صورة للدمار في محيط قلعة حلب - تصوير جلال مامو
صورة للدمار في محيط قلعة حلب - تصوير جلال مامو

مرت أربعة أعوام على سيطرة قوات الأسد على مدينة حلب، بعد حملة عسكرية وقصف مركز على أحياء حلب القديمة أحال أسواقها المصنفة كجزء من التراث العالمي منذ 1986 إلى أكوام من الركام.
عمد إعلام النظام خلال تلك السنوات للترويج عن عودة الحياة الطبيعية للمدينة وقطعه لمسافات واسعة في برامج إعادة الإعمار، لكن الحال كان خلاف ذلك.

أجرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو)، دراسة لتقدير نسبة الدمار الذي أصاب أسواق حلب القديمة ، مستعينةً بصور الأقمار الصناعية التي التقطتها في كانون الثاني عام 2017، إذ قدّرت نسبة الدمار الحاصل على مواقع الأسواق القديمة البالغ عددها 157 موقعاً بحوالي 60%، بينما تعرض نحو 30% من تلك المواقع للتدمير الكامل، مشيرةً إلى عدم وجود أي موقع ضمن الأحياء القديمة تمكن من النجاة تماماً من الضرر والدمار.

وأكّدت “اليونيسكو” ضرورة إعلان حلب القديمة “منطقة كوارث”، حيث رصدت المنظمة الأممية أضراراً بالغة في المسجد الأموي الكبير وقلعة حلب وعدة مبان تاريخية، وقدّرت المبلغ المقدّر لإعادة إعمار حلب القديمة بقيمة 52 مليار دولار أمريكي، من إجمالي المبلغ المقدّر من الأمم المتحدة لإعادة إعمار سوريا والذي يقارب 400 مليار.

الترميم يطال المباني الأثرية فقط

سعى النظام للترويج عبر إعلامه إلى أنه يعمل على إعادة إعمار حلب القديمة، حيث أعلن قبل أيام انتهاء المرحلة الأولى من أعمال ترميم وتأهيل سوق خان الحرير، أحد أشهر وأقدم الأسواق التاريخية في حلب، واستغرقت عمليات الترميم أكثر من عشرة أشهر، زاعماً أنه يعد ثاني مشروع لإعادة إحياء الأسواق القديمة، بعد ترميم “سوق السقطية”، وأن الحياة عادت لتدب في عروق خان الحرير.

عملية ترميم سوق الحرير في حلب القديمة -إنترنيت
عملية ترميم سوق الحرير في حلب القديمة -إنترنيت

وقال الباحث في الشأن الاقتصادي يونس الكريم لفوكس حلب: إن عمليات الإعمار التي تمت في بعض الأسواق الأثرية، كانت عبر منحة مقدمة من مؤسسة آغا خان، في حين قامت بعض المؤسسات الخاصة والتي تعنى بحفظ وحماية التراث ببعض عمليات الترميم الأخرى، ولم يقدم النظام أي دعم مادي لإعمار حلب في ظل انهيار قدرته الاقتصادية، وعجزه عن تأمين الخبز والمحروقات التي تعتبر أدنى المستلزمات الأساسية للمواطن.
استغل الأسد عمليات الترميم التي تتم بدعم من التجار، ليُظهر للرأي العام أن الحياة تعود لطبيعتها، وبنفس الوقت لتشجيع حلفاء جدد على الدخول في استثمارات اقتصادية داخل حلب، تؤمن له القطع الأجنبي.

وذكر الكريم أن حلب تشهد تنافساً كبيراً، بسبب أهميتها كونها مدينة صناعية وتجارية ذات تاريخ عريق وتطل على طريقيّ M 4 و M 5، وبسبب قربها من الحدود السورية التركية، إذ تعتبر عاصمة الشمال السوري، إضافة لوفرة رؤوس الأموال لدى تجارها.
وقال إن “عمليات الترميم التي تمت شكلية وغرضها إعلامي فقط، فهي لن تسهم في إعادة فتح الأسواق في ظل غياب السيولة المادية وغياب الأمان، وهذا لن يُشجّع التجار والباعة على إعادة فتح محلاتهم مجدداً”.

