يقضي أبو محمد ساعات من يومه أمام شاشة جواله، وقد حافظ على ربطه بالكهرباء لضمان شحن بطاريته خلال تنقلاته لمتابعة أسعار العملات في أي مكان و تتغير ملامحه مع كل إشعار يأتي من تطبيق dei وهو تطبيق مخصص لـ سوق الأوراق المالية ، ويعتمد عليه عشرات العاملين في هذه المهنة التي لجأ إليها أبو محمد في بيته بعد عجزه عن العثور على فرصة عمل.
“طلع الدولار، نزل، رح يكسر، رح يشفع، حسب الصفحة الفلانية، وهيك قال المحلل الفلاني، سأربح مبلغ جيد، سأخسر خسارة كبيرة”، تتندر زوجته أم محمد وهي تعيد كلماته التي يكررها في كل يوم عشرات المرات.
تصريف العملات ضمن المنازل

يعمل عشرات الشبان في إدلب بتصريف العملات ضمن منازلهم ومبالغ بسيطة استطاعوا توفيرها سابقاً، في حين قرر آخرون بيع مصاغ زوجاتهم أو الاستدانة والمغامرة بدخول هذا السوق عبر تحويل العملة السورية إلى الدولار أو العملة التركية عندما ينخفض سعرها، ثم بيعها عند الارتفاع بمرابح بسيطة، تتكرر هذه العملية مع كل تغير في السوق بهدف جني الأرباح.

يعتمد العاملون في هذه المهنة على برامج التواصل الاجتماعي للحصول على تحليلات بخصوص الوضع الاقتصادي وقراءة تحليلات حول الارتفاع أو الهبوط، وقد تصيب تلك القراءات مرة وتخطأ مرات كثيرة، ومن الصفحات المعروفة “أندرو شاهينك، وسعر الصرف الدولار والذهب في المحرر وتطبيق dei والذي يعتمدون عليه في تحديد سعر الصرف”.

سهولة العمل في هذا المجال والمرابح الكبيرة التي كسبها عاملون في هذه المهنة جذبت عدداً من الأهالي ودفعتهم للمغامرة، دون التفكير بإمكانية تعرضهم للخسارة، في سبيل التخلص من أعمال المياومة والحرف الصعبة التي تحتاج جهداً عضلياً مقابل أجور باتت ضعيفة مقارنة بالغلاء الذي تشهده إدلب.

اشترى سعيد ألف دولار خلال فصل الشتاء بمبلغ ألف وخمسة وأربعين ليرة وباعها عندما تجاوز سعر الدولار ألف ومئة ليرة وبذلك ربح خمسة وستين ألف ليرة خلال ثلاثة أيام، ما شجعه على الاستمرار بهذا العمل وترك عمله الرئيسي على مكبس القرميد، بأجرة لا تتجاوز ثلاثة آلاف في اليوم.

لا ينكر سعيد أنه تعرض لعدة خسارات وصفها بالبسيطة، لكنه مقتنع أن العمل بـ سوق الأوراق المالية يحتمل الربح والخسارة وتعلم أن يرضى بنصيبه.

يمكث العاملون في سوق التصريف أمام محلات الصرافة كي يبيعوا ويشتروا فوراً بأي مربح قد يكسبوه، لأن السعر قد يتغير خلال لحظات قليلة، وعليه أن يبيع فور تغير السعر إذ ترفض محلات الصرافة تثبيت السعر عبر الاتصال الهاتفي وتطالب بالتسليم يداً بيد.

يقول علي نزار (أحد ممتهني الصرافة) “إن السعر الذي يتعامل به الصرافون فيما بينهم يختلف عن السعر الذي يتعاملون به معنا ويحاولون دفع أسعار أقل من السعر النظامي، لذلك اتفقت مع صاحب محل صرافة على التعامل معه بحيث يبيع ويشتري لي من عند بقية للصرافين، مقابل حصوله على نسبة لقاء كل عملية.

الشائعات تترك أثرها على هذه المهنة
يجب على العاملين في هذه المهنة مراقبة شاشة الأسعار بشكل مستمر ما يعرضهم لنوبات من التوتر والقلق، خاصة أن الشائعات تلعب دوراً مهما في هذه المهنة.

