الصورة لسيارات أجرة قرب دوار المحراب في إدلب -إنترنيت
الصورة لسيارات أجرة قرب دوار المحراب في إدلب -إنترنيت

يبحث أبو محمد عن ظل شجرة يحتمي بها مع سيارته “التكسي” في انتظار راكب يوصله إلى مكانه. درجات الحرارة المرتفعة خلال شهر آب منعته من البقاء داخل السيارة، وأجبرته على وضع فوطة على رأسه ورقبته، والتنقل في الشوارع الرئيسية وبين الأزقة والحارات في إدلب بحثاً عن زبون لم يعد مجدياً، لندرة القادرين على تحمل نفقات التنقل عبر سيارة خاصة، والكلفة العالية بعد ارتفاع أسعار المحروقات، إذ وصل سعر البنزين لأربعة ليرات وخمسة عشر قرشاً تركياً، وهو ما أجبر السائقين على رفع أجرة التوصيلة تماشياً مع السعر الجديد.

أسعار الطلبات مرتفعة ولا إمكانية لتركيب العدادات

يبلغ عدد سيارات “التكسي” المسجلة بمديرية نقل إدلب ستمئة سيارة، بحسب “الملازم أول محمد الخضر” مدير إدارة فرع المرور والتي لم تفرض تعرفة ثابته لأجور السيارات العامة خلال السنوات الماضية بسبب تفاوت أسعار المحروقات بين فترة وأخرى.

لكن وبعد تثبيت سعر المحروقات بالليرة التركية يعمل الفرع بالتعاون مع وزارة الإدارة المحلية والاقتصاد على تفعيل لجنة سير خاصة لتحديد أجور سيارات النقل العامة من تكسي وحافلات نقل عامة، وسيتم تحديد الأجور بعد الانتهاء من الدراسة، وعن إمكانية تفعيل عدادات التكسي يقول الخضر: إن تكلفة تفعيلها باهظة من حيث سعر العداد أو ورشات الصيانة المسؤولة لذلك لا يوجد خطة حالياً لإعادة تفعيلها.
تشكّل فرع مرور إدلب الحرة منذ العام ٢٠١٥، وكان عمل سيارات التكسي عشوائياً ومحدوداً في تلك الفترة، ووضع بعض السائقين ممن يمتلكون سيارات خاصة فانوس الأجرة أعلى سياراتهم وبدؤوا العمل ضمن المدينة.

لكن مع ازدياد عدد السكان وحرصاً على تنظيم المهنة وتأمين حماية للأهالي أصدرت مديرية النقل قراراً في تشرين الأول من العام الماضي يقضي بضرورة تسجيل السيارات ضمن فرع المرور وإلزام السيارات العامة باللون الأصفر، مع دفع رسوم سنوية بقيمة خمسة عشر ليرة تركية، وذلك ضماناً لحقوق الركاب ومعرفة رقم السيارة في حال تعرض أحد الركاب لأي مشكلة.

مكاتب السيارات وآلية عمل التكاسي

يتواجد في إدلب اليوم ثلاثة مكاتب للتكسي، في حين أغلقت بقية المكاتب بعد سيطرة المعارضة على المدينة إذ ساهم انتشار الدراجات النارية والسيارات الأوربية بشكل سلبي على عملها.
وعن آلية عمل تلك المكاتب يقول أبو محمد إن المكتب يفرض عمولة محددة مقابلة التعاون مع أصحاب السيارات، إذ يتلقى المكتب اتصالات الزبائن الراغبين بتوصيلة في أي وقت، ويرسل إحدى السيارات المسجلة في مكتبه إلى العنوان المطلوب.

في الوقت ذاته يقول من التقيناهم من المدنيين إن التعامل مع المكاتب يمنح الزبون أماناً أكبر، لأنه يعرف المكتب الذي يتعاون معه وفي حال حصلت مشكلة مع أي سائق فبإمكانه مراجعة المكتب لمعرفة صاحب السيارة.
يخبرنا أبو محمد أن نظام العمل بالعدادات توقف بعد سيطرة فصائل المعارضة على المدينة، وبات كل سائق يتقاضى الأجرة التي تتناسب مع مصروف سيارته.

