يتنقل أحمد الدندوش “لاجئ سوري في ألمانيا” بين مكاتب الحوالات المالية غير المرخصة للحصول على أفضل سعر يمكنه من إرسال جزء من تعويضات اللجوء التي يتقاضاها لأهله في إدلب، إذ يخشى إرسالها عبر الشركات الرسمية خوفاً من معرفة السلطات التي ستعتبر أن تلك الأموال فائضة عن حاجة اللاجئ فتقوم بتخفيضها.
حال أحمد مشابه لحال عشرات السوريين المتواجدين خارج البلاد، والذين يبحثون عن وسيلة مناسبة لإرسال حوالات مالية لذويهم في الداخل السوري.

طرق التحويل من أوربا

تسهم أموال السوريين المنتشرين في دول العالم بمساعدة عوائلهم التي تنتظر تلك المساعدات والتي باتت تحدث فرقاً في حياتهم اليومية بعد تراجع سعر الليرة السورية، إلا أن وصول تلك الأموال بات محاطاً بصعوبات عدة سواء كان التحويل عن طريق الشركات المرخصة، أو عن طريق المكاتب التي تعمل بالأسود والتي رفعت نسبة أجورها بشكل كبير”.”

وينتشر في دول أوربا نوعان من مكاتب الحوالات، بعضها يعمل بطريقة مرخصة، وهي عبارة عن مجموعة من المكاتب المنتشرة حول العالم والتي تعمل تحت مظلة شركة واحدة مثل الـ    “Western Union”و “Money Gram”والنوع الآخر من تلك المكاتب تعمل عن طريق التحويل بالأسود ويقسم إلى نوعين، مجموعة من المكاتب المستقلة التي يعمل كل منها على حدة وتتبع لأشخاص، إضافة لمكاتب تعمل ضمن شركة معينة لم تحصل على ترخيص قانوني، ويعمل كلا الصنفين في التحويل بـ “الأسود” وهي طريقة ممنوعة لدى الحكومات في الخارج.

تتميز المكاتب المرخصة بسرعتها في تسليم الحوالات المالية، وأجورها المنخفضة وسهولة التعامل مع مكاتبها وإمكانية استرداد الحوالة في حال حدوث أي خطأ في عملية التحويل من قبل مكاتب الشركة، إلا أن النسبة الأكبر من اللاجئين يفضلون التحويل عن طريق المكاتب التي تعمل بالأسود رغم أجورها المرتفعة ويعود ذلك لأسباب عدة أبرزها، تحويل المكاتب المرخصة لعملها عبر الانترنت بعد جائحة كورونا ما أحدث ارتباكاً لدى كثير منهم نتيجة جهلهم في كيفية التحويل، حيث تتطلب العملية  إنشاء حساب، والدخول إلى موقع مكتب التحويل لتحديد المبلغ المراد تحويله والوجهة المطلوبة، مع تحويل صورة لجواز سفر للشخص المراد التحويل اليه وهو أمر لا يتناسب مع الكثير من السوريين الذين دخلوا الى تركيا بشكل غير شرعي، حيث يقوم المكتب بخصم ذلك المبلغ من رصيد الشخص البنكي الذي قام بالتحويل.

يضاف لتلك الأسباب مراقبة حكومات تلك البلدان لعمليات تحويل المكاتب المرخصة ما دفع شريحة واسعة من اللاجئين لتحويل أموالهم عن طريق المكاتب التي تعمل بـ “الأسود”، لتلافي تخفيض الحكومات لرواتبهم الشهرية حيث تعرف تلك الشريحة بـ ” Job center” وهي مجموعة من الأشخاص اللاجئين العاطلين عن العمل أو الذين يقومون بالدراسة تقوم الحكومة بمنحهم رواتب شهرية لحين تأمين عمل لهم أو إنهاء دراستهم.

