الصورة من بلدة نبل -إنترنيت
الصورة من بلدة نبل -إنترنيت

تمكن أحمد من الوصول إلى مدينته إدلب بعد رحلة طويلة وشاقة من مناطق النظام. كانت الكلفة نحو ستمائة دولار تم دفعها للمهربين العاملين على تأمين ممرات عبر طرق التهريب لعبور السكان من وإلى شمال غرب سوريا.

يقول أحمد بعد أن وصل إلى بيته في ريف إدلب إنه حصل على “شهادة تخرجه من الجامعة” وقرر الالتحاق بعائلته من جديد. لكن إغلاق المعابر بعد جائحة كورونا وغياب أفق لحل قريب دفعته للبحث عن طرق بديلة مثل مئات المدنيين العالقين على طرفي المعبر. منهم من يحاول الدخول للعلاج أو لقبض الرواتب أو الحصول على أوراق ثبوتية وفي الطرف المقابل العائدون إلى مناطق المعارضة أو الراغبون بالسفر إلى تركيا.

ضمت رحلة “التهريب” في المجموعة التي التحق بها أحمد مئتين وخمسين شخصاً وصلوا من مناطق مختلفة وبوسائل نقل عديدة. دفعوا مبالغ كبيرة ومروا بحواجز لجهات متعددة قبل أن يجتمعوا في “نبل” شمال حلب، وهي بلدة “تسكنها الطائفة الشيعية” ويتواجد فيها عناصر لحزب الله ولواء القدس.

يجتمع المسافرون في نبل ضمن مقهى يقدم لهم الخدمات بأسعار سياحية ريثما يتم تأمين عبورهم للمنطقة التالية، حيث يجبرون على إغلاق أجهزة الهاتف قبل التحرك من البلدة والتي تعتبر بداية طريق التهريب.

يستقل المسافرون سيارات ذات صندوق مغلق بطول ثلاثة أمتار وعرض متر ونصف المتر. إذ يتم “تعبئة” نحو ستين راكباً في هذه المساحة الصغيرة لينقلون إلى آخر نقطة تسيطر عليها قوات النظام على بعد نحو عشرين دقيقة من البلدة.

يعاد تجميع الركاب في نقاط محددة بانتظار غياب الشمس لتتحرك المجموعات سيراً على الأقدام لمدة قدرها أحمد بثلاث ساعات ضمن مناطق سيطرة “قسد” قبل أن يدخلوا إلى مناطق سيطرة الجيش الوطني قرب عفرين.

يجهل أحمد أسماء القرى والبلدات التي عبر من خلالها، ولا يتحدث المهربون عن ذلك. كذلك يمنعون الأسئلة خلال الرحلة.

يقول أحمد إن نصف المسافرين هم من النساء والأطفال وكبار السن. يعبرون طرقاً جبلية وعرة ضمن رحلة محفوفة بالخوف والمخاطر نتيجة سماعهم لقذائف المدفعية وطلقات الرشاشات التي وصفها المهرب بـ “التحذيرية”.

تقترب القافلة من مدينة عفرين ليتم نقلهم بشاحنات “أنتر” إلى مستودعات كبيرة. يسلمون إلى مهرب آخر يتولى مهمة تهريب من يرغب من الركاب إلى تركيا. في حين يتم توزيع بقية المسافرين في منازل متفرقة بانتظار وصول ذويهم لاستلامهم حتى لا يثير تجمعهم في هذا المكان “الريبة”. الأمر الذي قدي يعرض المسافر للحجر الصحي في حال اكتشف أنه وصل بطرق غير شرعية من مناطق النظام.

تبلغ كلفة نقل الراكب من “نبل” إلى عفرين بين “ستمائة إلى ألف دولار”، وتختلف التسعيرة بحسب المحافظة أو البلد القادم منه. ويقول أحمد إن الركاب يتعرضون لاستغلال كبير من المهرب وتكون الأجرة “بقدر شطارة الراكب” إذ دفع أحمد ستمئة دولار في حين دفع صديقه القادم من لبنان ألفاً وخمسمئة دولار.

يقول أبو محمد “مهرب” إن الأسعار ارتفعت مؤخراً لأن المهربين في مناطق النظام رفعوا السعر من ثلاثمئة وخمسين دولاراً إلى ستمئة دولار، مؤكداً أن عمولة المهرب المتواجد في مناطق المعارضة لا تتجاوز خمسين دولاراً.

يدفع الراكب أجور المهرب بعد وصوله إلى مناطق المعارضة وغالباً لا يدفع المسافر حتى يلتقي بأحد أفراد عائلته القادمين لاستقباله في المكان المتفق عليه.

يعتبر والد الشاب أحمد أن قدوم ابنه برفقة 250 شخص من مناطق النظام ليس عملية تهريب، بل هو سرقة ونصب وإتاوات تفرضها ميليشيات وعصابات باتت تتحكم بالسوريين في مدنهم وبلداتهم مقابل السماح لهم بالذهاب من مدينتهم المحتلة من قبل النظام وميليشياته إلى قريتهم في الجهة الأخرى على بعد كيلو مترات عدة.

تضم قوافل المسافرين ركاباً غير سوريين فقد شاهد أحمد مسافرين أجانب ببشرة سمراء ذكروا أنهم توجهوا من لبنان عبر مناطق النظام ويقصدون مناطق المعارضة للدخول إلى تركيا ثم أوربا، و نشرت صفحات موالية للنظام على فيسبوك قبل أيام أن قوى الأمن الداخلي في حلب ألقوا القبض على 16 آسيوي من بنغلادش دخلوا سوريا تهريباً قادمين من لبنان وكان قد تم تأمينهم في حي الشعّار بانتظار ترتيب أمورهم لنقلهم إلى تركيا.

وكانت نقابة أطباء الشمال المحرر حذرت مطلع نيسان الماضي من تهريب البشر والبضائع في ريفي حلب الشمالي والشرقي من مناطق سيطرة النظام إلى مناطق المعارضة. وذلك ضمن الإجراءات الرامية للحد من انتقال فيروس كورونا، بعد إغلاق المعابر بشكل كامل. إلا أن تلك التحذيرات لم تؤتي ثمارها وما يزال التهريب مستمراً.

محمد جميل