سامر السلوم من تسجيل بثته الهيئة قبل إعدامه
سامر السلوم من تسجيل بثته الهيئة قبل إعدامه

تسيطر هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) على معظم محافظة إدلب الواقعة شمال غربي سوريا، وتنتشر في مناطق سيطرتها محاكم تحكم بالشريعة الإسلامية، وفقاً لما تدّعيه، ويخضع قاطنو تلك المنطقة لأحكامها، بينما يفرّ المستاؤون والرافضون إلى مناطق سيطرة قوات النظام أو الجيش الوطني السوري شمالاً.
يُعتبر الصحافيون من أكثر الأشخاص الذين تعاديهم الهيئة إلى جانب القياديين في الجيش السوري الحر، الذين فرّ معظمهم إلى الشمال السوري أو إلى تركيا، وقد اعتقلت منذ بداية تمكّنها في المحافظة عام 2014 عشرات الصحافيين وأصدرت بحقهم أحكاماً تتوافق مع رؤيتها ومنهجها تجاه العمل الإعلامي.

 

سامر السلوم ابن مدينة كفرنبل الواقعة جنوبي إدلب، والذي عمل في مجلة الغربال، قضى في سجون الهيئة حيث كان معتقلاً من دون محاكمة علنية. لم تسلّم جثته إلى عائلته، ولم يسمح لوالديه وأطفاله برؤيته أثناء فترة الاعتقال التي امتدّت أكثر من سنتين.

“سامر اعتقله عناصر ملثمون من هيئة تحرير الشام من منزل العائلة في مدينة كفرنبل هو وأحد أصدقائه، وذلك بتاريخ 26 يناير/ كانون الثاني 2017، وصادروا حينها كمبيوتراً محمولاً كان موجوداً في المنزل، وبعدها بأيام تمت سرقة سيارته التي كانت مركونة في كراج للتصليح من قبل عناصر تابعين للهيئة أيضاً” يقول محمد شقيق سامر بحزن.

ويروي محمد السلوم كيف أن والدهما الستيني حاول بشتى الوسائل الوصول إلى أي معلومة عن سامر لكنه كان يتعرّض للإهانة في كل مرة يزور فيها سجون الهيئة ومقراتها. بالرغم من أنه عرض في إحدى الزيارات منزل سامر أو ثمنه مقابل الحصول على أي خبر عنه، إلا أن ذلك لم يجد نفعاً.

وبحسب السلوم فإن العائلة لم تكن تعلم ما هي التهمة الموجهة لسامر حتى يتم اعتقاله بهذه الطريقة دون إنذار أو تبليغ يقضي بمراجعة جهة في الهيئة، ولم يسمح للعائلة بتوكيل محام. ويعتقد محمد أن منشورات سامر اللاذعة التي كانت تنتقد تصرفات الهيئة وتدخلها في الحياة المدنية هي السبب.

وفي سياق حديثه أكد محمد أنه لم يسمح للعائلة برؤية سامر، قضى من دون وداع والده ووالدته وزوجته وأطفاله الأربعة الذين ولد أحدهم بعد فترة قصيرة من اختطافه أو اعتقاله وزجّه في سجون الهيئة.

وفي أغسطس / آب 2019 نشر محمد السلوم على حسابه في “فيسبوك” نعوة لأخيه سامر، لتبّث وكالة “إباء” التابعة للهيئة بعد أيام قليلة تسجيلاً مصوراً فيه اعترافات لسامر بالتعامل مع “حزب العمال الكردستاني” والتخطيط لاغتيال واختطاف عناصر من الهيئة، والتنسيق مع مسؤولين في النظام السوري لإجراء مصالحات في المنطقة.

ويعتبر محمد السلوم أن هذه الاعترافات أخذت من أخيه تحت التعذيب، قبل فترة ليست ببعيدة من الإعدام، بحسب ما نقله خارجون من السجون حديثاً للعائلة، وأشار إلى أنه لا معلومات متوفرة إذا ما كان حوكم أم لا ولأي قانون خضع، إذ لا تهمة من جميع التهم المنسوبة إليها ثابتة.

أمجد المالح كان يغطي الحصار الذي تعرّضت له مدينته مضايا في ريف العاصمة دمشق. وصل إلى الشمال السوري عام 2017 بعد التهجير الذي شهدته المنطقة، وعُرف آنذاك باتفاق “المدن الثلاث” (الزبداني في ريف دمشق وكفريا والفوعة في ريف إدلب).

