مدرسة شهداء المغارة في جبل الزاوية بعد تدميرها
مدرسة شهداء المغارة في جبل الزاوية بعد تدميرها

يمر عشرات الطلبة من تلاميذ المرحلة الابتدائية في قرية المغارة بريف إدلب الجنوبي يومياً أمام مدرستهم التي تدمرت بالكامل، ليكملوا طريقهم إلى مبنى “البلدية” الذي تحول إلى مقاعد دراسية كحل إسعافي للمرحلة الابتدائية. في الوقت الذي يقطع فيه طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية نحو كيلو مترين للوصل إلى مدرسة “مرعيان” في القرية المجاورة.

أطفال ومراهقين بأعمار صغيرة يقضون نحو ساعة للوصول إلى صفوفهم لإكمال تحصيلهم الدراسي وسط ظروف مناخية ودراسية “قاسية”، مع توقف الدعم عن المدارس ونقص في الكوادر التعليمية.

انفوغراف عن واقع المدارس التعليمي في جبل الزاوية بريف إدلب
انفوغراف عن واقع المدارس التعليمي في جبل الزاوية بريف إدلب

 

يقول محمد عتيق مدير المجمع التربوي في مدينة “أريحا” إن عدد المدارس في جبل الزاوية ٨٣ مدرسة، منها ١٦ مدرسة دمرت بالكامل و٦ مدارس بشكل جزئي، إضافة لـ ٥٥ مدرسة بدأ الدوام فيها بشكل فعلي و٦ مدارس فتحت أبوابها جزئياً. تضم هذه المدارس ٢٤٨٨٧ طالباً وطالبة يشرف عليهم ١٥٤٠ مدرساً منهم ٨٩٢ مدرساً يعمل بشكل تطوعي.

من يعيد بناء مدارسنا

حُوّل مبنى المجلس المحلي في قرية المغارة إلى مدرسة ابتدائية كحل إسعافي نتيجة انعدام البدائل. غرف صغيرة مزدحمة بالطلبة دون أثاث أو ووسائل تعليمية، يقول هيثم أسعد (رئيس المجلس المحلي في القرية) إن المكان لا يملك أياً من مقومات المدرسة.

وتساءل الأسعد عبر صفحته في الفيس بوك “هل يعقل أن يبقى أطفالنا دون مدارس.. علماً أن تكلفة ترميم المدرسة الوحيدة في القرية أقل من كلفة شراء سيارة!”. ويضيف “لم يستجب لنداءاتنا أحد”.

ويقول حسن أسعد (مدير المدرسة في المغارة) إن عدد الطلاب في العام الماضي، قبل تعرض المدرسة للدمار، بلغ نحو ستمائة طالب وطالبة، في حين تقتصر العملية التعليمية اليوم على الحلقة الأولى.

ويصف أسعد التعليم اليوم بأنه يمر بحالته “الأسوأ” خاصة فيما يخص المرحلة الثانية. إذ “لم نستطع تأمين البناء اللازم، كذلك تأمين متطوعين من الكادر التدريسي بعد توقف الدعم عنهم”.

أطفال يمرون من أمام مدرستهم المدمرة في قرية المغارة بجبل الزاوية
أطفال يمرون من أمام مدرستهم المدمرة في قرية المغارة بجبل الزاوية

يخبرنا مدير المدرسة إن المعلمين يبحثون عن مصدر رزق لتأمين قوتهم، هم يقدمون ما يستطيعون تطوعاً للطلبة بما يتوافق مع عملهم الجديد. مؤكداً أن الأهالي فضلوا العودة إلى القرية بعد نزوحهم عنها، وسط مخاوف من الاستهداف والقصف المتقطع، ليجدوا أنفسهم أمام خطر يهدد مستقبل أولادهم بعد توقف التعليم للمرحلة الإعدادية والثانوية.

وكانت مدرسة المغارة قد تعرضت للاستهداف ثلاث مرات، إحدى الاستهدافات أفقدت القرية جيلاً كاملاً من طلاب الصف الثامن الإعدادي، أما آخرها فقد أدى لتدمير المدرسة بشكل كامل.

عجز يومي

تقف أم عبدو وهي أم لأربعة أطفال من قرية المغارة، عاجزة عن الرد على تساؤلات أطفالها حول مدرستهم المدمرة وحرمانهم من التعلم، تقول إنها تواجه هذا السؤال صباح كل يوم.

ويقول راسم البدوي (إداري في المدرسة) إنه يمر يومياً بـ “أطلال مدرستهم المدمرة” خلال ذهابه إلى مبنى البلدية (المدرسة الإسعافية) يرافقه عدد من الطلاب الذي يلتفون حوله. سؤالهم اليومي “متى يعاد بناء المدرسة”؟

لا يملك البدوي إجابة شافية ويكتفي بعبارات تريح الطلبة وهو يتابع طريقه ناظراً إلى عشرات الطلبة من الحلقة الثانية وهم يقطون طريقاً طويلاً للوصل إلى القرية المجاورة. يقول إن هناك مدرسون تطوعوا لمتابعة العملية التعليمية لأبناء عدة قرى ممن أغلقت مدارسهم.

