإرهابيين -استرجاع مناطق معينة -خسارة مدينة..

المنتصر هو من سيحدد هذه المناسبات وشكل التعاطي الجديد معها، الزي الذي سنرتديه على وجوهنا، حلقات الدبكة أو مجالس العزاء، شعر الحماسة أو الرثاء، التهاني والتبريكات أو شد الأزر والمصيبة.

لا يمكن الاتفاق، في حال من الأحوال، على سلوك معين، يمكن بمرور الزمن أن يتحول هذا السلوك بعد فرضه إلى حالة من الاعتياد، وهو بذلك يشبه ما تم توظيفه من تسمية “التصحيح” على الحركة الانقلابية التي أنجبت الديكتاتور، وكيف تحول هذا اليوم من يوم عادي في حياة السوريين إلى مناسبة احتفالية. كذلك كيف تحول مع سنوات الثورة، وعند جمهورها، إلى مناسبة للانتصار من قائد الانقلاب لا التصحيح، ولعنه وشتمه والسخرية من منجزاته، والتركيز على حقيقة ما كان يعيشه السوريون من ظلم وفقر.

زعزعت الثورة السورية أركان هذه الذاكرة، وصعبت من مهمة العودة إلى حالة الاعتياد التي أنفق عليها “البعث وحاكمه” سنوات من الجهد والقبضة العسكرية، حتى غدا موت رجل كـ “وليد المعلم وزير خارجية النظام” في يوم “التصحيح” حدثاً أكثر أهمية من التصحيح وقائده، وهو ما يثبت الهشاشة التي يرتكز عليها من حاولوا تسويق هذه المناسبات وإنجازاتها، يحاولون جاهدين دفع البراهين لتصديقهم دون جدوى، أمام حقيقة لم تعد خافية حتى على الموالين أنفسهم.

ربما يتحول السادس عشر من تشرين الثاني إلى مناسبة سعيدة في يوم من الأيام، ليس لارتباطها بالتصحيح، بل لمصادفة موت أحد عتاة النظام في اليوم ذاته، ويصبح توزيع “الحلويات” طقساً متبعاً يرافقه كبديل عن حلقات الدبكة. في المقلب الآخر أيضاً من الممكن أن يتحول هذا اليوم إلى مناسبة سعيدة بعد قرار توزيع ربطتين من الخبز بدلاً من واحدة على البطاقة الذكية، وربما يعتبر الشارع الثوري أن الحسنة الوحيدة لهذا اليوم “موت وزير الخارجية” فيصنعون صلحاً مؤقتاً مع تشرين مرة أخرى.