ويرى الكريم أن الأسد يتأخر في ملف إعادة إعمار حلب، كون مستقبل المدينة ما يزال غامضاً، وقد تقع تحت السيطرة التركية أو لصالح أي طرفٍ آخر لاحقاً بموجب تفاهماتٍ دولية، لهذا لا توجد دراسات دقيقة حول تأهيل حلب، بسبب عدم معرفة الجهة التي ستتولى ملف الإعمار فيها، كما أن المستثمرين من الدول الأخرى متخوفون من المستقبل السياسي للأسد، وهذا يجعلهم مترددون في الدخول بإعادة الإعمار، حتى تتضح الرؤية أكثر بخصوص مستقبل سوريا، ومن ضمنهم الصين التي كانت تخطط للدخول في استثمارات ضمن حلب لكنها فضّلت التريث”.

كانت قوات الأسد قد أعلنت عن ترميم قلعة حلب الأثرية والجامع الأموي ودوار السبع بحرات ومحيط ساعة باب الفرج، وقال الناشط الإعلامي محمد ورد: إن “روسيا خلال حملتها العسكرية على حلب قصفت المدينة القديمة بشكلٍ مكثف أدى لطمس هويتها الثقافية وتعرضت الأحياء التاريخية لدمارٍ كبير”.

الدمار الذي طال الجامع الأموي بحلب القديمة -إنترنيت
الدمار الذي طال الجامع الأموي بحلب القديمة -إنترنيت

وقال ورد إن “عمليات الترميم التي أعلن عنها النظام في حلب القديمة منذ 2018، طالت الأماكن الأثرية والمزارات فقط، أما منازل المدنيين المتضررة فلم تتكفل الدولة بها ولجأ أصحابها لترميمها على نفقتهم الخاصة، بينما تكفّلت منظمات دولية بينها إماراتية وقطرية وكويتية تحت إشراف اليونيسكو، بترميم المنازل الأثرية المدمرة لبعض الأهالي، حيث يقوم صاحب البيت بتقديم طلب لترميم منزله، وترسل المنظمة لجنة من طرفها لتقييم الأضرار وإجراء عمليات الترميم اللازمة”.

رشاوى وسلب أملاك الأهالي

تعرضت مدينة حلب لقصفٍ عنيف تسبّب في دمار الكثير من المباني، بينما تعتبر العديد من المنازل التي عاد لها أصحابها آيلة للسقوط بأي لحظة، نتيجة تصدّعها إثر “الصواريخ الارتجاجية” التي استخدمها الطيران بكثافة في قصف أحياء حلب، وانهارت عدة أبنية في الأحياء الشرقية نتيجة تصدّعها، وأبرزها انهيار مبنى من خمسة طوابق بحي الصالحين في حزيران 2019، ما تسبّب بمقتل عدة مدنيين واصابة آخرين.

قامت حكومة الأسد بتشكيل لجان تتولى مهمة تقييم وضع البيوت، حيث يقوم مجموعة من المهندسين ومساعديهم بزيارة كل بناء، والاطلاع على وضعه بشكلٍ سريع وعشوائي، ثم يقرروا إذا كان البناء بحاجة لإخلاء سكانه كي يتم هدمه، أو أنه بحاجة لترميم جزئي، لهذا تم إخراج الكثير من العائلات من بيوتها، ووُضع بعضهم في مساكن عشوائية غير مخدّمة، في حين لم يحصل آخرون على السكن، بحجة امتلاء كل المساكن البديلة.

وقال أحمد الخالدي (اسم مستعار لأحد قاطني حي باب الحديد) “تعرّض منزلي لدمارٍ جزئي إضافةً إلى وجود تصدّعات ضمن البناء، وحين قدمت لجنة التقييم قررت أن البناء بحاجة إلى الهدم، رغم أن التشققات كانت بسيطة، وطلبت منا إخلاء البناء خلال شهر، لهذا قررت مع باقي الجيران دفع مبلغ 500 ألف ليرة سورية للجنة بمعدل 100 ألف من كل عائلة، مقابل أن تدوّن ضمن ملف التقييم أن البناء ما يزال صالحاً للسكن”.

