انخفضت صادرات ورش الموزاييك (الفسيفساء) التي يملكها نمر النهار من مئة متر مربع شهرياً إلى مترين اثنين خلال الأشهر الأخيرة، ما يعكس تراجع عمل تلك الورش بنسبة تصل إلى 90% مقارنة بالسنوات السابقة، إذ شكل النزوح وإغلاق الحدود عائقاً أمام العاملين بها ما دفعه لإغلاقها واتخاذ قرار الرحيل إلى تركيا.

يعتبر فن الفسيفساء أحد الفنون الشرقية التي اشتهرت بها مدينة كفرنبل، وشكلت مصدر دخل لمئات العاملين بها، يعتمد هذا الفن على تشكيل لوحات برسومات هندسية أو نباتية أو تشخيصية من حجارة الرخام المتراكبة، حيث يتم اختيار الشكل/الصورة المطلوبة للوحة ويعمل الفنان على رصف حصيات الرخام الملونة على الشكل المطلوب لتظهر بصورتها النهائية بعد لصقها وتلميعها، حيث يتم إنتاجها بأبعاد مختلفة تتراوح بين 10 سم إلى ثلاثين متراً، بحسب رغبة الزبون، ليتم تصديرها لاحقاً إلى إحدى دول الجوار.

معرض للوحات الفسيفساء المصنعة في ورش الموزاييك السورية
معرض للوحات الفسيفساء المصنعة في ورش الموزاييك السورية

يتم الحصول على تلك الحصى من مناشر الحجر التي تقص الكتل الحجرية إلى حصى مربعة لا يتجاوز ضلع الواحدة منها سنتميتراً واحداً.

تراجع صناعة الموزاييك في إدلب

اصطدمت تلك المهنة مؤخراً بجملة من الصعوبات أدت لتوقف غالبية ورش الموزاييك في إدلب الأمر الذي انعكس سلباً على مئات العاملين فيها.

يقول نمر النهار إن تلك المشاكل “بدأت مع حملة النزوح التي أدت لتشتت العمال في قرى وبلدات إدلب ما دفعني لافتتاح عدة ورشات في مناطق مختلفة، إلا أن الأمر ازداد صعوبة مع بداية جائحة كورونا، حيث تم إغلاق الحدود ما أدى لشلل حركة التصدير والتي تعتبر عماد هذه المهنة، إذ تعتبر تركيا

بوابة لانتقال اللوحات إلى المعارض العالمية ودول الجوار مثل لبنان والأردن”.

واجه أصحاب الورشات صعوبة في تأمين المواد الأولية وارتفاع سعرها، وخاصة الحصى لعدم وجود مناشر مختصة بهذا النوع من الحجر شمال إدلب، حيث يتطلب قصها لمهارة عالية وأدوات خاصة.

يقول النهار ” كنا سابقاً نؤمن الحجارة من أحد مناشر الحجر في بلدة خان السبل بسعر 1.25 دولاراً للكيلوغرام الواحد، وبعد احتلالها من قبل قوات الأسد اضطررنا لشحنها من منطقة عفرين وبأجور مرتفعة ليصل سعر الكيلوغرام الواحد  إلى 3.5 دولاراً، كما طال ارتفاع الأسعار المواد اللاصقة والأرضية المستعملة في اللوحات إذ ارتفع سعرها بنسبة 150% مقارنة بالعام الماضي”.

ورشة موزاييك في إدلب
ورشة موزاييك في إدلب

يتوزع في مناطق المعارضة قرابة خمس عشرة ورشة موزاييك، تضم كل واحدة منها نحو (١٣-١٨) عاملاً، إضافة لورش صغيرة موزعة في المنازل.

وتتراوح أجور العامل بين (٧٥ -٢٥٠ دولاراً) شهرياً وذلك تبعاً لنوع اللوحة ومدى الحرفية التي يتمتع بها كل عامل، كما تعمل بعض الأسر ضمن منازلها بعد الاتفاق مع صاحب الورشة ويتقاضون نحو مئة دولار لكل متر مربع.

أثر تراجع المهنة على العمال

تراجعت صناعة لوحات “الموزاييك” في الشمال السوري، ويعاني صناعها من البطالة التي تتسع في كل يوم، تقول أم عمر (أرملة من سكان ريف حماة) “كنت سابقا أغطى أجور السكن ومصروفي اليومي مع أبنائي الثلاثة من خلال العمل بلوحات الفسيفساء، حيث يقوم صاحب الورشة بتقديم الأدوات اللازمة ونتفق على موعد محدد لتسليم العمل، إلا أن عملنا توقف مؤخراً نتيجة تراجع العمل لدى صاحب الورشة”.

كذلك الأمر بالنسبة لـ “عمار” الذي أرهقته الديون المتلاحقة بعد توقف الورشة التي يعمل بها، يقول إنه كان يعمل في مجال اللوحات الشخصية والتي تتطلب مستويات عالية من الحرفة والدقة لكنه اليوم

بلا عمل.

لوحة فسيفسائية من صناعة ورش الموزاييك في إدلب
لوحة فسيفسائية من صناعة ورش الموزاييك في إدلب

اضطر أغلب أصحاب ورش الموزاييك لإغلاقها أو نقل أعمالهم إلى تركيا لتخطي العقبات المتمثلة بفقدان المواد ومشاكل الشحن والتهريب، يقول محمد البيوش (صاحب ورشة موزاييك) “بعد توقف عملنا بشكل كامل قمت بالتنسيق مع عدد من الأشخاص المتواجدين في تركيا والذين يمتلكون الخبرة في العمل ونقل ورشتي إلى تركيا”.

ويتابع “اختصرنا الكثير من المشاكل بعد انتقالنا إلى تركيا، وفي مقدمتها مشكلة شحن اللوحات عدا عن توفر المواد بكثرة ووجود سوق تصريف واسع ومعارض كثيرة نقوم بمشاركة أعمالنا خلالها”.

ويرى من تحدثنا معهم من العاملين بالمهنة أن على الجهات المسؤولة عن المعابر تقديم تسهيلات لتصدير هذه المنتجات، كونها تشكل فرصة عمل وعائداً مادياً جيداً لمئات الأسر في إدلب.