الصورة توضيحية -إنترنيت
الصورة توضيحية -إنترنيت

تمضي فاطمة الخليل نحو ساعة من وقتها يومياً لمساعدة ولدها المصاب بمرض الفقاع الجلدي على الاستحمام. وتقسم أوقاتها للعناية به وإطعامه ومعالجة بثوره.

لا يستطيع الشاب (ابن فاطمة) العناية بنفسه بعد أن استفحل الفقاع الجلدي بجسده، وتآكلت أطرافه، هو اليوم عاجز عن الحركة، تقول والدته إن النزوح زاد من مشكلاتها بعد أن باتت بعيدة عن أقاربها، “كانوا يقدمون لي المساعدة، أما اليوم فأقوم بالعناية به وحدي”، ترافق ذلك مع ارتفاع ثمن الأدوية والمعقمات والشاش الذي يحتاجه الشاب يومياً، وغياب المنظمات الراعية لمثل هؤلاء المرضى.

ولد فاطمة واحد من عشرات الأطفال والشبان المصابين بـ الفقاع الجلدي. تختلف درجات إصاباتهم لكنهم يشتركون بضرورة العناية المستمرة، وتأمين الجو الملائم لوجودهم بعيداً عن الخيام وتغيير نظرة المجتمع تجاه ممارسة حياتهم العامة كالزواج.

الفقاع الجلدي يستهلك مدخرات العائلة

يعرف الفقاع الجلدي بأنه “مرض نادر يسمى انحلال البشرة الفقاعي، وينجم بسبب مجموعة من الاضطرابات الوراثية التي تصيب نسيج البشرة، وتتسبب بظهور بثرات بالجلد والأغشية المخاطية”.

وتقول ربى العيسى (طالبة في السنة الخامسة من كلية الطب) إن الفقاع الجلدي يصيب بشكل أكبر الأعمار المتوسطة، وهو عبارة عن فقاعات رخوة محتواها مصلي تتمزق وتسبب إئتكالات، وتنتشر في مخاطية الفم والجذع وحول السرة والثنيات. لا يتسبب المرض بالحكة لكنه يتسبب بآلام للمريض ويصعب علاجه، ويؤدي للموت في حال تم إهمال المريض.

يتم علاج المرض عبر المطهرات الجلدية ومحاليل الغرغرة الفموية وستيروئيدات موضعية، أما العلاج الجهازي فيتم باستخدام ستيروئيدات جهازية بجرعات عالية مع مثبطات مناعة مثل أزاثيوبرين أو سيكلوفوسفاميد.

ويبلغ متوسط سعر المضادات الحيوية نحو خمسة عشر ليرة تركية، أما المراهم التي يحتاجها فيصل ثمنها لنحو ثمانية ليرات تركية (مثل فوسيدات)، ولتر المعقم التركي (بو فيدون) بخمسة وثلاثين ليرة، يزيد السعر أو ينقص بحسب جودته، وكميات كبيرة من الشاش يصل سعر العبوة الصغيرة لنحو نصف ليرة تركية (يحتاج المريض نحو عشر ليرات تركية يومياً وسطياً). يضاف إلى ذلك استهلاكه من المياه، إذ يحتاج لحمام يومي ولفترة طويلة تحت المياه خلال عملية التنظيف.

يقول أبو محمود (يعيش في مخيم السلام بريف إدلب ولديه ثلاثة أطفال مصابون بالفقاع الجلدي ) إن كلفة العناية بهم عالية خاصة مع النزوح وما خلفه من تركهم لمنازلهم وأرزاقهم. ويخبرنا أنه طرق جميع الأبواب لكن دون جدوى.

يبحث أبو محمود اليوم عمن يوصل صوته للمنظمات الطبية، فـ “كسرة النفس صعبة” يقول بصوت شبه مختنق.

الفقر والخيام يزيدان مشكلات مرضى الفقاع الجلدي

يحتاج مرضى الفقاع لشاش ومراهم جلدية بشكل يومي، ومن تلك المراهم فوسابيتازون وفوسيدات وغيرها من المعقمات التي يتوجب على الأهل شراؤها بشكل مستمر ودفع تكاليف يرونها كبيرة مقارنة بأوضاعهم المادية بعد النزوح.

يقول أبو علاء نازح من ريف إدلب الجنوبي: “عندما كنت في القرية لم أكن أشعر بثقل مرض أولادي، فقد كنت أكسب من زراعة أرضي ولا أحتاج للمساعدة، لكن ي اليوم لم أعد أملك سوى الغرفة التي أعيش بها مع عائلتي”.

