من دروس محو الأمية في مخيم بينين بريف إدلب -أرشيف فوكس حلب
من دروس محو الأمية في مخيم بينين بريف إدلب -أرشيف فوكس حلب

يحتفي العالم في الثامن من أيلول من كل عام بذكرى اليوم الدولي لـ محو الأمية، والذي اعتمدته الأمم المتحدة سنة 1966، ويترافق هذا اليوم مع تفشي الأمية في المخيمات السورية نتيجة التراجع الذي شهدته العملية التعليمية في سوريا خلال السنوات الأخيرة ما يُجعل مستقبل أجيالٍ كاملة في خطر.

ونشر “مركز حرمون للدراسات المعاصرة” دراسة ميدانية في منتصف العام الجاري أوضح فيها أن 25% من الأهالي والنازحين الذين تتراوح أعمارهم بين 12-60 سنة أميين (70% منهم يقطنون في المخيمات)، وشملت تلك الدراسة مدينة الباب – إعزاز – مارع – أخترين – صوران – عفرين – دارة عزة بريف حلب، إضافةً إلى مدينـة إدلـب – سـرمدا – الدانـا – باتبـو – سـلقين – دركـوش – معرتمصريـن – كفرتخاريـم – حـارم – أطمـة – خربـة الجـوز بريف ادلب.

مخيمات بلا مدارس

يقول أبو صدام  وهو ناشط إعلامي يقطن في مخيم “نحن معاً ” بريف إدلب: “إن الواقع التعليمي في المخيمات سيئ جداً حيث تفتقد عشرات المخيمات للمدارس ما أثر على العملية التعليمية”.
في مخيم نحن معاً يتواجد أكثر من مئتين وخمسين طالباً  بلا مدارس منذ أربع سنوات، أكثر من نصفهم يعانون من الأمية ولا يُجيدون القراءة والكتابة على الإطلاق، يتواجد العديد من المدرسيين في هذا المخيم لكن غياب الدعم المالي للعملية التعليمية يمنعهم من افتتاح المدرسة، كما يمنعهم سوء الأحوال الاقتصادية من العمل بشكل طوعي، فكل مدرس منهم لديه عائلة ويضطر للعمل بأي مهنة لتأمين قوت يومها. بحسب أبو صدام.

مخيم الأمل بريف إدلب لم يكن أفضل حالاً من سابقه لكن قاطنيه قرروا إرسال أطفالهم إلى المدرسة الموجودة في المخيم المجاور، والتي عانت من ازدحام الطلاب ضمن الغرفة الصفية الواحدة ما أثر على استيعابهم، كما تعرض الطلاب الوافدين إلى مدرسة المخيم لمضايقات من بقية الأطفال، ما دفع ذويهم للامتناع عن إرسالهم، بحسب يوسف الرضوان أحد قاطني المخيم والذي يرى أن غالبية أطفال المخيم يعانون من ضعف في القراءة والكتابة.

الفقر وغياب الدعم يزيدان الأميّة

بدوره قال محمد أحمد درباس الخالدي رئيس المجلس المحلي في مخيم الركبان الواقع على الحدود السورية الأردنية، “إن الواقع المعيشي السيء وغياب الدعم عاملان أساسيان في تفشي الأميّة ضمن كثيرٍ من المخيمات.

ويتواجد ضمن المخيم ثمانية مدارس وسبعة عشر معلماً إلا أن أكثر من ألف طفل من المتواجدين في المخيم لا يجيدون القراءة والكتابة، إذ يضطر الأهل لمنع الأطفال من الذهاب للمدرسة وإرسالهم للعمل لتأمين مصاريفهم اليومية نتيجة الحالة المعيشية السيئة التي يعيشها سكان المخيم”.

وأضاف الخالدي: “معظم النازحين في مخيم الركبان ليس لديهم القدرة على تأمين المستلزمات المدرسية والألبسة لأطفالهم، لدرجة أن هناك أطفال يسيرون حفاةً لعدم قدرة ذويهم على شراء حذاء لهم، وبنفس الوقت فإن الحصار الذي يفرضه النظام وحلفائه يمنع دخول المنظمات لتقديم أي دعم للعملية التعليمية، ما تسبّب في إغلاق عدد من مدارس المخيم، بينما تولّى بعض المعلمين المتطوعين مهمة التدريس بشكلٍ تطوعي لتشغيل باقي مدارس الركبان، ومحو الأمية فيها”.

