الصورة من وسائل التواصل الاجتماعي
الصورة من وسائل التواصل الاجتماعي

شهدت مدينتا معضمية الشام وداريا بريف دمشق الغربي خلال الشهر الماضي آلاف حالات التسمم ، إضافةً إلى وفاة طفلٍ رضيع، ما أثار حالةً من الخوف والقلق لدى الأهالي، الذين رجّحوا أن سبب تلك الإصابات يعود إلى تلوث المياه الواصلة الى بيوتهم.

لم يصدر أي تصريح عن مسؤولي النظام حول تلك الإصابات، لكنهم عمدوا إلى قطع المياه وتأمين مصادر بديلة، وتشكيل لجنة تولّت إرسال عينات إلى مخابر العاصمة لمعرفة مصدر التلوث، على أن تقدم تقريرها بعد ثلاثة أيام، لكنها فشلت في كشف السبب حتى الآن رغم مضي حوالي أسبوعين على ظهور حالات التسمم .

وقال مصدر طبي من المعضمية لفوكس حلب، إن “نحو 5200 شخص من أهالي المدينة أصيبوا بحالات تسمم أغلبهم من الأطفال، بينما أصيب نحو 300 شخص من أهالي داريا بإصاباتٍ مشابهة. معظم المصابين عانوا من حالات إسهالٍ وإقياء وآلام في البطن وارتفاع في الحرارة وصداع في الرأس”.

ويعزو المصدر الطبي “السبب في الزيادة الكبيرة لأعداد الإصابات بالمعضمية مقارنةً بداريا، إلى تفاوت كبير في أعداد السكان بين المنطقتين، ويقدر عدد سكان داريا بنحو عشرة آلاف شخص، في ظل منع النظام للسكان من العودة إلى بعض الأحياء، لاسيما القريبة من مطار المزة ومقام السيدة سكينة، بينما يصل عدد سكان المعضمية إلى 150 ألف نسمة”.

مياه ملوثة بالصرف الصحي

يقول المصدر الطبي إن “ظهور حالات التسمم جاء بسبب اختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الشرب الواصلة الى المعضمية وداريا، نتيجة إهمال النظام صيانة أنابيب المياه، والتي تعرّضت للتصدّع والتلف جراء القصف العنيف الذي طال المنطقتين قبل سيطرة النظام عليهما”، مشيراً الى أن “النظام شعر بحصول تلوث في المياه، فسارع إلى زيادة كميات الكلور والمواد المعقمة كي لا ينتبه الأهالي إلى تغيّر لون ورائحة المياه التي تُضخ الى بيوتهم، لكن السكان انتبهوا إلى ذلك، ومع بدء ظهور حالات التسمم أدركوا أن السبب يعود لتلوث المياه، خاصةً بعدما لاحظوا أن المناطق التي لا تصلها المياه لم يعاني سكانها من أيّ مشاكل صحية”.

ويقول أكرم ديراني (أحد سكان داريا) إن “شبكات المياه في داريا تعرّضت لضررٍ كبير بسبب قصف النظام للمدينة بآلاف البراميل، لكن الأخير قام بصيانة بعض الشبكات، وأجبر السكان العائدين على التقدم بطلب للحصول على عدّاد كهرباء ومياه حتى لو كان لديهم مسبقاً، ومع ذلك فإن المياه لا تصل سوى ساعتين فقط يومياً، ويحتاج الشخص للكهرباء أو المولدة لتشغيل جهاز سحب المياه”، ويعتبر واقع المياه أفضل نسبياً في معضمية الشام كونها لم تتعرض لقصفٍ عنيف كما حصل بجارتها داريا، ويبلغ عدد المشتركين بشبكة المياه في المعضمية نحو ١٤ ألف مشترك، بحسب إحصائيات مؤسسة المياه بريف دمشق.

وذكر وزير الموارد المائية في حكومة النظام تمام رعد، أنه تفقد عمليات تنظيف جميع خزانات المياه في جميع المدارس، وطلب إلى مؤسسة المياه إعادة ملء هذه الخزانات بمياه جديدة بوساطة الصهاريج، حتى يدخل الطلاب إلى مدارسهم ويجدوا مياهاً نظيفة، مشيراً الى أنه أشرف على عمليات توزيع المياه المجانية على الأهالي خلال فترة انقطاعها، وقام بزيارة المركز الصحي في المعضمية للوقوف على حالة المواطنين هناك.