وتقول سهى الحسن (طالبة في الأول الإعدادي) إنها لم تنتظم في صفوف الدراسة حتى الآن. ما تزال مدرستها مدمرة ولا أمل في إعادة بنائها من جديد.

وقف الدعم يهدد ٨٥٤ مدرسة بالإغلاق

تشير دراسات وتقارير صحفية إلى ما تسميه “اختناقاً” للتعليم في الشمال السوري بعد توقف ثلثي الدعم عن المدارس منذ مطلع العام ٢٠١٩، يضاف إلى ذلك ازدحام في الصفوف الدراسية ونقص في الكوادر التعليمية بعد دمار قسم من المدارس ونزوح مئات آلاف السكان نحو مناطق أكثر أمناً.

ويقول محمد بازار إن أكثر من ثمانمائة وخمسين مدرسة مهددة بالإغلاق، وبالتالي حرمان نحو ثلاثمائة وخمسين ألف طالب من التعليم في محافظة إدلب.

يصف بازار مدارس جبل الزاوية بالأكثر “معاناة” منذ سنوات. ويقول حسام الخطيب (المسؤول عن التعليم في المجلس المحلي لبلدة بليون) إن الثانوية الوحيدة في البلدة أغلقت أبوابها بسبب نقص الكوادر التعليمية التي تركت التدريس واتجهت نحو مهن أخرى توفر لها مصدر دخل بعد انقطاع الدعم عنها.

وأضاف الخطيب أن نسبة الطلاب الملتحقين بالمدارس الابتدائية تصل إلى ٩٠٪ لتوفر الدعم فيها، وأن نحو مئتي عائلة عادت إلى القرية خلال الفترة الماضية بعد نزوحهم عنها.

معلمون متطوعون ومبادرات فردية

تركز المنظمات على دعم مدارس المرحلة الأولى ويغيب هذا الدعم عن المدارس الإعدادية والثانوية، بحسب ماهر الحمدو (مدرس) والذي يقول ” إن التعليم في جبل الزاوية دمر على مرحلتين الأولى بسبب القصف الذي طال القرى والبلدات وما تركه من دمار على المدارس وخوف لدى الطلاب. أما المرحلة الثانية فتتعلق بإهمال المراحل الثانية والثالثة من التعليم والتركيز على المرحلة الأولى وبحدود دنيا لا تتناسب مع احتياجاتها من وسائل ومتطلبات لضمان سير العملية التعليمية”.

ويقول محمد العزو (مدير مدرسة في بلدة بسامس) إن هناك نقصاً حاداً في الكوادر التعليمية رغم عدد الطلاب الذي وصفه بـ “الجيد”، مؤكداً أن النقص ناجم عن توقف الدعم لا عن قلة في عدد المدرسين، إذ يوجد في البلدة أربعة مدارس مكتملة الكوادر للمرحلة الأولى (حتى الصف الرابع الابتدائي).

وتعتمد المدارس التي توقف عنها الدعم على مدرسين متطوعين أخذوا على عاتقهم متابعة الدروس ولمدة ثلاث ساعات يومياً، بحسب عمر الخطيب (مدرس في قرية مرعيان) والذي قال إن هذه التجربة وجدت صداها في ثلاث مدارس بجبل الزاوية.

ويقدر صالح اليوسف (مدير ثانوية الذكور في احسم) عدد المتطوعين في مدرسته بـ ٥٠٪ من الكادر التدريسي ما رفع من نسبة دوام الطلبة التي وصلت إلى ٦٠٪ مقارنة بالعام الماضي.

وفي قرية “ابديتا” ذكر طه الحمود ان معظم الكادر التدريسي في المرحلتين الإعدادية والثانوية يقوم بعمله وبشكل تطوعي في المدارس، يساهم فيها أيضاً عدد من المتطوعين من قرى مجاورة.

ويقول محمد القاسم مدير مدرسة في قرية “بلشون” إن “مغتربين” من أبناء القرية أخذوا على عاتقهم دعم الكادر التدريسي، وفي حال تم تنفيذ هذه الخطوة يرى القاسم أن ذلك من الممكن أن يساهم في استقرار العملية التعليمية، آملاً تطبيقها في جميع المناطق.

جميع مدارس جبل الزاوية، بعد أن شهدت قراه عودة جزئية لعائلاتها، بنسب متفاوتة، تشترك بمصير مشابه. عجز مؤسساتي وتوقف للدعم يقابله واقع اقتصادي يصفه من تحدثنا معهم بـ “السيء”. إذ يعيش نحو ٨٦٪ منهم تحت خط الفقر ما يمنعهم من الانتظام في مدارس خاصة قد تكون بديلاً عن توقف التعليم “الحكومي”.

حسن أسعد