تغطي “أم بيان” وجهها بوشاح رأسها الأسود لتخفي دموعها في كل مرة تضطر فيها للوقوف على دور الإغاثة الطويل منذ أن فقدت زوجها، تلفظ اسمها للموظف المسؤول بـ “خوف” وتحمل حصتها الشهرية التي تقيتها وطفلتها لأيام معدودة، قبل آن تبدأ جدالها الشهري مع ذويها للسماح لها بالعمل، دون جدوى، فـ “كلام الناس” يفرض قيده على عمل النساء، خاصة الأرامل اللواتي بتن عبئاً على عائلاتهن وسط قصر اليد وصعوبة الحياة.

تضيق الخيارات أمام أكثر من أربعة وأربعين ألف أرملة يعشن في إدلب وحدها، بحسب دراسة أجراها مركز حرمون للدراسات المعاصرة في تموز الماضي، وبحثن عن تأمين لقمة العيش لأبنائهن، بدء من تحكم العائلة والتضييق عليها ومنعها من العمل، كذلك استغلال أصحاب الورش والمعامل لظروفهن، أو فرض تزويجهن من رجال يحملن عنهن مسؤولية تربية أبنائهن.

لا تُرحم ولا يسمح لها بالرحمة

تتجنب فاطمة التوقف عند الإعلانات عن فرص العمل القليلة على صفحات التواصل الاجتماعي، وما تطرحه عليها صديقاتها اللواتي يعرفن ما تعيشه بعد موت زوجها من صعوبات، تقول إنها باتت تشعر بـ “الحرج” في كل مرة لا تستطيع فيها الشرح عن الأسباب التي تدفعها لرفض العمل، والتي تلخصها بـ “معارضة أهلها الشديدة”.

وتخبرنا فاطمة، وهي أم لثلاثة أطفال من ريف إدلب الجنوبي، أن أرامل كثر، وفق مفهوم أهاليهن، “صيد سهل”. وأن أعين الرقباء مفتوحة على سلوكهن وتعقب حركاتهن، وتأويله لتقييدهن بدلاً من تقديم العون والمساعدة.

وتضيف أنها وجدت فرصاً للعمل بدوام مناسب، لكن أهلها رفضوا ذلك، كان آخرها منذ أشهر قليلة حين وجدت عملاً في عيادة لطبيب أسنان، تقول إن الحجة كانت بـ “سيرتهم” التي ستكون على كل لسان! وأين سيخفون وجوههم أمام أقربائهم إن سمحوا لها بالعمل.

تبحث أرامل عن حل لتأمين لقمة العيش، ولإثبات النفس، يقلن إنهن “لسن في سجن”، فالأمر لا يتعلق بالطعام والشراب وحدهما، وإنما بالطموح والمستقبل.

استغلال الحاجة وقلة الأجور

لا تقف عائلات أمام عمل بناتهن الأرامل، إلا أنهن يجدن أنفسهن عرضة للاستغلال، سواء بساعات العمل أو الأجور، ويرجع ذلك لحاجتهن لأي عمل يسد احتياجات أطفالهن، أو لضعف التحصيل العلمي عند قسم منهن.

لم تكمل أم حسن (٣٥ عاماً) تحصيلها العلمي، وتوقفت الكفالة المالية التي كانت تمنحها لأطفالها واحدة من الجمعيات الخيرية بعد وفاة زوجها منذ أربع سنوات، تقول إنها تعمل بـ “تنظيف المنازل” لإعالة أطفالها ودفعهم لإكمال تعليمهم، وبأجر وصفته بـ “الزهيد”، إن وجد.

بينما تتقاضى راميا (٤٠ عاماً) مئة ليرة تركية عن عملها كمستخدمة في واحدة من روضات مدينة إدلب، تقول إن منزلها يخلو من الأساسيات، وإنها تضطر للاستدانة بعد أيام من الحصول على راتبها الذي ينقص عن ثمن كيلوغرامين من اللحم الذي تعده من الرفاهيات.

وتحتاج العائلة إلى ستة أضعاف ما تتقاضاه راميا لتعيش بالحد الأدنى في إدلب، دون أن تدخل في حساباتهم اللحوم والألبسة وألعاب الأطفال وقرطاسية المدارس ومواد التدفئة. ويحصل عامل المياومة في إدلب وسطياً على أربعة أضعاف ما يدفع لراميا، أما المستخدم الذي يتبع للمدارس التابعة للحكومة التركية في عفرين وشمال شرق حلب فيحصل على سبعة أضعاف هذا الراتب في القطاع التعليمي.

“أمل” أرملة أخرى وأم لفتاتين في الثامنة والعشرين من العمر، وجدت فرصة للعمل كممرضة، تقول إنها أمضت السنة الأولى بعد موت زوجها تنتظر مساعدات من أهله أو المحسنين، إلا إنها قررت الاعتماد على نفسها في العمل، وإكمال دراستها، بعد أن حصلت وبالتزامن مع عملها، على الشهادة الثانوية لتدخل كلية الآداب، وتطمح بالحصول على عمل ثابت.

الزواج.. مسموح ومرفوض

يضيق أهالٍ على بناتهن الأرامل للقبول بالزواج، دون شرط الموافقة، ويسعون لذلك للتخلص من “عبئهن” المادي والمعنوي، كما يقلن، خاصة إن كان طالب الزواج أخاً لزوج الأرملة، بينما ترفض عائلات زواج بناتهن الثاني.