اعتماد اللاجئين على التحويل بـ “الأسود

يقول أحمد دندوش “تمنحني الحكومة الألمانية أربعمئة يورو شهرياً وتقوم بتسديد أجور سكني، وإذا علمت الحكومة بأني أقوم بتحويل جزء من ذلك الراتب الشهري لعائلتي في إدلب فسوف تقوم بخصم جزء من مرتبي الشهري بدعوى الزيادة، لذلك أقوم بالتحويل عن طريق المكاتب التي تعمل بالتحويل الأسود كونها لا تخضع لرقابة الحكومة”.

يضاف لتلك الأسباب عدم وجود مكاتب تتبع لشركات الحوالات المالية المرخصة في مناطق المعارضة ما جعل عملية التحويل عن طريق تلك المكاتب تنهي طريقها في تركيا، لحين تحويلها عن طريق مكاتب صرافة إلى إدلب.

ويقول عبد القادر حمود “لاجئ في ألمانيا” “في البداية كنت أقوم بالتحويل عن طريق مكاتب Western Union، حيث يتم خصم أربعة يورو عن كل مئة يورو لوصولها لتركيا، ويتم تحويلها لأهلي في إدلب عن طريق صرافين لعدم وجود مكاتب تتبع للشركة في سوريا، ويخصم مبلغ ستة يورو على كل مئة.
في حين يعتمد الحمود اليوم على المكاتب السوداء في تحويلاته وتتقاضى تلك المكاتب بالحد الأدنى ثمانية عشر دولار على كل مئة، حيث يقوم بتسليمهم مئة يورو في ألمانيا فتصل مئة دولار لأهله في إدلب.
تلك الصعوبات التي واجهت السوريين مع مكاتب التحويل المرخصة فتحت المجال لمكاتب التحويل بـ “الأسود” للهيمنة على سوق الحوالات، وفرض الأجور التي تريدها على الحوالة ما انعكس على المبالغ المحولة التي ستصل لأصحابها.

يعمل خيرو الخطاب ضمن أحد المكاتب التي تقوم بالتحويل بـ “الأسود” ويشرح لنا كيفية التحويل ويوضح الأسباب التي تكمن وراء ارتفاع قيمة الخصم على تلك الحوالات المالية قائلا:
يتم التحويل إلى سوريا بعدة وسائل أبرزها: المقايضة بين المكاتب وهي تسديد مبلغ مالي لمكتب ما مقابل تسديد ذلك المكتب لمبلغ آخر في منطقة تواجده، أو عبر إيداع الحوالة لدى أحد التجار الذين يمكنهم دخول تركيا بشكل مستمر ويتقاضون عليها 20% أو عن طريق بعض قادة الفصائل واللذين يسمح لهم بالدخول من سوريا الى تركيا بحرية، أو بواسطة أحد العمال الذين يعودون من تركيا إلى سوريا في إجازات عن طريق التهريب أو الدخول من المعبر، وذلك يحدث نادراً نتيجة إغلاق المعابر في الفترة الأخيرة، ويتم إعطاؤهم أجور نقل الحوالة بحسب اتفاق مسبق مع صاحب المكتب، أو من خلال الشحن وهي طريقة مكلفة نتيجة توقف غالبية المطارات والتعامل التجاري إثر جائحة كورونا والذي أسفر عن صعوبة في نقل الأموال المراد تحويلها.

يضيف الخطاب تعتبر الرسوم المفروضة من قبل البنوك التركية على السحب النقدي للعملات الأجنبية، أحد أبرز الأسباب التي تكمن وراء ارتفاع أجور التحويل، كما تختلف الأجور بين منطقة وأخرى وذلك تبعا للمسافة وسهولة المواصلات إليها والتشديدات الأمنية في المنطقة المراد التحويل إليها والقدرة على توفير القيمة المالية في تلك المنطقة ومدى توفر مكاتب قادرة على تسديد تلك الحوالات النقدية فيها، والقدرة على استرداد مبادلاتها المالية ومدى ضخامة الحوالة دوراً اساسياً في ارتفاع نسبة الخصم عليها”.

يأمل من التقيناهم بتغير الحال في إدلب وافتتاح مراكز لشركات الحوالات المالية ، ما يمكنهم من تحويل مساعدات إلى ذويهم بأجور طبيعية ودون الحاجة للبحث عن المكاتب السوداء والرضوخ لاستغلال أصحابها.