“التعلّم عن بعد” ليس حلاً مجدياً

تسبّب انتشار فيروس كورونا في سوريا بتوقف عمل المؤسسات التعليمية خلال الفصل الثاني من العام الدراسي الماضي، وتم اعتماد أسلوب التعلّم عن بُعد، إلا أنه لم يكن حلاً مجدياً لكثيرٍ من الطلاب خاصةً القاطنين في المخيمات، فأغلب النازحين في المخيمات يعانون من الفقر، ولا يمتلكون مقومات إنجاح عملية التعليم بهذا الشكل، ومنها الحواسيب والأجهزة اللوحية والهواتف والانترنت، كما أن بعض المواد كالعلوم والرياضيات والفيزياء والكيمياء لا يمكن شرحها عبر التسجيلات الصوتية وبحاجة إلى تطبيق عملي.

وقالت أم حسين (أرملة من قاطني مخيم الهول بريف الحسكة والذي يقع تحت حكم الإدارة الذاتية): “لم يكن التعلّم عن بعد في زمن الكورونا حلاً نافعاً للجميع، فالنازحون بالكاد يؤمنون لقمة عيشهم، فكيف سيتمكنون من شراء حاسوب أو هاتف محمول لمتابعة الدروس عن بعد، ومن لديه هاتف لن يقدر على تحمّل تكلفة تأمين الانترنت، فتعبئة واحد جيجا بايت يُكلّف حوالي أربعة دولار، أي حوالي تسعة آلاف ليرة، وبنفس الوقت ليس هناك كهرباء ضمن المخيم لشحن الهواتف والحواسيب، لذا بات التفكير في تعليم أطفالنا أمراً ثانوياً.
تفضل أم حسين إرسال طفليها لجمع البلاستيك والحطب حول المخيم لبيعه وتأمين لقمة عيشهم، بدلاً من الذهاب للمدرسة لتكون العملية التعليمية آخر ما يفكر به سكان المخيم.

في حين قال سعد الدين مدرس لغة عربية في مخيم المحمدية قرب عفرين: ” إن الأميّة تتفشى في المخيمات بشكلٍ متصاعد ، فالوضع الاقتصادي السيء الذي يعيشه النازحون وتنقلهم المستمر يتسبّب في انقطاع أطفالهم عن المدارس، ما يؤثر على مستواهم التعليمي لدرجة أن هناك أطفال في الصف الخامس والسادس أو في المرحلة الإعدادية لديهم ضعف كبير في قواعد اللغة العربية ونطق الجمل بشكلٍ سليم، حتى أن بعضهم لا يجيد التمييز بين الفاعل والمفعول به أو بين الاسم والفاعل”.

وتابع سعد الدين قائلاً: “مخيمات كثيرة غارقةً بـ الأمية، فعدم تعلّم الأهل يمنعهم من تعليم أبنائهم في ظل تعذر ذهابهم إلى المدرسة، الأمر الذي يُهدد مستقبل أجيال عديدة، فـ الأمية تتسبب في انخفاض الوعي وعرقلة تطوير وظائف الدماغ وتحسين اللغة لدى الأطفال، وتمنع الكبار من اكتساب العلم والقيم والعادات، أو معرفة حقوقهم وواجباتهم “.

وأضاف سعد الدين أن “مكافحة الأميّة تتطلب تكاتف الجهات المعنية والمنظمات، بغية تأهيل المدارس المدمرة وافتتاح مدارس جديدة وتقديم دعم للمدرسين في المخيمات المحرومة من التعليم، وتوزيع مساعدات على النازحين من ألبسة ومستلزمات مدرسية، إضافةً إلى نشر حملات التوعية التي تدعو إلى محاربة الأميّة وتؤكد على أهمية العلم، وتنظيم دورات لـ محو الأمية تستهدف مختلف الفئات العمرية”.    واختارت الأمم المتحدة اليوم التركيز على موضوع ” محو الأمية تعليماً وتعلماً في أثناء كوفيد – 19 وما بعدها”، ليكون عنواناً لليوم الدولي لـ محو الأمية في عام 2020، فمع تفشي الوباء غابت برامج محو الأميّة للبالغين من خطط الاستجابة التعليمية الأولية في كثيرٍ من البلدان ، لذا أُغلقت معظم تلك البرامج، مع مواصلة عددٍ قليلٍ من الدورات من خلال التلفزيون أو الإذاعة أو في الأماكن المفتوحة.

وتشير الأمم المتحدة إلى أنه ما يزال هناك سبعمئة وخمسين مليون نسمة على الأقل من الشباب والكبار يعجزون عن القراءة والكتابة حول العالم، في حين أن مئتين وخمسين مليون طفل يفشلون في اكتساب مهارات القراءة والكتابة الأساسية.