تخبرنا فاطمة إنها وجدت بالزواج الثاني حلاً لمشكلاتها بعد رفض أهلها السماح لها بالعمل، إلا أنها زواجها قوبل بالرفض والتهديد، تقول إن خالها هددها بالقتل، وإن ابن عمها أرسل لها رسالة يسألها إن كان بإمكانها أن تضع عينه في عينها إن تزوجت، خاتماً رسالته بـ “ألا تخجلي!”

وترحب عائلات تستنكر زواج بناتهن الأرامل من “الغرباء”، بفكرة زواجهن من أخي الزوج، يبررون ذلك بحق أطفالهن العيش في كنف عائلة آبائهم، وتجبر الأرملة على ذلك خوفاً من حرمانها من أطفالها.

تقول نسرين (٢٧ عاماً من دمشق) والتي أجبرت على هذا الزواج “يتخذون هذا القرار حفاظاً على الأطفال دون مراعاة مشاعر الزوجة التي غالباً لا تستطيع نسيان زوجها السابق، ويتوجب عليها أن تتأقلم مع حياتها، وزوجها الجديد، وافقت فقط لأعيش حياةً آمنة مع أطفالي”.

كما تعرضت أرامل لاستغلال وضعهن من قبل رجال عرضن عليهن الزواج، ليكن زوجة “ثانية” في حياتهن، وتعرضت نساء منهن للتعنيف، كذلك أخذ ما يملكنه من نقود أو مصاغ، تقول حنان (٣٠ عاماً من مدينة إدلب) إنها قبلت أن تكون زوجة ثانية، وإن أهلها ساندوها بفكرة الزواج لكنها تفاجأت لاحقاً بخلاف ما كان يعدها من أمان واستقرار، وقام  بأخذ ما تمتلكه من مال ثم طلقها، تقول “احتال زوجي عليّ وأخذ مني ما ادخرته من كفالات أطفالي الأيتام بحجة سداد ديون كانت قد ترتبت عليه، ثم انتقل لإقناعي ببيع البيت ليشتري أرضاً في قريته، وعندما عارضت بيع منزل أبنائي وتركة والدهم الوحيدة، انتهت مصالحه معي، تخلى عني ورحل”

ولم يكن زواج سمر (33 عاماً) من مدينة حلب أفضل حالاً، فبعد أن فرحت لها العائلة بأكملها بالعريس “الأعزب” الذي سيعوضها عن كل ما مرت به من ظروف قاسية، تحولت حياتها إلى “جحيم”، إذ لم يكن يمر يوم دون أن يعنفها هي وأطفالها الخمسة.

تقول سمر لفوكس حلب “لم يمر على زواجي سوى أسابيع حتى توقف الدعم عن أطفالي، وتحول زوجي لرجلٍ آخر، يضربنا بشدة دون أي سبب، لم يتزوجني ليعوض أبنائي عن فقدان والدهم بل ليستفيد منهم ومن كفالاتهم”.

من جانبٍ آخر حظيت أرامل بزواجٍ “ناجح”، يقول مصطفى (31 عام) من ريف دمشق، والذي قرر الارتباط بابنة خالته التي توفي زوجها في سجون النظام، وأخذ على عاتقه تربية ابنها إن “المرأة ليست مذنبة إن أصبحت أرملة، لكن المجتمع يبدأ بتحطيمها بدلاً من منحها القوة، هي لا تستحق كل هذا الظلم، علينا كأفراد واعين أن نبدأ بالتغيير، أخذت عهداً على نفسي أن أربي ابن زوجتي مثلما سأربي أطفالي”.

جمعيات تعنى بشؤون الأرامل

عملت بعض الجمعيات في محافظة إدلب على تنفيذ مشاريع تتضمن تدريبات وبرامج توعوية تستهدف الأرامل بشكلٍ خاص، لتخفيف ضغوطات المجتمع عليها.

منسق المشاريع الاجتماعية في جمعية عطاء للإغاثة الإنسانية “أحمد هاشم” قال إن العمل يجري لتجهيز حقائب تدريبية للأرامل اضمن مخيمات أطمة وقاح شمال إدلب، لدمجهن بالمجتمع وإخراجهن من القوقعة التي يعشن بها.

ويضيف الهاشم: “إن هذه المشاريع رغم قلتها لكنها تركت أثرها في المجتمع، مثل مشروع عفاف الذي تم تنفيذه على مرحلتين، والذي يهدف لتزويج الأرملة من شاب أعزب مع كفالة للأيتام، من جهةٍ أخرى قامت الجمعية بالتعاون مع منظمة IOM لتقديم مشاريع صغيرة، حيث قامت بتدريب بعض الأرامل على عدد من المهن مثل لف الشعر والمكياج وبيع الثياب وتقديم مبالغ مالية تساعدهن على فتح محال خاصة بهن”.

مشروع “بيت المونة” أيضاً المدعوم من مكتب المرأة في مجلس مدينة معرة مصرين المحلي يسعى إلى مساعدة ذوات الدخل المحدود والأرامل ليكنَّ معيلات لأسرهن، وغيرها من المشاريع التي تهدُف لتقديم العون للأرامل.
ويقول أبو عامر “ناشط في المجال الإنساني”: “إن معظم المؤسسات التي تقدم خدمات ومشاريع للأرامل غالباً ما تؤدي دوراً محدوداً، إذ لا توجد برامج شاملة للحد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجههن”، وهو ما يفرض على الجميع البحث عن حلول دائمة تضمن حياة لائقة للأرامل وتساعدهن على تربية أطفالهن، وتمنع عنهن الاستغلال، كذلك تغيير الصورة النمطية التي تصنفهن كـ “عبء”، وتمكينهن لنيل استقلالهن المادي والمعنوي.

سلمى محمد