يعمل أبو علاء في مكبس بلوك لكن عمله بالكاد يكفي لإطعام عائلته، ما دفعه لمناشدة عدة جهات ومنظمات على أمل العثور على جمعية تقدم الرعاية لأولاده، يقول “كرهت تكرار نفس الحديث عنهم وعن متطلباتهم، دون أن أجد مبتغاي، فتكاليف الدواء والتنقل بين الأطباء أرهقا كاهلي”.

في حين انعكست حياة الخيام بشكل سلبي على صحة المرضى لأنهم بحاجة لرعاية خاصة وجو معتدل، إذ لا تحميهم خيامهم من حر الصيف ولا ترد برد الشتاء، ناهيك عن حاجة مريض الفقاع الجلدي للتنظيف بشكل مستمر. وبعض المخيمات لا تنال حاجتها بشكل كاف من الماء، بحسب من التقيناهم.

تتجاهل أم عبدو صرخات ابنتها ريماس من الألم الناجم عن فقئ الفقاعات التي تغزو جسدها وتستمر بعملها في تنظيفها وتعقيم البثور، وتغطيتها بالمراهم والشاش الطبي.

تقول إنها اعتادت على هذا الأمر مع أولادها الأربعة، لكن تكاليف العلاج باتت مرهقة “أولادي وحدهم يصرفون مياه بحجم ما تصرف عائلة كبيرة، أسعى للحفاظ على نظافتهم بشكل مستمر حتى لا يلاقوا مصير أبناء عمهم الذين توفوا بعمر الخمس سنوات نتيجة الإهمال”.

زواج محفوف بالمشاكل أو عزوبية واكتئاب

تتفاوت نسبة الإصابة بالمرض من شخص لأخر، فبعض المصابين بحاجة لرعاية مستمرة في حين يستطيع آخرون رعاية أنفسهم ومتابعة حياتهم بشكل طبيعي.

تزوج بعض المصابين بمرض الفقاع الجلدي بعد العثور على فتاة تتقبل وضعهم الصحي، في حين بقي موضوع الإنجاب محط قلق بالنسبة لهم خوفاً من نقل المرض لأطفالهم بحسب من تحدثنا معهم.
في حين لم يتمكن أخرون من ذلك نتيجة رفض الآباء لفكرة زواج ابنته من رجل يحمل مرضاً وراثياً كما يرى بعضهم أن مرضه سيكون عقبة أمام أسرته.

تقول أم حكيم “والدة شاب مصاب” إن ابنها يدخل في أزمة نفسية كلما سمع خبراً عن زواج أحد رفاقه، فيرفض الخروج من المنزل ويلتزم غرفته بعيداً عن العائلة وعندما تحاول والدته التخفيف من آلامه يحملها مسؤولية مرضه ووجوده”.

تبحث أم حكيم عن زوجة لولدها بشكل مستمر لكن جميع من زارتهم رفضوا زواج بناتهم من ابنها، تقول وقد بانت ملامح اليأس على وجهها “لو لقيت عروس شو اللي بضمن أنها تقبل تعيش معه وما تطلب الطلاق بعد ما تشوف معاناته عن قرب”.

بينما حظي سمير بزوجة بعد رحلة طويلة من البحث عن فتاة تتعايش مع حالته المرضية، يقول إن ما ينغص حياته اليوم اتخاذ القرار حول “إنجاب الأطفال” واحتمال نقله المرض والمعاناة لهم وراثياً.

تتفاوت آراء من التقيناهم حول زواج مرضى الفقاع ليرى البعض أن من حقهم الزواج لكن شريطة الامتناع عن الإنجاب، في حين يرى آخرون أنهم يجب أن يعيشوا حياتهم بشكل طبيعي متجاهلين الآثار السلبية التي قد تصيب أولادهم فربما يعثر الطب على دواء لهم في المستقبل. وتورد الدراسات الطبية أن احتمالية إصابة الطفل بمرض الفقاع الجلدي إن كان أحد والديه مصاباً بالمرض هي ٥٠٪.

المادة السابقةالصم والبكم في إدلب.. دون علاج أو مراكز تأهيل
المادة التالية الدولارات التالفة تزيد من خسارة مستلمي الحوالات في إدلب
إعلامية وكاتبة سورية مستقلة وناشطة اجتماعية، مواليد ريف إدلب 1996، حاصلة على اجازة في الأدب الانجليزي.