الصورة لأحياء في مدينة إدلب ٢٠١٦ -المصدر: وكالة سمارت
الصورة لأحياء في مدينة إدلب ٢٠١٦ -المصدر: وكالة سمارت

يزور أحمد أسبوعياً مبنى محكمة المعاملات المدنية في إدلب لمتابعة القضية التي رفعها لاستعادة أرضه التي سرقت منه وبيعت دون علمه. منذ ثلاثة أشهر وحتى اليوم لا جديد يذكر في سير القضية، وتبدو عليه علامات اليأس والتعب خاصة مع رؤيته لعشرات الأشخاص بقضايا تشبه قضيته ولكنه تفترق عنها في التفاصيل.

يقول أحمد إن شخصاً ما باع أرضه مستغلاً وجوده في المعتقل بعقد مزور، وهو ما دفعه لرفع دعوى احتيال وتزوير بحق أطراف عملية البيع التي اكتشفها مصادفة بعد مراجعته دائرة العقارات لاستخراج سند ملكية “بدل ضائع” بعد فقدانه للأصلي إثر تعرض منزله للدمار بالقصف.

يخبرنا أحمد “وجدت إشارة دعوى قضائية -نقل ملكية وإفراغ- على العقار الذي أملكه لصالح شخص لا أعرفه، وعلمت أنها موجهة ضد شخص بصفته موكلاً عني، علماً أني لم أوكل أحد بالبيع والشراء!”.

الضحايا الذين تعرف عليهم أحمد وحدثنا عنهم محامون في إدلب وضحوا تنوعاً في حالات البيع المزور لبيوت وأراض لا يملكونها. بوكالات مزورة أو عقود صورية ببصمات مزورة للمالك مستغلين العقوبات الجنائية “غير الرادعة” بوصف المحامين، ووجود عقود صورية يصعب إثباتها. كذلك نزوح الأهالي أو لجوئهم خارج البلاد أو فقدانهم في المعتقلات ما يمنح ممتهني التزوير فرصة للبيع دون مراجعة لسنوات طويلة.

البيع بالنيابة وتزوير الممتلكات

يقول المحامي عبد الحميد عبد الله إن حالة موكله أحمد تشبه كثيراً من الحالات لموكلين آخرين. وتتم عادة باستخدام وكالة عدلية مزورة. ويشرح العبد الله أن هذه الوكالات تكون بالاتفاق بين المزورين وكاتب عدل في مناطق النظام. وفي حالة أحمد تم الحصول على صورة من هويته الشخصية بواسطة زوجته بعد إيهام أحد الأشخاص لها بقدرته على إخراجه من المعتقل ليتم تزوير الهوية وبصمة المالك وبمساعدة كاتب عدل في مدينة حماة حصل على وكالة عدلية مزورة.

يصف المحامي هذا النوع من التزوير بـ “الناجح”، إذ لا يمكن كشفه إلا من خلال إجراءات حكومية عن طريق القضاء.

ويعدد المحامي أساليب للتزوير واجهته خلال عمله، منها استخدام الماسح الضوئي وفي هذه الحالة “يتم إنشاء وكالة أو عقد عن العقار المستهدف، ثم تنقل الأختام الموجودة إلى الصيغ المفبركة بواسطة الماسح (سكانر) “. كذلك استخدام ختم كاتب عدل مزوّر، أو تغيير اسم الوكيل باستخدام الفوتوشوب.

ويرى العبد الله أنّ أول خطوات استعادة الملكية  رفع دعوى جزائية على المزور، ودعوى تعويض لصالح المالك الحقيقي ، أمّا الشخص الثالث لا يتضرر لكونه “شارٍ حسن النية ” من وجهة نظر القانون.

ويقول المحامي إن هذه القضايا شائكة، ففي حالة أحمد قام المالك الجديد برفع دعوى “عدم إتمام الفراغ والهرب خارج البلاد” على سارق العقار ما خوله ملكية الأرض بقرار قضائي.

