مكتب تجارة السيارات -إنترنيت
مكتب تجارة السيارات -إنترنيت

فشل خالد (يسكن في إدلب) في اقتناء سيارة من صفحات الفيس بوك المختصة بهذه التجارة، ما دفعه للتوجه إلى المكاتب للحصول على ما يريده. يقول إن كل السيارات التي ذهب لمشاهدتها كانت مخالفة للمواصفات التي عرضت بها، ما حمّله تكاليف السفر من منطقة لأخرى وأجور الخبراء الذين يصطحبهم معه، “دفعت أكتر من مئة دولار وعطلت أشغالي كذة مرة وما قدرت لاقي سيارة”.

يتفحص خالد سيارة مركونة في أحد معارض سرمدا شمال إدلب، ينقر على صاجها نقرات متلاحقة محاولاً بخبرته البسيطة معرفة جودة معدنها، يستمع لهدير محركها ويرقب كمية الأدخنة المتصاعدة منه ليتأكد من صحة التي ذكرها التاجر.

تجارة السيارات عبر الانترنت

تنتشر عشرات الصفحات المختصة بتجارة الأدوات المستعملة والسيارات على موقع فيس بوك مثل “سوق سرمدا التجاري” و”سوق إدلب الكبير للبيع والشراء” وغيرها من الصفحات التي تشهد تفاعلاً ومتابعة من قبل الراغبين بشراء بضائعهم من صاحبها بشكل مباشر، أو عبر وسيط يقبل بعمولة أقل ما شجع الراغبين بالبيع لعرضها في هذا المكان، عبر نشر صور سيارته مع مواصفاتها على إحدى الصفحات ليتواصل معه الزبائن ويتفقون على سعرها ومكان اللقاء الذي ستتم به المعاينة للتأكد من مطابقتها للمواصفات التي عرضت بها.

يوسف المحمد متابع لهذه الصفحات وقام بعرض سيارته للبيع ضمنها، يقول إن العرض بهذه الطريقة يمنحك وصولاً أسرع وأكبر فهي وسيلة تسويقية جيدة وتمكن البائع من عرض بضاعته في مختلف المناطق بنفس اللحظة، كما توفر على صاحب السيارة آجار “الكمسيون” الذي سيتقاضاه صاحب مكتب السيارات في حال تم البيع عن طريقه.

في حين يرى آخرون أن صفحات الفيس بوك ليست مكاناً مناسباً لشراء سيارة مستعملة، بسبب جهل الزبون بمصدر السيارة وخوفه من أن تكون إحدى السيارات المسروقة، ناهيك عن مخالفة كثير منها للمواصفات المعروضة بها، ما يكلف الزبون أجور التنقلات والخبراء دون الوصول إلى غايته، بحسب خالد، فقد تابع  هذه الصفحات لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر ولم يجد سيارة تتناسب مع متطلباته، رغم توفر عشرات الأصناف.

يقول إن غالب من يعرضون سياراتهم للبيع يركزون على الوصف الظاهر للسيارة، وحين تتوجه لمشاهدتها تختلف السيارة عن الوصف المذكور، ما خلق خلافات كثيرة بين البائع والمشتري.

يجلس أبو جميل في أحد مقاهي إدلب ويبتسم وهو يسترق السمع لحديث صديقه تاجر السيارات الجالس على الطاولة القريبة، أثناء إرساله مقاطع صوت لزبون يغريه بشراء سيارته، ويمتدح بصفاتها وجودة محركها، يقول أبو جميل : أنا أعلم إنه يبالغ بوصفه وأشاهد معاناته اليومية مع السيارة، لكن الزبون على الطرف الآخر من الهاتف لا يشك بذلك أبداً فنبرة صوت التاجر وحديثه عن سيارته بثقة مطلقة كفيلان بإقناعه بصدق الرواية.

مكاتب بالعشرات وغياب للرخص

تتراوح أسعار السيارات في إدلب بين ألف إلى خمسة آلاف دولار بحسب نوعها، وهو ما يراه أصحابها سعراً مناسباً مقارنة بسعر نفس النوع في مناطق النظام، ما شجع على افتتاح عشرات معارض ومكاتب السيارات.

مارس محمد زهير تجارة السيارات عبر الانترنت لمدة تجاوزت العام ليفتتح مؤخراً مكتبه الخاص إذ وجد بها عملاً رابحاً نتيجة رواجها ولأنها تحفظ القيمة الأساسية لرأس المال حيث يكون التعامل بالدولار بشكل كامل.