يفند الديراني كلام الوزير ويقول: “بعد أن انتشرت أخبار حالات التسمم ، قام النظام بقطع المياه القادمة من آبار الربوة والمدينة الجامعية، وتم إرسال صهاريج من مياه نبع الفيجة لداريا والمعضمية، لكن بعض أصحاب الصهاريج تعمّدوا تقاضي مبالغ من الأهالي مقابل تزويدهم بالمياه، رغم أنها مجانية ومقدمة من البلدية، وبعد أربعة أيام من قطع المياه عادت مجدداً، بعدما أدّعت المحافظة أنه تم تدارك الأمر، لكن معظم السكان لم يثقوا بذلك مكتفين باستخدامها في الغسيل فقط، بينما لجؤوا إلى شراء مياه الشرب، حيث تراوح سعر الصهريج الواحد ما بين 3-5 آلاف ليرة”.

سوء الواقع الطبي يُفاقم المشكلة

مع ظهور أعراض التسمم على كثير من الأهالي، سارعوا للتوجه إلى العيادات والمستوصفات لتلقي العلاج والدواء، لكن تزايد أعداد المصابين فاق قدرتها على الاستيعاب في ظل قلة الكوادر الطبية فيها، ما دفعهم للتوجه الى مشافي العاصمة.

وكان من بين المصابين ثلاثة توائم بعمر الخمسة أشهر من أهالي معضمية الشام، تعرضوا للتسمم جراء قيام والدتهم بغسل عبوة الرضاعة بالمياه الملوثة، ليتم نقلهم إلى مشفى الرازي بدمشق، إلا أن أحد الأطفال فارق الحياة نتيجة معاناته من إنتان معوي حاد وجفاف شديد، بينما استقرت حالة التوأمين الآخرين.

وبحسب وزارة الصحة في حكومة النظام، فإن فريق رقابة صحية أرسل إلى المعضمية، للكشف عن سلامة المياه بالتعاون مع وحدة المياه فيها، بعد الإبلاغ عن حالات إسهال بالمدينة، وأن “مديرية صحة ريف دمشق” قامت بتأمين كادر طبي وتمريضي في مركز المعضمية الصحي على مدار الساعة لاستقبال الحالات الإسعافية، إضافةً إلى تخصيص عيادة متنقلة وسيارتي إسعاف لنقل المرضى الذين تتطلب حالتهم الإقامة في المشفى.

وقال ناشط إعلامي من المعضمية فضّل عدم ذكر اسمه لأسبابٍ أمنية: “تضم معضمية الشام مشفى ومستوصف وعدة عيادات، بينما يوجد في داريا مستوصف وحيد، وكل تلك النقاط الطبية تضم كوادر بسيطة وتقدم إسعافات أولية وتفتقر إلى التخصصات، لذلك فإنها لم تكن قادرة  على استيعاب المصابين بحالات التسمم ، ليتم تحويلهم إلى مشافي العاصمة ما جعلهم يتكبدون مصاريف كبيرة، وما زاد الطين بلّة أن المراكز الصحية في المنطقتين تتعرضان لضغطٍ كبير بسبب الانتشار الكثيف لإصابات كورونا خاصةً في المعضمية”.

سلاح انتقامي بيد النظام

استخدم النظام المياه كسلاح حرب، إذ تم في مرات كثيرة، وخلال السنوات الماضية، قطع المياه عن الأحياء التي تمت محاصرتها مثل الغوطة الشرقية ومخيم اليرموك والمناطق الجنوبية. وبعد سيطرة قوات النظام على تلك المناطق لم تعد المياه تصل إليها، بسبب الدمار الشديد في البنية التحتية، بالتزامن مع تعمّد الأسد عدم إصلاح الكثير من شبكات المياه كنوعٍ من الانتقام من الأهالي.

وتعاني العديد من مناطق ريف دمشق من مشاكل في مياه الشرب، تشمل نقص الكميات التي يحصلون عليها، فضلاً عن التلوث الناجم عن اختلاط مياه الصرف الصحي بمياه شبكات الشرب، ففي مطلع العام الحالي أصيب العشرات من سكان وادي بردى في ريف دمشق بحالات تسممٍ ناجمة عن المياه الملوثة، ونُقل نحو 80 شخصاً منهم لتلقي العلاج في المشافي.

كذلك أفاد ناشطون قبل أيام أن بلدة الحسينية بريف دمشق تعاني من انتشار بحيرات من المياه الآسنة بالقرب من منازلهم وسوء شبكات الصرف الصحي، التي أصبحت مصدراً لتوث المياه والبيئة في المنطقة، حيث أصيب عدد من الأطفال هناك بأعراض مشابهة لـ حالات التسمم وتم نقلهم للمراكز الصحية.

وسيطر النظام على داريا في 26 آب 2016، عقب حصارٍ وقصفٍ عنيف انتهى بتوقيع اتفاقٍ يقضي بإفراغ كامل المدينة من سكانها، وعقب شهرين فرض النظام اتفاقاً على أهالي المعضمية، تضمن خروج نحو 3 آلاف شخص من مقاتلي المعارضة مع عائلاتهم الى الشمال المحرر، بينما اضطر من بقي في المدينة على توقيع اتفاق تسوية.