لوحة تعبيرية -إنترنيت
لوحة تعبيرية -إنترنيت

كان دخول ساعي البريد إلى قريتنا في تسعينات القرن الماضي غير مألوف. لم تكن الرسائل واحدة من طرق التواصل فيما بيننا. بعد أخذ ورد كان على أحدنا التوجه إلى “الناحية” لاستلام شيء ما في ظروف العزاء التي كنا نعيشها لفقدان أحد أقاربنا، وحين وصلنا وجدنا “برقية تعزية”. ابتسم ثلاثتنا وقتها ونسينا ما نحن فيه من واجب العزاء والاتزان.

يختبئ كثير منا خلف من يقودنا في واجبات اجتماعية كالحزن والفرح، نستمع إلى كلماتهم التي ورثوها هم أيضاً من “كبارهم”، يضيفون عليها ما علمتهم إياه الحياة، وبدورنا كان علينا أن نتعلمها كضرورة من التعاطف الاجتماعي وكذلك تجنباً للإحراج.

لا تترك وسائل التواصل الاجتماعي لنا، منذ دخولها بيوتنا كمقيم دائم، فرصة للتعلم والإحساس، يكفي أن تنتظر لدقائق وتنسخ حرفياً كلمة مواساة ممن سبقك في التعليق وتعيد لصقها في المكان الذي يدل عليك، أو أن تبحث عن دعاء معين أو كلمات منمقة تنساها بعد لصقها لتكون سباقاً.

في وسائل أخرى عليك أن تمتلك فيها زمام المبادرة ترسل صوراً حورت خصيصاً للمناسبات، بألوان وأحرف مختلفة، تارة على شكل فيديوهات أو صور وأحيانا كلمات، أما في حال الخصوصية فعليك أن ترسل مقطعاً صوتياً مرتبكاً تعيد سماعه مرات عديدة قبل أن تأخذ قراراً بعدم حذفه وإرساله أياً كانت أخطاؤك فيه، أو تعديلها بما يشعرك بالرضا.

نفتقد اليوم لكلمة “نحن”، لا تخص هذه الكلمة مفهوم العائلة الضيقة، بل تتسع لتشمل من مرّ بك خلال حياتك من أقارب وأصدقاء وحتى معارف طارئين، نجد فيهم كلما أسعفتنا الذاكرة وسيلة تساعدنا على الاستمرار.

تتحول هذه الـ “نحن” إلى مثار للغبطة، تخبرك والدتك أنها/ أنهم بخير، يوم أمس التقت بفلانة، اجتمعنا، أكلنا، نزلنا إلى السوق، في مقابل هذه “النا” المقصلة، تسألك عن أخبارك، عن طعامك، صحتك، تود إخبارها أنك جزء من “نحن هم” التي أخرجتك منها المسافة، لكنك تقف عاجزاً أمام كاف الخطاب.

نقتات على الحنين الموجود في التسجيلات الصوتية، مقامات “الله يرضى عليك” التي تشعرك بالقوة، وللصوت ميزة علينا أن نشكر عليها “الواتس آب”، في المقابل تحاول جاهداً أن تلحظ استمالة معينة لحرف النون في آخره كبديل عن النقطة علّه يلتقطك، دون جدوى. أحرف الرسائل باردة. بادرة جداً.

منذ أيام كانت أمي مريضة، سمعت صوتها مرة واحدة قبل أن أرسل لها “عليكي العافية”، ربما لو كنت في طريق هنا في الشوارع الباردة ووجدت امرأة مسنة مريضة لقبلت يدها أو احتضنتها، لا حول لي مع البعد سوى كلمتين “عليكي العافية” كأي غريب يمر من شارع مظلم يجهل بيوت ساكنيه.

حين تسمع بموت هناك، خاصة إن كان يخصك، تلجأ إلى غرفتك، تبكي وحيداً، تحاول زوجتك مراراً مواساتك، دون جدوى. ليس تقليلاً من شعورك بوجودها بجانبك. لكنك في هذه اللحظة بالذات تحتاج أحداً آخر تسعفك به الذاكرة لا المكان، ويفرض وجوده “الشراكة” لا الواجب، أما في اللفظ فيكون “نحن” بدلاً من الكاف في آخر كلمة “زوجتك”.

يقترب من خيمة العزاء من يعرفونكما، يبدو الحديث تقليدياً ولكن هناك من يربت على كتفك وآخر يضمك، قبل أن يخرج ما في قلبك حديث تكون فيه حاضراً بكل جسدك. تنتفض لترسل رسالة باردة تقول فيها “العمر الكن”، وترسل معها غبطة حتى في الموت، ذلك لما تحمله هذه النون من أمنيات.

لا تغيب نحن هنا في بلاد اللجوء تماماً، إلا أنها تتخذ شكل دوائر تجمعك بمن هم “في حكمك” “طالبو لجوء -لاجئون بحماية مؤقتة -لاجئون -مجنسون -سوريون وفي دوائر ضيقة حلبيون ودمشقيون..”، تلك الـ “نحن” لا تحمل نفس أمهاتنا في الشراكة الكاملة، هي تشبه تصنيفات الأعداد الفردية والزوجية على سبيل المثال، يستطيع الدخول فيها كل من يملك سمة واحدة، في المقابل “نحن” هناك تمتلك فيها صبغة من الذاكرة والتاريخ والمصير الواحد، وحتى الملامح المتقاربة، اللغة ومفهومها، ولمسة اليد أيضاً.

نعيش أيضاً هذه الـ “نحن” في غرف للواتس آب يضيفونك عليها، تحت مسميات كثيرة، من العائلة لرفاق الجامعة والحارة والدراسة، يقتلك في كل مرة تدخل إليها حين يوجه أحدهم رسالة لك مسبوقة بكلمة “تتذكر”، وكأنك أمضيت قرناً بعيداً عن “نحن هم”. يتجاهلون أنك تعيشهم في كل يوم أكثر مما يعيشون أنفسهم، تعرف أخبارهم وتلزم نفسك بمشاكلهم وحلولها، تحاول جاهداً إثبات انتمائك، تبتعد عن بث همومك في غرفهم وتكتفي بامتصاص ألمك وألمهم معاً.

نفشل هنا كل يوم في صناعة “نحن” الخاصة بنا، جميع المحاولات تنتهي بقسوة، وإن أمعنا النظر قليلاً في أسباب هذا الفشل نجد أنفسنا نحاكم هذه الـ “نحن” كما لو كنا ما نزال في أحيائنا وبين أهلينا وأصدقائنا مغلقين الباب أمام عائلات وصداقات جديدة تحتاج عمراً كاملاً جديداً لبنائها، في الوقت الذي لا نملك فيه رفاهية الوقت والزمن.