واصل المالح نشاطه الصحفي في إدلب، وفي شهر ديسمبر/ كانون الأول من ذات العام اعتقل هو وثلاثة من الناشطين بتهمة “تصوير مقرات الهيئة بهدف إرسالها للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام إضافة إلى تصوير مناطق أثرية”. وتم إطلاق سراح الناشطين الثلاثة بعد نحو شهرين وأبقت الهيئة حينها على المالح.

يقول المالح: “وجّهت إلي سبع تهم هي، التعامل مع “إسرائيل” و”حزب الله” اللبناني والتحالف الدولي والأمم المتحدة. تصوير مقرات للهيئة ومواقع أثرية واعتناق الفكر “العلماني”، وقد تعرّضت لكافة أنواع التعذيب خلال العامين الذين قضيتهما في الاعتقال”.

يشبّه المالح سجون هيئة تحرير الشام بسجون النظام، لكن في سجون الهيئة هنالك “بشار آخر يطبّق السلفية الجهادية وأحكامها على المساجين”. ويشير إلى أنه تم عرضه على القضاء مرة واحد فقط بعد مضي عام ونصف على اعتقاله وتمّت تبرئته حينها من جميع التهم الموجهة إليه.

كما يؤكد أنه وبعد الحكم ببراءته أمضى ستة أشهر إضافية في السجن دون أي سبب. وبرّر حينها القاضي الذي يحمل الجنسية السعودية ويبلغ من العمر 26 عاماً، قرار تمديد سجنه بأن خروجه من السجن “خطر على المسلمين”، وبعد انقضاء المدة تم إجباره على توقيع ورقة يتعهّد بمضمونها على عدم مغادرة مناطق سيطرة الهيئة.

وتقول منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقرر أصدرته مطلع عام 2019 إن هيئة تحرير الشام، التي لها صلات بتنظيم القاعدة، اعتقلت عدداً كبيراً من السكان في مناطق من محافظات إدلب حماة وحلب، ووثقت المنظمة 11 حالة احتجزت فيها الهيئة سكاناً من إدلب بسبب عملهم السلمي الذي يوثق الانتهاكات أو الاحتجاج على حكمها، ويبدو أن ستة من هؤلاء المعتقلين تعرضوا للتعذيب”.

وعقب انتشار خبر إعدام سامر السلوم، قدّرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير لها عدد المعتقلين من قبل هيئة تحرير الشام منذ الإعلان عن تأسيس تنظيم جبهة النصرة مطلع العام 2012 وحتى أغسطس/آب 2019 بما لا يقل عن ألفي شخص، بينهم 23 طفلاً و59 سيدة.

وسجَّل التقرير في المدة ذاتها مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً بينهم طفل واحد بسبب التعذيب، و38 حالة إعدام في مراكز الاحتجاز التابعة لهيئة تحرير الشام معظمهم لم تُسلَّم جثامينهم لذويهم.

تحتفظ عائلة سامر السلوم والناشط أمجد المالح بالأدلة بهدف تقديمها إلى محاكم قد تنصفهم مستقبلاً.

وعن موضوع المحاكمات يقول المحامي والخبير في القانون الإنساني الدولي علي الزير: “حتى تُعتبر المحكمة وتكون أحكامها معتبرة في القانون يجب أن تتحقق فيها شروط المحاكمات، كأن يكون هناك قانون واضح واجب التطبيق، ما يعني أن يعرف المتهم بالقانون الواجب تطبيقه عليه، وبالتالي يحصل على فرصة لتوكيل محام، وكل هذه الشروط غير متوفرة بمحاكم هيئة تحرير الشام”.

ويضيف الزير: “كما أن هناك شروطاً ومواصفات معينة لأماكن التوقيف كي تكون معتبرة أيضاً، كأن يتمكن الأهل من زيارة الموقوف والتواصل معه، وهذه غير متوفرة أيضاً في كل محاكم الفصائل المسلحة إذن هي سلطات أمر واقع لا قانون واضح ينظم عملها، وتُطبق الأحكام فيها حسب مزاج القادة دون أي مرجعية واضحة”.

ويؤكد الزير: “أن هذه المحاكم وما ينتج عنها من أحكام تعتبر لاغية وغير نافذة ولا يترتب عليها أي أثر قانوني لاحقاً. وأحكام المصادرة والتغريم والإعدام هي أحكام جائرة، وفي حال تحوّل البلاد إلى حكم ديمقراطي يعتبر هؤلاء الأشخاص ضحايا ويتم تعويضهم عما لحق بهم من ضرر”.

 

المادة السابقةفيلم “دوما تحت الأرض”.. وثائقي برسائل إنسانية
المادة التالية الأديب الراحل عبد العزيز الموسى.. صديقنا جميعاً