هاشتاغ انطلق عقب انعقاد مؤتمر اللاجئين -وسائل التواصل
هاشتاغ انطلق عقب انعقاد مؤتمر اللاجئين -وسائل التواصل

أعلن نظام الأسد يوم أمس الأربعاء انعقاد مؤتمر “عودة اللاجئين” في دمشق، واجه المؤتمر مقاطعة معظم الدول حول العالم وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك أصرّت موسكو الداعم الأول للمؤتمر على عقده، زاعمةً أن هدفها الأساسي دعوة اللاجئين للعودة إلى بلدهم، وإقناع المجتمع الدولي أن البيئة الأمنية في سوريا باتت مواتية لإعادة السوريين لوطنهم، لكن الظروف التي يعيشها الشعب في مناطق النظام الغارقة بأزمات معيشية، تدحض تلك المزاعم، وتدفع للتفتيش عن الأهداف الخفية وراء عقد هذا المؤتمر.

استمرت جلسات المؤتمر ليومي “الحادي عشر والثاني عشر من تشرين الثاني الجاري”، وجاء بعد مساعٍ روسية لعقده في هذه الفترة مستغلة الانشغال الأميركي بالانتخابات الرئاسية، وحالة اللامبالاة المزمنة عند الأوروبيين، وخروج جامعة الدول العربية من دائرة التأثير، إلا أن المؤتمر شهد مقاطعةً واسعة من عشرات الدول، و بدا واضحاً أن الدول التي حضرته هدفها دعم الأسد والترويج لروايته، فجميع الدول الحاضرة لا تستضيف لاجئين سوريين باستثناء لبنان، وبالتالي ليست معنية بحضور هذا المؤتمر، الذي يوحي من اسمه أنه يهدف لإيجاد حلول جذرية لقضية اللاجئين الذين تركوا بلادهم هرباً من القصف والاعتقال والوضع المعيشي .

استهل إعلام النظام افتتاح “مؤتمر اللاجئين” في دمشق، بالتهجّم على عددٍ من الدول وعلى رأسها (تركيا وقطر) ووسائل إعلام محلية وعربية، واتهامها بلعب دورٍ في وصول آلاف المقاتلين من “تنظيمات جهادية” إلى سوريا، والتسبّب بهجرة ملايين السوريين، وبأن تلك الأطراف مسؤولة عن “التحريض وبث الفتنة وزعزعة الأمن والاستقرار ” بين السوريين على حد زعمه.

وادعى رأس النظام في لقاءٍ مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عبر تقنية الفيديو قبيل انعقاد المؤتمر، أن “الجزء الأكبر من اللاجئين يرغب بالعودة إلى سوريا”، وأن “العقبة الأكبر أمام اللاجئين الراغبين بالعودة، هي الحصار الغربي المفروض على سوريا”، بينما قال بوتين إن مستوى العنف انخفض في سوريا وبدأت الحياة تتجه نحو المجرى السلمي، واستمرار العملية السياسية الشاملة تحت رعاية الأمم المتحدة، معتبراً أن ذلك يُهيئ الظروف المناسبة للعودة الجماعية لللاجئين.

يقول عبد الله زيزان “كاتب ومحلل سياسي” عن هدف روسيا والأسد من عقد المؤتمر “يعلم الجميع أن روسيا من أهم الداعمين للنظام السوري، وبالتالي هي أساس تهجير السوريين وإخراجهم من بلادهم عبر استهدافهم بصورة مباشرة، وبالتالي فإن حديث موسكو عن رغبتها في إعادة اللاجئين السوريين إلى وطنهم، هو مجرد كلام، تهدف من ورائه لجني الأموال من إعادة الإعمار وتحقيق مكاسب أخرى”.

وأضاف زيزان لفوكس حلب أن “ملف اللاجئين بات يؤثر على روسيا، ويشكل ضغطاً أوربياً ودولياً عليها، لذلك وجد بوتين أن الحل بالتظاهر بأن روسيا تريد إعادة اللاجئين إلى بلادهم وحريصة على سلامتهم، لكن الواضح أن دول العالم على اطلاع بالواقع السوري، ومعرفة تامة بالنوايا الروسية حيال هذه الأزمة، لذا فضّلت مقاطعة مؤتمر عودة اللاجئين من البداية، بدل أن تكون شاهد زور على أحداثه، حيث أن مجرد عقد المؤتمر بدمشق وبرعاية مباشرة من النظام السوري وروسيا (المسببان الرئيسيان للهجرة)، يعني عدم الجدية في حل القضية السورية، ومنح الشرعية للأسد والتي فقدها منذ اندلاع الثورة”.

