الصورة لمسبح متنقل -فريق الاستجابة الطارئة التطوعي
الصورة لمسبح متنقل -فريق الاستجابة الطارئة التطوعي

ترتفع درجات الحرارة في الشمال السوري، يرافقها انقطاع تام في التيار الكهربائي، باستثناء “الأمبيرات” لساعات محددة يومياً، وبعض الذين يملكون ألواحاً من الطاقة الشمسية تسعفهم في تشغيل وسائل التبريد كالمراوح والثلاجات للحصول على المياه الباردة، بينما يهرب من لا يمتلكها إلى ظلال أشجار الزيتون طمعاً بنسمة هواء تنعشهم في هذه الجو الحار.

وسعى بعض الأشخاص والفرق التطوعية إلى إقامة مسابح متنقلة، خاصة للأطفال، لمساعدتهم على تحمل درجات الحرارة المرتفعة التي تجاوزت أربعين درجة مئوية، يقول أسعد الخطيب أحد ساكني مخيم باتبو قرب مدينة سرمدا “إن درجات الحرارة في الخيام لا تطاق، أصبحنا نخاف على الأطفال في ظل انعدام وسائل التبريد والتكييف و المرواح بالإضافة لقلة المياه في المخيم بشكل عام، لذا نهرب أغلب أوقاتنا من جحيم الخيام إلى ظلال أشجار الزيتون”

الصورة لمسبح متنقل -فريق الاستجابة الطارئة التطوعي
الصورة لمسبح متنقل -فريق الاستجابة الطارئة التطوعي

ويوجد في المخيم نحو خمسمائة عائلة نازحة أغلبهم من ريف إدلب الجنوبي، يخبرنا الخطيب أنه يخاف على طفليه من ضربة الشمس في هذا الجو، فقماش الخيمة يزيد من حرارة الطقس لدرجة الاختناق، حتى مياه الخزانات في المخيم تغلي من الحرارة.
ويقول طبيب الداخلية “وسيم زكريا ” قد تنجم عن موجة الحرارة بالصيف فقدان السوائل خاصة عند الاطفال وكبار السن، كما يتعرض الشخص لخطر ضربة الشمس، والتي من أعراضها: شعور عام بالضعف وارتفاع شديد في درجة حرارة الجسم التي قد تتجاوز 39.4 درجة مئوية إضافةً لجفاف الجلد واحمراره كما يؤدي لتسرع نبضات القلب والصداع شديد الإغماء
ولتجنب الأعراض السابقة يوصي الطبيب زكريا بعدة نصائح يمكن اتباعها لتبريد جسم الشخص، أهمها تجنب التعرض في أوقات الذروة لحرارة الشمس، والتزام المنزل إضافة لأخذ حمام بارد أو تبليل الشخص لنفسه بالماء مع الحرص على تناول مشروبات باردة باستمرار
هذه التوصيات قد لا تبدو منطقية في المخيم وخاصة الالتزام في خيمة القماش التي لا تغني من حر الشمس، مع انعدام المياه الباردة والعصائر وباقي المشروبات، لذا اجترح العم نهاد النهار “أبو محمد”، الذي يقيم حالياً في مخيم باتبو، حلاً لأطفال المخيم بتحويل شاحنته إلى مسبح صغير للأطفال بعد رفض ملاك الأرض السماح له بإنشائه على أرض المخيم.

يقول أبو محمد إن الفكرة راودته بعد سماعه بتأثر الأطفال من موجات الحر والخوف عليهم، وهو ما دفعه لتحويل صندوق شاحنته الكبيرة المخصص لنقل الأغراض إلى مسبح يصفه بـ “المتواضع” بالقرب من خيمته.

ويخبرنا “النهار” إنه قام بتفصيل شادر كبير بطول ثلاثة أمتار ونصف المترو وبعرض مترين وسبعين سنتيمتراً وضعه داخل الصندوق الخارجي وملأه بالمياه الباردة النظيفة، ليصبح المسبح جاهزاً لاستيعاب أطفال المخيم.
يضحك أبو محمد وهو يخبرنا أن فكرته قوبلت بالاستهزاء من قبل رفاقه في المخيم إلا أنهم أحبوا الفكرة عندما أصبحت على أرض الواقع.
بدا أبو محمد سعيداً أكثر من الأطفال، وقد حقق لهم حلماً لم يتوقعوه في المخيم، بعدما حرموا من أبسط حقوقهم في اللعب كباقي الأطفال، فهم عاشوا أيام الحرب والنزوح منذ ولادتهم

ينظم أبو محمد أدوار السباحة للأطفال بحسب أعمار الأطفال، ويحدد عدداً قليلاً لكل دور، جاعلاً للفتيات الصغيرات نصيباً من السباحة، دون أن يحصل على أي مقابل مادي، يقول “تكفيني فرحة الأطفال ومحبتهم”.