ويصف المحامي التعويض الذي يمكن أن يحصل عليه موكله بـ “أقل من ثمن العقار غالباً”، ويعود تقديره للقاضي في حال لم تسترد الملكية، وتحتاج هذا الدعاوي لما يزيد عن السنة للبت فيها.

السماسرة وتبدل الأطراف

تحتاج المعاملات التجارية لطرفين (البائع والمشتري). أحياناً يكون للوسيط (السمسار) دور في ترويج العقار وعرضه والتوسط بين الطرفين لإتمام البيع مقابل مبلغ مالي يتفق عليه الأطراف.

وبسبب عدم الاستقرار واضطرار قسم كبير من السكان لبيع ممتلكاتهم بهدف العيش أو السفر، كذلك المرض أو لأسباب أمنية تتعلق بالمبالغ الواجب دفعها لإخراج معتقل على سبيل المثال وما تتطلبه هذه العملية من سرعة، خلقت طبقة من السماسرة الجدد، بحسب ملاّك تحدثنا معهم.

أنعش وجود السماسرة الجدد السوق العقاري وتغيرت مهمتهم في التوفيق بين طرفي البيع والشراء والسمسرة إلى التملك. ويشرحون ذلك بأن السماسرة يتصيدون ظروف المضطرين للبيع ويقومون بشراء عقاراتهم بمبالغ أقل من الثمن الحقيقي وبـ عقود صورية ، ليبيعونها فيما بعد بسعرها الحقيقي بما يمتلكونه من حجة وإقناع وتلاعب في الألفاظ.

جميع تلك المكاتب غير مرخصة وبات وجود أولئك السماسرة ملحوظاً في جميع القرى والبلدات. وغدا السمسار “طرفاً ثانياً في الشراء وأولاً في البيع” بحسب من تحدثنا معهم.

يقول سماسرة تحدثنا معهم إن ذلك من أساليب البيع والشراء، وهو موجود سابقاً بشكل “المكاتب العقارية” وإن ما يمارسونه قانوني ويصنفونه بـ “التجارة”، إلا أن البيع والشراء بموجب عقود صورية خلقت مشكلة جديدة تخص ملكية العقارات وصعوبة تثبيتها.

عقود صورية في أكياس النايلون

يحاول مصطفى أبو الخير (سوري مقيم في لبنان) بيع أرضه التي اشتراها منذ مدة دون جدوى. يقول “لم أجد من يشتريها بألف دولار، علماً أني دفعت نحو ستة آلاف دولار ثمناً للدونم الواحد منها قبل عامين”.

يشرح أبو الخير السبب “اشتريت الأرض من سمسار أراض في قريتي وعندما طالبته بإفراغ الملكية أخبرني أن الأرض ما زالت مملوكة للشخص الأصلي لدى دائرة المصالح العقارية، وإنه اشتراها منه بموجب عقد صوري”.

ويضيف أبو الخير “إن صاحب الملكية العقارية الأساسي قد توفي منذ فترة، كما أن اثنين من ورثته اليوم خارج البلاد. العملية معقدة ولا يمكن تسجيل الأرض في الوقت الحالي. لذلك لا أحد يرغب بشرائها”.

يقول عدنان أبو جابر” السمسار الذي باع الأرض لمصطفى “إن لديه نحو مئتين من العقود الصورية لم تثبّت بعد في الدوائر الرسمية ، مما يعني بقاء هذه العقارات بملك بائعيها حتى الآن” . في حين تبقى العقود الصورية في أكياس النايلون لدى أبو جابر.