أهداف خفية لعقد المؤتمر

حضر مؤتمر عودة اللاجئين العديد من الدول التي ساهمت في تشريد السوريين وهربهم الى دول اللجوء، فضلاً عن الكثير من الدول الداعمة للأسد، وشملت الدول المشاركة في المؤتمر كلاً من: نيجيريا – لبنان – كوبا – قرقیزستان – فلسطين – الفاتيكان – العراق – الصين – سيريلانكا – بيلاروس – باكستان – الأرجنتين – أبخازيا – روسيا – كولومبيا – الجزائر – إيران – البرازيل – جنوب أفريقيا – صربيا – الصومال – عمان – الفلبين – فنزويلا – كازاخستان – كوريا الشمالية – موريتانيا – الهند.

وفي المقابل أعلنت دول أخرى رفضها حضور المؤتمر، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي الذي يستضيف مئات آلاف اللاجئين السوريين، وقال الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل في بيانٍ له، أن بعض وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي، تلقوا دعوة لحضور مؤتمر اللاجئين إلا أنهم رفضوا المشاركة، مشيراً إلى أن الأولوية في الوقت الراهن تكمن في تأمين الظروف التي تساهم بعودة السوريين إلى أراضيهم بشكلٍ آمن وطوعي مشرّف في إطار القانون الدولي، وأن الظروف الراهنة في سوريا لا تسمح بالعودة الطوعية للسوريين، حيث أنه من المبكر الآن عقد مؤتمر كهذا.

ويرى الباحث في الشأن الاقتصادي يونس الكريم، أن روسيا والأسد يطمحان لتحقيق أهدافٍ خفية من وراء هذا المؤتمر، ومنها محاولة فك العزلة الدولية عن النظام السوري، خاصةً أن بشار الأسد مقبل على انتخابات رئاسية العام المقبل، وبالتالي يريد كسب حلفاء له، لذلك يسعى لدعوة الدول التي لا تملك لاجئين على أراضيها أو الدول التي لديها عداوة مع الدول الصديقة للمعارضة كأرمينيا أو كازاخستان، أو حلفاء النظام كإيران وروسيا وكوريا الشمالية”.

وقال الكريم ” إن إعادة اللاجئين إلى سوريا، ستدفع الدول الرافضة لبقاء الأسد للتنسيق معه  ما يُسهم في تعويمه وإعادة شرعنته”، مضيفاً أن إعادة الإعمار هي الهدف الأبرز وراء عقد مؤتمر اللاجئين ، حيث تحدث الأسد أنه غير قادر على استقبال اللاجئين في ظل البنية التحتية المنهارة والوضع الاقتصادي المتردي، لذلك سيشترط على الدول المستضيفة لللاجئين، أن تشارك في تمويل عملية إعادة الإعمار، كي يتمكن النظام من استقبال اللاجئين، ما يؤمن له مكاسب مادية بملايين الدولارات، قد تنقذه من الأزمة الاقتصادية التي تعصف به حالياً، كما يسعى الأسد لتسويق نفسه دولياً عبر العمل على احتواء إيران إرضاءً للغرب، وإشراك الصين مكانها في ملف إعادة الإعمار، سعياً للتخلص من عقوبات قيصر”.

وجاء انعقاد مؤتمر اللاجئين عقب عدة أيام، من إصدار الأسد مرسوماً حدّد فيه أحكام ومبالغ البدل النقدي للمكلفين بالخدمة العسكرية ضمن قواته، حيث تم وضع المقيمين خارج سوريا ضمن تصنيفات جديدة وفقاً لسنوات الإقامة، بحيث تبدأ قيمة البدل من 7 آلاف دولار أميركي فما فوق، ما يدل على أن هدف المؤتمر خلق بيئة مناسبة لتشجيع كل السوريين على العودة إلى ديارهم بما فيهم المطلوبين للخدمة العسكرية، وبالتالي فإن دفع ذلك البدل للإعفاء من الخدمة العسكرية، سيرفد خزينة وزارة دفاع النظام بالأموال، والتي ستذهب معظمها لصالح الأفرع الأمنية والمؤسسات العسكرية.