يقول محمد السبع “الكلمة تؤثر على عملنا، وينبغي  أن نتحرى الدقة قبل التحرك في السوق”، ويشرح أثر الشائعات على عملهم فيقول “ذات مرة انتشر بين الناس أنه تم إيقاف العمل بالليرة السورية، فسارعت إلى محلات الصرافة  للتخلص من العملة السورية واستبدالها بالدولار أو التركي، لكن في اليوم التالي استمر التعامل بالليرة السورية وارتفعت قيمتها مقابل باقي العملات ما عرضنا لخسارة لم تكن متوقعة”، كما تؤثر التحليلات الاقتصادية التي ينشرها البعض على عملنا مثل الأنباء التي تتحدث عن قيام البنك المركزي بضخ كميات كبيرة من الدولار في الأسواق أو إرسال أحد الدول مساعدة مالية للنظام وغيرها من التحليلات التي تنعكس علينا بشكل سلبي في حال استمعنا لها.

كما ساهم تقلب أسعار العملات بخسائر للعاملين بها بسبب غياب الرؤية الواضحة لواقع السوق وخاصة في الفترة الأخيرة التي وصل فيها سعر صرف الدولار لأكثر من ثلاثة آلاف وسبعمئة ليرة سورية ثم هبوطه من جديد حتى ألف وسبعمئة ليرة، وتخلل تلك الفترة حركات ارتفاع وهبوط متوالية مع غياب أي معيار ثابت للبيع أو الشراء..

يقول سامر بيوش إنه قام  بشراء الدولار بألفين وأربعمئة ليرة سورية ظناً أن العملة بدأت بالانهيار، لكن وفي اليوم التالي نزل سعره، وتابع الانهيار حتى وصل ألفين ومئة فدفعه خوفه للبيع بهذا الرقم لكن بعدها فوراً ارتفع الدولار ليصل إلى ألفين وستمئة وخمسين، ما عرضه لخسارة أكثر من مئتي دولار في يوم واحد.

بينما سمع أبو جمال للتحليلات التي تقول إن تطبيق قانون قيصر سيؤدي لتدهور العملة فقام بشراء سبعمئة دولار في الوقت الذي وصل به السعر لثلاثة آلاف وخمسمئة إلا أنه السعر هبط إلى ما دون ألفين وخمسمئة ما دفعه للتوقف عن المجازفة بعد الخسارة التي يراها كبيرة مقارنة برأس ماله.

خسارات الرجل تنعكس على أهل بيته

يتسبب هذا النوع من العمل بمشاكل نفسية، فعامل الصرافة يركز اهتمامه طيلة اليوم على شاشة الأسعار بعيداً عن أي تواصل ليس له علاقة بعمله، ويراقب الأسعار بقلق وتوتر، خاصة من خاطر وصار يستثمر كل ماله، أو استدان للقيام بهذا العمل.

تروي عفاف دركلت إن زوجها “خسر ذات مرة حوالي ثلاثمئة دولار، إلا أنه حاول أن يكبت حزنه على خسارته أمامها إذ كنت معترضة على عمله، إلا أنه في اليوم التالي مرض وبقي طريح الفراش لمدة أسبوع و خفت شهيته عن الطعام، حينها لم يعد يهمني المال، فقط كنت أريده أن يعود لطبيعته.

وبحسب بعض الزوجات اللواتي يعمل أزواجهن بتصريف الأموال فإن الضغوطات التي يعيشها الرجل تنعكس عليهن أيضاً، وتعرقل حياتهن كما تنعكس على الناس المحيطين بهم، خاصة أن الرجل في حالات التوتر يغضب لأي سبب.

تقول سلمى العوض:”صرت أجيد قراءة سوق العملات من ملامح زوجي التي تكفهر وتنفرج بحسب تغيرات السوق وتختلف طريقة تعامله معي ومع الأولاد بناء على هذه الأسعار”.

بينما هددت منى الحميدي بترك بيتها في حال لم يترك زوجها هذا العمل، إذ تغيرت طباعه بشكل كبير وباتت انفعالاته سريعة وكثيراً ما يضرب الأطفال ويسيء لمن حوله نتيجة الضغوط النفسية التي يعيشها، ناهيك عن انشغاله طوال الوقت في مراقبة الأسعار وقراءة التحليلات.

يرى كثير ممن التقيناهم أن هذه المهنة لا تتناسب مع الجميع وينبغي لمن يود العمل بها أن يعمل ضمن محل بحيث يضمن البيع والشراء الآني ما يمنحه هامش ربح بسيط ويبعده عن شبح الخسارات الكبيرة التي لطالما وقع بها العاملون في سوق الأوراق المالية .