يشير أبو محمد صاحب مبادرة المسبح أنه تكلف عدة مرات أجرة تعبئة المسبح وهي عشرة آلاف ليرة في كل مرة، إلى أن تكفل أحد “أصحاب الخير” حسب ما أخبرنا بثمن عشرة صهاريج، إذ يقوم كل يومين بتغيير المياه حرصاً على نظافة المياه وسلامة الأطفال، ويقوم باستغلال مياه السباحة في ري الأراضي الزراعية وأشجار الزيتون لبعض العائلات قرب المخيم.
توقف “أبو محمد” عن تعبئة المسبح لمدة أسبوع واحد بعد انتشار أول إصابة بفايروس كورونا في الشمال المحرر في التاسع من الشهر الحالي، لكنه عاد لتعبئته بناءً على طلب الأطفال وعائلاتهم لاسيما في موجة الحر هذه الأيام، مع حرصه على تغير المياه بشكل دائم
يقول الدكتور “زهير فجر” إن السباحة آمنة إن توافرت فيها شروط النظافة والتعقيم من فلترة المياه أو تغييرها باستمرار ووضع الكلور فيها بنسب محددة، ولكنها بالوقت نفسه قد تنقل أمراض فطرية وغير فطرية بين الأطفال لذا يجب توخي الحذر وتعقيم المياه جيداً.
ليس بعيداً عن المخيمات في مبادرة أخرى قام “فريق الاستجابة الطارئة” التطوعي بخطوة مماثلة ولكن بشكل موسع وأكثر تنظيماً، وذلك باستخدام مسابح جاهزة من النايلون، كبيرة الحجم، وتستوعب صهريجاً كاملاً من المياه، يتم تعبئتها في المخيمات العشوائية الصغيرة حيث لا يتجاوز العدد 25 خيمة في كل مخيم.

الصورة لمسبح متنقل -فريق الاستجابة الطارئة التطوعي
الصورة لمسبح متنقل -فريق الاستجابة الطارئة التطوعي

ويقول مدير مكتب المشاريع في الفريق “مالك يحيى” لموقع فوكس حلب إن الفكرة جاءت لتبريد حرارة الجو في المخيمات عن طريق توزيع ألواح البوظ والمرواح وتعبئة خزانات المياه للعائلات الموجودة في المخيم، بالإضافة إلى “المسبح المتنقل” الذي لاقى قبولاً وفرحاً كبيراً من قبل الأطفال، مؤكداً أن هذه الخطوة كانت قبل انتشار وباء كورونا، ليكتفي الفريق بعدها بتوزيع المياه والألعاب على الأطفال بدلاً من المسبح حرصاً على سلامتهم وكانت هذه المبادرة ضمن حملة واحدة وبتكلفة 200 دولار في كل مرة، وتم استهداف حوالي أربعمائة طفل في عدة مخيمات بالإضافة لمئتي طفل يتيم في أحد المخيمات.

لاقت الفكرة قبولاً من عدة فرق في محاولة لتكرار التجربة، غير أن انتشار فايروس كورونا قد حال دون تنفيذها كما أخبرتنا ثراء عبد الله من فريق” أيادي العطاء ” في مخيم ضياء2، وهذا ما يفضله الدكتور “عبد الرؤوف حاج يوسف” اختصاص صدرية وهو إلغاء فكرة المسابح بشكل عام والمتنقلة بشكل خاص، بعد إصابة عدة حالات من الأشخاص بفايروس كورونا لأن تلك المسابح تفتقد لشروط السلامة والنظافة بسبب طبيعة المخيمات المزدحمة وصعوبة تطبيق التباعد الاجتماعي بشكل كامل سواء للأطفال أو الكبار.