يشتري محمد السيارة من الزبون ويعرضها للبيع بعد إجراء بعض التحسينات عليها وإضافة المربح المناسب على سعرها، في حين يلعب في الغالب دور الوسيط بين البائع والمشتري وتختلف العمولة التي يتقاضاها على هذه العملية بحسب نوع السيارة وسعرها، وتتراوح وسطياً ما بين خمسة وعشرين إلى خمسين دولاراً. لا تحتاج مكاتب السيارات لترخيص ويستطيع أي تاجر مزاولة المهنة معتمداً على خبرته.

اختلف عمل مكاتب السيارات قبل الثورة عن عملها اليوم يقول محمد الشيخ “صاحب مكتب” إن عملهم سابقاً كان يشمل التأكد من رسوم السيارة وخلوها أوراقها من المخالفات المرورية ومتابعة فراغ السيارة على اسم مالكها الجديد في مديرية المواصلات، بينما يقتصر عملهم اليوم على الوساطة بين الزبون والبائع أو على بيع ما يملكون في معرضهم ضمن عقود يتم تنظيمها ضمن المعرض، دون الحاجة لزيارة أي دائرة حكومية مع ضمان يقدمه المعرض ببراءة ذمة السيارة من الحوادث أو السرقة.

يرفض محمد العمل بـ تجارة السيارات عبر الانترنت، ويقول إن التجارة الحقيقية تكون على الأرض، بحيث تكون السيارة معروضة أمام الجميع، ومصدرها مضمون وصاحبها معروف ويمكن للزبون أن يتفحصها بالشكل الذي يريد يقول : “حين نتفق على السعر نوقع معه عقد يضمن حقه بأن السيارة ملكه وبيعت بشكل رسمي وتاريخها نظيف بعيداً عن السرقة، ويتمكن من خلال العقد تسجيل سيارته في دائرة المواصلات على أسمه واستخراج لوحات تخصها في حال لم تكن مسجلة”.

أثرت تجارة السيارات عبر الانترنت على عمل المكاتب، فقد باتت الأسعار مكشوفة للجميع وبإمكان أي زبون أن يعرف أسعار السيارات بجولة بسيطة على صفحات الفيس بوك، ما قلل من هامش الربح لدى تلك المكاتب، وأدخلت أصحابها في سجالات طويلة مع الزبون لإثبات أن هذه السيارة تستحق السعر الذي يطلبه المكتب وتختلف عن السيارة المعروضة على الانترنت بسعر أقل من ناحية نظافة المعدن والمحرك بحسب الشيخ.

في حين يرى من تحدثنا معهم من العاملين بتجارة السيارات عبر الانترنت أنهم يعملون بها مؤقتاً لعجزهم المادي عن افتتاح معارض خاصة، وأنهم يحرصون على معرفة تاريخ السيارات التي يتاجرون بها، أما من ناحية البيع والشراء “فالتجارة شطارة” وبإمكان الزبون تفحص سيارته على أرض الواقع قبل دفع ثمنها.

الغش في بيع السيارات

“متور السيارة نضيف ع المحرمة” من أكثر العبارات التي يرددها تجار السيارات، للدلالة على نظافة محرك السيارة وخلوه من تبخير الزيت، وهي علامة تدل على قرب انتهاء عمر المحرك.

يقول أبو محمد “خبير سيارات” إن الغش موجود دائما ولا يقتصر على سوق دون آخر وله أساليب كثيرة يجهلها الزبون إذ يعمد بعض التجار للغش في هذا المجال وقد تنطلي الحيلة حتى على الخبير الذي يصطحبه الزبون لفحص السيارة، حيث يعمد بعضهم لإضافة زيت “وينز” للمحرك ولهذا الزيت خصائص تخفف من احتراق الزيت الأصلي وبالتالي إن قام الخبير بفتح غطاء الزيت فلن يلحظ أي تصاعد للبخار منها ما يعني أن المحرك جيد، لكن واقع الحال سيكون خلاف ذلك وستبدأ العلامات الأخرى بالظهور بعد قطع مسافات محددة.

تمكن خالد من شراء السيارة التي يريد بعد فحصها في المكتب، لكنه على يقين بأن هذه العملية لا تعني خلو السيارة من العيوب فكثير من السيارات قد لا تظهر عليها مشاكل في اللحظات الأولى، وتحتاج للتأكد من سلامتها لتجريبها لمسافات طويلة وسرعات محددة بحسب ما أخبره الميكانيكي “بالنهاية الموضوع توفيق من رب العالمين”.