العودة تبدأ برحيل الأسد

في السياق ذاته أطلق معارضون وهيئات وناشطون سوريون أمس الأربعاء، حملةً تحدد شروطاً لبدء عودة اللاجئين إلى سوريا، في مقدمتها رحيل بشار الأسد، ووقّع على بيان انطلاق الحملة التي حملت اسم “العودة تبدأ برحيل الأسد”، أكثر من أربعين منظمة وهيئة سورية.

وأكدت الحملة على ضرورة وقف قصف النظام لمناطق المعارضة، وإنجاز الانتقال السياسي في البلاد، وتوفير البيئة الآمنة، والبدء بإعادة الإعمار، كشروط أخرى للعودة الطوعية والكريمة للاجئين، إلى جانب الشرط الأساسي المتمثل برحيل الأسد.

وقال ياسين عبادي لاجئ سوري مقيم في اسطنبول: إنه “من المستحيل العودة إلى سوريا قبل رحيل الأسد، والذي بات معروفاً بكذبه وخداعه، والدلائل على ذلك كثيرة، وأبرزها ما فعله النظام في مناطق التسويات، حيث ادّعى أنه لن يدخل إلى تلك المناطق، وأن الشرطة الروسية ستتولى الإشراف عليها، لكنه سرعان ما خرق الاتفاق ونفّذ حملة اعتقالات واسعة، فضلاً عن اعتقاله لكثير من المهجّرين الذين عادوا إلى ديارهم”، وتابع حديثه موجهاً رسالة إلى الأسد: “قبل المطالبة بعودة من هربوا، أمِّنْ قوتَ من بقوا؛ في حضن الوطن”.

فراس العبسي لاجئ سوري في ألمانيا، كان له ذات الرأي، حيث ربط العودة للبلد برحيل الأسد أولاً، وتحسّن الوضع الاقتصادي والأمني في سوريا ثانياً”، مضيفاً “صديقي عاد قبل عامين إلى سوريا، ورغم كونه وحيد عائلته وغير ملزم بالخدمة العسكرية  إلا أن النظام قام باعتقاله من مطار دمشق، وإلى الآن لا يعرف أهله ما مصيره، فعن أي عودة تتحدثون؟!”.

في الوقت ذاته سادت مخاوف لدى السوريين في دول اللجوء من احتمال إعادتهم قسراً إلى بلدهم، وفي هذا الإطار، قال مدير المنظمة العربية الأوروبية لحقوق الانسان محمد كاظم هنداوي لفوكس حلب: “لا تستطيع الدول الأوروبية إعادة اللاجئين قسراً، لأنها ستصطدم بالقانون الدولي الإنساني، والذي ينص على عدم جواز إعادة اللاجئين في ظل وجود ظروف حرب في بلادهم، إضافةً إلى وجوب إزالة الخطر عن اللاجئ أولاً، سواءً لسببٍ سياسي أو بسبب تغيير ديانته أو موقفه، لكن الخطر لم يزل في سوريا نتيجة استمرار وجود الأسد”.

وأضاف هنداوي أن “بعض الدول لجأت لحلول أخرى للتخلص من اللاجئين لديها، كما فعلت كل من اليونان والدنمارك، عبر الضغط على اللاجئين ووضع العراقيل أمامهم لدفعهم للعودة إلى سوريا، عبر سياسة التضييق لأنها لا تستطيع ترحيلهم قسراً”.

بدوره قال عبدالله زيزان ” إن عودة اللاجئين تتطلب إزالة أسباب هجرتهم، وعلى قائمة المطالب زوال النظام الحاكم، إغلاق السجون، الإفراج عن المعتقلين، تشكيل حكومة مدنية لا علاقة لها بالأجهزة الأمنية، ثم بعد ذلك توفير أساسيات الحياة كالماء والكهرباء والخبز والحبوب، وتوفير السكن المناسب لمن تهدّم بيته وفقد سكنه، وهذا كله لا يمكن بوجود المسبّب الرئيسي لهجرتهم، وهو النظام الحالي وداعميه من روس وإيرانيين”.

