الصفحة الرئيسية تغطية ميدانية ” كشف العلامات “.. ورقة تمنع الطلاب القدامى من متابعة دراستهم

” كشف العلامات “.. ورقة تمنع الطلاب القدامى من متابعة دراستهم

يتصفح ماهر صوراً له رفقة زملائه أيام الجامعة. يحاول أن يستعيد دراسته الجامعية التي فقدها قبل تخرجه منها في العام ٢٠١١، في الوقت الذي يشارف فيه من يصغره بسنوات على التخرج.

لم يتمكن ماهر “طالب جامعي منقطع عن الدراسة” من إتمام ما تبقى من دراسته في إدلب، مثل عشرات الطلاب الذين عجزوا عن الحصول على كشف علامات من جامعتهم يثبت سنتهم الدراسية والمواد المتبقية لديهم، إذ يمنع نظام الأسد تسليم الوثيقة إلا لصاحب العلاقة شخصياً وبموافقة أمنية.

وتشترط جامعة إدلب لقبول الطلاب القدامى تقديم كشف علامات أو توقيع تعهد خطي يسمح للطالب بمتابعة دراسته لكنه ملزم بتقديم كشف العلامات للحصول على وثيقة التخرج، الأمر الذي دفع عشرات الطلاب للعدول عن قرار متابعة الدراسة، أو البحث عن معقب معاملات يمكنه إحضار الوثيقة مقابل مبلغ مادي.

يقول “ماهر” إنه يحتفظ ببطاقته الجامعية كوثيقة تثبت وصوله إلى السنة الدراسية الرابعة في كلية الآداب فرع اللغة الإنكليزية إلا أن هذه البطاقة لم تفِ بالغرض المطلوب، فالجامعة بحاجة لكشف علامات حتى تستطيع تحديد المعدل وفق درجات المواد في السنوات السابقة كما أنه يجب تحديد المواد التي حملها الطالب إلى السنة الأخيرة.

الحصول على الأوراق الجامعية مهمة صعبة

بحث ماهر عن طريقة للحصول على كشف علامات عن طريق أصدقائه وأقاربه في حمص. جميع محاولاته باءت بالفشل، وأهملت الطلبات التي قدمها لدائرة الامتحانات مبررين ذلك بضرورة حضوره الشخصي لتقديم الطلب باليد حسب القوانين، وهو الأمر الذي يستحيل أن يفعله بعد المضايقات التي تعرض لها على الحواجز الأمنية المنتشرة والتي كانت سببا في تركه لدراسته.

تشترك جامعات النظام في عرقلة إجراءات الحصول على أي ورقة ثبوتية تخص الطلاب ويتمسك الموظفون بشرط تقديم الطلب باليد، والمحظوظ من يعرف طرف الخيط للوصول إلى الموظف المسؤول عن إصدار الورقة المطلوبة. يقول “مأمون” طالب في جامعة تشرين

“إنه لم يتمكن مع زوجته من إتمام المواد المتبقية لديهم في السنة الرابعة، لعجزهم عن الحصول على كشف العلامات المطلوب، ولعدم قدرتهم على دفع مبلغ خمسمئة دولار لمعقب المعاملات عن كل كشف”.

لا تتوقف حاجة الطلاب لكشف العلامات على غير الخريجين فحسب، وتختلف صعوبة الحصول عليه من جامعة لأخرى فـ “أمل” المقيمة في تركيا والحاصلة على مصدقة تخرج من كلية التربية في جامعة الحسكة كان عليها الحصول على كشف علامات حتى تقبل في جامعة تركية لإكمال دراساتها العليا.

تخبرنا أمل أنها حاولت استخراج الأوراق المطلوبة عن طريق إحدى صديقاتها، لكنها فشلت خلال عام كامل في الحصول عليها إذ لم تفلح الأعذار التي قدمتها الصديقة بإقناع موظفي الجامعة، ولم تمتلك مبلغ خمسمئة دولار لدفعها لمعقب معاملات. تقول إنها عدلت عن فكرة إتمام دراستها، إلا أن صديقتها استمرت بالمحاولة وتمكنت من الوصول لشخص قدم لها المساعدة في الحصول على الأوراق المطلوبة مقابل دفع تكلفة الرسوم الجامعية والتي لا تتجاوز ألف وخمسمئة ليرة سورية.

يحتاج أحمد خريج كلية الهندسة في جامعة حمص لكشف علامات حتى يستطيع دراسة الماجستير وهذا مطلب جميع الكليات سواء كانت تتبع لحكومة الإنقاذ أم للحكومة المؤقتة، وكان يستطيع الحصول عليه عن طريق والدته بصفتها تملك وكالة عنه إلا أنه اختار دفع مبلغ 265دولاراً على أن يعرض أمه لمجازفة تعرضها للسؤال عن ابنها الذي لم يحضر شخصياً.

يقول أحمد إنه حصل على كشف العلامات منذ نهاية عام 2018 إلا أنه علم من أصدقائه إنه يكلف ضعف المبلغ هذه الأيام ويصعب استخراجه إلا عن طريق أحد الموظفين أو المسؤولين.

تحدثنا مع معقب معاملات يرفض ذكر اسمه لأسباب خاصة وشرح كيفية حصوله على وثائق تطلب من مؤسسات حكومية في مناطق سيطرة النظام مقابل المال.

يقول إنه مجرد صلة وصل بين الطالب والمسؤول الذي يستطيع الحصول على الوثائق المطلوبة من خلال علاقاته القوية مع كثير من الموظفين. ويتقاضى المعقب النسبة الأقل من المبلغ فهو الوسيط الذي يسلم ويستلم من الطرفين لذلك فإن نسبته لا تتجاوز 10% حسب تعبيره.

بلغ عدد الطلاب الجامعيين المسجلين في جامعة إدلب بعد انقطاعهم عن جامعات النظام خمسمئة طالب وطالبة بحسب الدكتور “أحمد أبو حجر” رئيس جامعة إدلب.

يشرح “أبو حجر” آلية قبول الجامعة للطالب الذي لم يتمكن من الحصول على الكشف قائلاً “سمحنا لهم بالتوقيع على تعهد خطي ينص على قبول دراسة الطالب في كليات الجامعة حتى التخرج على ألا يتم منحه مصدقة التخرج إلا بعد تقديمه لهذا الكشف”.

ويبرر “أبو حجر” هذا الإجراء بقوله “ليس لدينا معلومات بالمواد التي قدمها الطالب خارج جامعة إدلب كما لا يمكن معرفة معدله وبالتالي لا يمكن إعطاؤه مصدقة تخرج أو كشف علامات إلا بعد استكمال هذا الإجراء”.
يرى من التقيناهم من الطلاب أن الجامعة محقة بطلبها  وينبغي التأكد من ثبوتياتهم، لكن في الوقت نفسه يجب مراعاة أوضاع الطلاب الذين تخلوا عن جامعاتهم في مناطق النظام خشية المضايقات الأمنية ويستحيل عليهم مراجعة تلك الجامعات أو دفع مبالغ كبيرة لمعقبي المعاملات للحصول على الأوراق المطلوبة.
ليبقى كشف العلامات ورقة تفصل عشرات الطلاب عن تحقيق حلمهم في نيل ثمرة دراسة استمرت أكثر من خمسة عشر عاماً، وتبلغ تكلفة الحصول عليها معيشة عائلة في إدلب لمدة ستة أشهر.

المادة السابقةأزمة البنزين في مناطق النظام.. رحلة طويلة وأسعار مرتفعة
المادة التاليةفيلم “دوما تحت الأرض”.. وثائقي برسائل إنسانية