يأخذ أبو محمد خمس ليرات تركية مقابل توصيلة لا تتجاوز كيلو متراً واحداً، وهذا ما يتفق عليه غالبية السائقين الذين التقيناهم، إذ قدروا أن تكلفة كل واحد كم نحو أربع ليرات تركية ما بين ثم المحروقات وزيت المحرك والمكابح التي تحتاج لتبديل كل فترة، ناهيك عن أجور الصيانة الدورية والتي وضفوها بـ “الباهظة”، إذ يبلغ سعر الإطارات نحو ثلاثمئة وخمسين ليرة تركية، ومثلها للمدخرة في حين يكلف تغيير الزيت نحو مئة ليرة تركية.
من جهته يقول أبو حسن وهو سائق من مدينة إدلب إنه لم يقم بتسجيل سيارته في أي مكتب، ليوفر لنفسه أجور العمولة التي يتقاضاها المكتب وليتمكن من التجول في الشوارع دون أن يشعر أن لديه التزاماً مع أي جهة.
ويرى أبو حسن أن إقبال الناس على ركوب التكسي قل في الآونة الأخيرة، خاصة بعد تبدل العملة وغلاء الأسعار لذلك اقتصرت طلبات الزبائن على الأمور الضرورية فقط.
يتمنى أبو حسن  لو كان يجيد أي عمل آخر ليتخلص من هذه المهنة التي لم تعد قادرة على إعالة عائلته، فالمحروقات المرتفعة والطرقات المحفرة التي ترهق السيارات يأخذان الحصة الأكبر من الغلة.

في الوقت نفسه يقتصر عمل غالب السائقين على الطلبات الداخلية، بسبب امتناعهم عن الذهاب لمناطق خارج إدلب، كعفرين وريفي حلب الشمالي والشرقي، تفادياً لتسجيل سياراتهم هناك ودفع رسوم إضافية بحسب القرارات المعمول بها والتي تمنع تجول أي سيارة لا تحمل أوراقاً صادرة من تلك المناطق.
ويرى من التقيناهم من السائقين أن غياب شركات التأمين يجبر السائق على تحمل نفقات الإصلاح التي يتعرض لها نتيجة أحد الحوادث، إذ غالباً ما يتكفل كل صاحب سيارة بصيانة سيارته، وهذا ما حمّل المهنة أعباءً إضافية انعكست بشكل سلبي على الخدمة المقدمة للمواطن.

الأوضاع المعيشية تمنع المدنيين من استعمال التكاسي

يمارس “محمود” وهو شاب مهجر يعيش في إدلب رياضة المشي بشكل يومي ليوفر على نفسه أجرة التكسي والتي يرى بأنها مرتفعة وقد يتعرض في كثير من الأحيان لاستغلال السائقين نتيجة غياب الضوابط وتحديد الأسعار.

من جانبها تقول “عائشة” إن أجور التكسي مرتفعة مقارنة بالأوضاع المعيشية مع غياب حافلات النقل الداخلي ضمن إدلب، إذ تضطر لدفع ألف وخمسمئة ليرة سورية مقابل كل توصيلة وهو ما تراه مرتفع جداً مقارنة بدخلها.

وتتمنى لو كان بإمكانها قيادة الدراجة النارية لتتخلص من تلك المصاريف والتي تراها في بعض الأوقات محقة مقارنة بأسعار المحروقات وانهيار العملة السورية.

في حين تعتمد نوال وهي طالبة جامعية على باص يتبع لمنظمة بنفسج، ولا تعتمد على سيارات الأجرة إلا إن كانت برفقة أحد ذويها أو صديقاتها، تقول إنها تخاف أن تستقل سيارة خاصة وحيدة.

لكنها ترى في الأسعار التي يتقاضاها أصحاب السيارات حقاً إذا ما قارناه بأسعار الوقود وتكاليف الحياة والمشقة التي يتكبدها السائقون في مختلف الظروف المناخية، وهو ما خالفته به صديقتها شادية والتي قالت “كل خطوة بإدلب بألفين، وما في عدادات” لذلك باتت تعتمد على المشي في غالبية تحركاتها، إذ تفرض الأجرة من قبل السائقين، بحسب مزاجهم، ووفق سياسة “العرض والطلب”، دون وجود آلية واضحة لهذه التسعيرة.
وتقول “رقية” إن بعض السائقين يستغلون الركاب المتواجدين على الطرقات لتحصيل أجور أعلى، حيث طلب أحد السائقين أجرة توصيلة من دوار أطمة لأحد المخيمات القريبة مبلغ أربعة آلاف ليرة سورية، ما دفعها لانتظار أحد باصات النقل العامة ليوصلها مقابل خمسمئة ليرة.

تؤمن سيارات الأجرة مصدر دخل لنحو ألف عائلة في إدلب، وتكمن أهميتها بالنسبة للسكان في الأمور الطارئة والإسعافية، إذ تفتقد المدينة لوسائل نقل عامة وفق جداول زمنية محددة، ولا تغطي مناطق المدينة كافة، ما يجعل وجودها أمراً ضرورياً، لكن مع الحاجة لقرارات تضبط آلية العمل، أهمها وضع أسعار محددة وتفعيل مكتب للشكاوى بما يضمن راحة الأهالي وأمنهم وكذلك تنظيم عمل السائقين وضمان هامش ربح جيد يضمن استمراريتهم في العمل والخدمة.