خطة روسية فاشلة

وليست المرة الأولى التي تدعو فيها روسيا وحكومة النظام إلى عودة اللاجئين ، إذ أعلنت وزارة الدفاع الروسية في آب 2018 خطة لإعادتهم، تقوم على حشدٍ دولي عبر تقديم طلب إلى 45 دولة للحصول على بيانات وأرقام اللاجئين، كما أعلنت عن إنشاء 76 مركز إيواء في سوريا بهدف استقبال اللاجئين، ومن ثم نقلهم عبر البر والبحر.

لكن الخطة الروسية فشلت وقوبلت برفضٍ واسع من قبل دولٍ ومنظماتٍ حقوقيةٍ وإنسانية، على اعتبار أن الأسباب التي أدّت إلى هجرة ملايين السوريين ما زالت مستمرة، وأهمها عدم التوصل إلى حلٍ سياسي وبقاء بشار الأسد في الحكم، إضافةً إلى استمرار حالات الاعتقال التعسفي.

وعقب فشل روسيا في دعواتها لإعادة اللاجئين، عملت على التحضير لعقد مؤتمرٍ جديد، متجاوزةً خطوات التسوية السياسية للأزمة السورية، والتي تم وضعها بصيغةٍ واضحة ووفق ترتيبٍ محدد خلال مؤتمر “جنيف1″، وفي مقدمتها “تنفيذ بيان جنيف كأساس لانتقال سياسي”، و”تشكيل حكمٍ ذي مصداقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية”، و”صياغة دستور جديد”، تجري بموجبه انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة، ومن ثم إعادة اللاجئين.

إلا أن روسيا تجاهلت كل تلك الفقرات، وقفزت عنها أول مرة حين ركزت على “صياغة الدستور”، والآن تقفز مباشرةً نحو الفقرة الأخيرة وتصرّ على “إعادة اللاجئين”، دون تحقيق تقدم حتى في مسار “اللجنة الدستورية”، التي بادرت إلى تشكيلها عبر إطار “ثلاثي أستانة”.

وعلّق الصحفي محمد خورشيد على الخطة الروسية لإعادة اللاجئين قائلاً: إن “المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، هي الجهة الوحيدة التي تقرّر فيما إذا كانت عودة اللاجئين السوريين تعتبر طوعية وآمنة، أم إنها إعادة قسرية وخطيرة سيخضع مرتكبوها للمساءلة والمحاسبة القانونية إذا لحق بمن عادوا ضرراً أو تعرضوا للاعتقال، وذلك استناداً إلى اتفاقية اللاجئين 1951، وبما يتماشى مع إعلان حقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني”.

وأضاف خورشيد أن “حديث النظام عن أنه يسعى إلى إعادة الإعمار وفتح مشاريع تنموية وتحسين الوضع الاقتصادي، ليس مقياساً لإعادة اللاجئين، لأنهم بالأصل ليسوا مهاجرين اقتصاديين،  تكون عودتهم مرهونة بتحسّن الظروف الاقتصادية في بلادهم، بل هم لاجئون سياسيون خرجوا هرباً من القصف والاعتقال والوضع الأمني المتردي، ولن تتحقق عودتهم إلا برحيل هذا النظام  ومنظومته الأمنية بالكامل”.

تعتبر سوريا أكبر بلد مصدّر لللاجئين حول العالم، إذ بلغ عدد اللاجئين السوريين في العالم ستة ملايين لاجئ، في حين بلغ عدد النازحين داخلياً 6.1 مليون نازح، بحسب إحصائيات “منظمة الهجرة الدولية” الصادرة في تشرين الثاني 2019، بينما بلغ إجمالي عدد اللاجئين الذين عادوا إلى سوريا منذ 30 أيلول 2015 (أي بداية التدخل العسكري الروسي في سوريا) حتى الشهر الماضي، حوالي 847485 لاجئاً فقط، وفق ما ذكر “المركز الروسي لتنسيق عودة اللاجئين والنازحين”.