كذلك عمد النظام لاستغلال القانون رقم 10 لسلب أملاك سكان حلب المهجّرين، عبر إحداث شركة “حلب القابضة”، والتي تستغل غياب الأهالي وعدم قدرتهم على القدوم لإثبات ملكيتهم للعقار لتقوم بالاستيلاء على المنازل، وأضاف الخالدي أن “ايران تسعى للتمدد في حلب عبر شراء المنازل من المدنيين، حيث عرض بعض السماسرة المرتبطين بإيران على عدد من أقاربه المقيمين في الأحياء القديمة شراء منازلهم، عبر إغرائهم بالمال تارةً، أو بالتهديد والترهيب والخداع تارةً أخرى”.

دمار وخدمات ضئيلة

رغم مرور أربعة أعوام على سيطرة الأسد على حلب الشرقية، إلا أن أحياءها ما تزال تعاني من الدمار وسوء الواقع الخدمي، فحين تسير في حلب القديمة لا سيما من منطقة باب الحديد وأحياء الشعار وقاضي عسكر نحو محيط قلعة حلب، تلاحَظ أن الدمار منتشر في كل مكان، فالنظام قام فقط بتجميع الركام على جانبي الطريق، وردم الحفر في الشوارع لفتح الطريق أمام سير المدنيين والسيارات، أو إزالة الركام من الشوارع الرئيسية وإهمال الطرق الفرعية، كما أنه انشغل بترميم بعض الدوّارات مثل دوار السبع بحرات قرب القلعة وتعمّد تهميش بيوت المدنيين المدمّرة.

وقال الناشط الاعلامي محمد ورد: إن “النظام يُصوّر حلب القديمة وكأنها باتت جنة، بعدما زعم أنه قام بتأهيلها وأعاد الخدمات لها والسكان عادوا لمزاولة مهنهم العريقة. في الواقع الدمار في كل مكان، ومعظم المحلات مغلقة، والخدمات ما زالت ضئيلة فيها، حيث عادت الكهرباء إلى بعض الأحياء منها باب الحديد وباب قنسرين، بينما تعتمد باقي الأحياء على مولدات الأمبيرات التي يتحكم بساعات تشغيلها وأسعارها بعض الشبيحة، كما أن المياه لم تصل إلى الكثير من الأحياء بسبب التضرر الكبير في شبكات المياه نتيحة القصف العنيف الذي طال المدينة، إضافةً إلى إهمال النظافة وسوء شبكات الصرف الصحي”، مشيراً الى أن “انتشار الفلتان الأمني أكثر ما يعكر صفو الأهالي، إضافةً إلى تعمّد مجلس محافظة حلب التابعة للنظام، التركيز على تقديم الخدمات للأحياء الغربية، و إهمال تخديم الأحياء الشرقية كنوع من العقاب للأهالي الذين ثاروا ضد حكم الأسد”.

يذكر أن مدينة حلب تضم العديد من الأحياء التاريخية العريقة، أبرزها باب انطاكية، باب الحديد، باب قنسرين، جب القبة، الجلوم، قرلق، قصر الحرمين، بانقوسا، حي الأبراج، وحارة الأكراد، وسيطرت قوات النظام في السابع من كانون الأول 2016 على

كامل أحياء حلب القديمة الواقعة ضمن القسم الأوسط من حلب الشرقية، والتي سيطر الأسد عليها بالكامل بعد أيام بدعمٍ عسكري

روسي إيراني، تسبّب في مقتل وجرح الآلاف من المدنيين، ودمار معظم أحياء المدينة، وتهجير أغلب سكانها نحو الريف الغربي ومحافظة إدلب بموجب اتفاقٍ دولي.

وكان “نائب محافظ حلب” حميد كينو، أعلن مطلع آب 2018، عن برنامجٍ حكومي لإعادة إعمار المناطق الشرقية بما فيها حلب

القديمة ، زاعماً أن إعادة تأهيل المدينة سيتم على ثلاث مراحل: أولها إعادة تأهيل البنية التحتية، والثانية تقديم المساعدة اللازمة وتحديد احتياجات كل أسرة، والثالثة إعادة السكان إلى منازلهم والتأكيد لهم أن هذه المناطق باتت آمنة لكن ذلك لم يتم بحسب من تحدثنا معهم.