وتمر العقارات بسلسلة من العقود التي أبرمت خارج أروقة المحاكم في مكاتب السماسرة، يقول أبو جابر، ما يصعب من عملية تثبيت الملكية “أصبح الأمر يشبه المطاردة فالملاك الأساسيون توزعوا بين لاجئ ونازح. منهم من مات أو اعتقل أيضاً”

بدون “طابو”

توضح دراسة بعنوان “التعويض فيما يخص الممتلكات السورية بعد النزاع” صورة مليئة بالتحدي تتمثل بـ “ضياع سندات التمليك وعدم وضوح ملكية العقارات وعمليات البيع والشراء غير الرسمية”، وتحدثت الدراسة أن ٧٥٪ من المجتمعات المستهدفة (وهي ٤٠٠٦ مجتمعات) فقدت سندات التمليك ودخلت في نزاع على الملكية. وإن ٥٧٪ من المجتمعات لديها تخوفات إزاء حقوق السكن والأرض والملكية.

وجاء في الدراسة التي نشرت في العام ٢٠١٨ أن غالبية من قابلهم الباحثون فقدوا جميع سندات التمليك خاصة لأنها أتلفت أو فقدت أو خلفوها وراءهم أو صودرت منهم. أما من يملكون سندات التمليك “الطابو” فنصفهم لم تكن هذه السندات صادرة بأسمائهم، أو أنها ملكيات جماعية. كذلك أوضحت الدراسة أن نصف الأراضي في سوريا لم تسجل قبل ٢٠١١، وأن ثلث السكان في المدن يعيشون في عقارات غير رسمية، وأن الأوراق البديلة كانت عبارة عن عقود بيع وصكوك عدلية ومستندات المنافع، وتستخدم من أجل إثبات الملكية في غياب “الطابو”.

مبادرات لاستعادة الملكية

الحاجة الملحة لحل مشكلة العقارات وحقوق الملكية، خاصة في مناطق المعارضة، دفعت عدداً من منظمات المجتمع المدني وعلى رأسها “تجمع المحامين السوريين” الذي أطلق مشروع التوثيق الوطني بهدف توثيق وحفظ السجلات العقارية والوثائق الرسمية بشكل رقمي، ومشروع رد المساكن والممتلكات العقارية بتوفير منصة إلكترونية تمكن السوريين أينما وجدوا من  توثيق ممتلكاتهم وحفظ صورة عن وثائق ملكياتهم إلكترونياً.

وتحفظ هذه المعلومات ضمن بنك خاص يضمن عدم المساس بها أو استغلالها، وتودع لدى مؤسسات الأمم المتحدة لحفظها، ويستند المشروع إلى وثيقة دولية صادرة عن الأمم المتحدة صاغها وقدمها المقرر الدولي باولو سيرجيو بينهيرو.

وتهدف لحماية حقوق الملكية العقارية للاجئين والنازحين والمهجرين قسرياً، كما تنظم آليات استرداد تلك الملكيات العقارية، والمحددات والأطر التي يجب اعتمادها وتكريسها لتحقيق هذا الغرض. إذ ينبغي أن يتاح لكل شخص حُرم تعسفاً أو بصورة غير مشروعة من مسكنه أو أرضه أو ممتلكاته إمكانية تقديم مطالبة بالاسترداد والتعويض إلى هيئة مستقلة ومحايدة، وأن يُبتّ في مطالبته ويُبَلَّغ بذلك. وينبغي للدول ألاّ تفرض أي شروط مسبقة لتقديم مطالبات الاسترداد..

ونوّه المحامي عبد الحميد إلى ضرورة أن تأخذ المؤسسات الحقوقية والقضائية هذا الأمر على محمل الجد ، الحكم القضائي هو السبيل الأساسي لاسترداد العقار المسلوب وكشف عمليات التزوير، بتشديد العقوبات التي يراها بالظاهر هشة ،” أقصاها سنتين حبس ” واتخاذ إجراءات تردع عمليات التلاعب، بينما شدد على التوثيق الرسمي لحالات البيع والشراء كي لا تدخل في دهاليز التزوير ولضمان حق الملكية