الصورة لواحد من المخيمات السورية في لبنان -إنترنيت
الصورة لواحد من المخيمات السورية في لبنان -إنترنيت

تثقل إجراءات الولادة وتسجيل المواليد كاهل اللاجئين السوريين في لبنان، فتكاليف مراقبة الحمل وأسعار الأدوية والفيتامينات وأجور الولادة مرتفعة، إضافة إلى صعوبة تسجيل الولادة والتكاليف المرتبطة بها، واستحالتها في بعض الحالات بسبب العراقيل الإدارية.

فواتير المستشفيات ورسوم الولادة ترهق اللاجئين
تعتمد المشافي اللبنانية نظام دفع التكاليف قبل إجراء الولادة، كما تفرض دفع مبلغ تأميني في حال مكوث المولود أو أمه لسبب صحي بعد الولادة.

أجبر خالد الأحمد وهو “لاجئ سوري” على دفع مبلغ مليون ومئتي ألف لمستشفى الراعي التخصصي مقابل قيامهم بتوليد زوجته، وهو ما يعادل أجرة عمل شهرين لعامل يومي، بذريعة أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لا تغطي تكاليف الولادة الأولى للعائلة وتغطي الولادات الأخرى بنسبة 75% سواء طبيعية أو قيصرية.
دفع الأحمد ستمئة ألف وترك زوجته في المشفى وذهب لتأمين المبلغ المتبقي من بعض الأقرباء والأصدقاء والجمعيات الخيرية في حين تعاطفت معهم الطبيبة النسائية وقدمت ضمانة خطية  للمشفى تتكفل بسداد الأجور في حال لم يدفعها خالد ليسمح لها إجراء العملية.
تقول أم خالد إن المشفى طلب بعد الولادة مبلغ مليوني ليرة لبنانية، من أجل وضع الطفل في الحضانة ” الكوفاز”، لأنه يعاني من نقص أكسجة ويجب أن يتلقى الرعاية لمدة أسبوع على الأقل، علماً أن المفوضية تغطي هذه الحالات بنسبة تتراوح بين 70 إلى 80 %، شريطة إضافة الطفل إلى ملف اللجوء الخاص بالعائلة وفق ما أخبرها به موظف الأمم في المستشفى.

بدروه يرى عبد المحسن جابر “لاجئ سوري” أن تكاليف الولادة وما بعدها في المستشفيات العامة والخاصة مرتفعة قياساً للقدرات الماديّة للاجئين، حتى وإن تفاوتت الأرقام بينها.
خضعت زوجة الجابر لعملية ولادة قيصرية في المشفى الحكومي بمدينة صيدا، دفع أربعمئة وخمسة عشر ألف ليرة بينما تكفلت المفوضية بدفع أربعمئة وخمسة وثمانين ألف ليرة.

بعملية حسابيّة بسيطة نجد أن المبلغ الكلّي تسعمائة ألف، ونسبة خالد من الدفع 46% ونسبة المفوضيّة 54%، وهذا يخالف ما تروّجه المستشفيات أن المفوضية تدفع 75% واللاجئ25%. 

وعن حالات ما بعد الولادة يخبرنا عبد المحسن أن ابنته وضعت في الحضّانة بسبب مرض التهاب الكبد الوبائي “أبو صفار” مدّة ثمانية أيام، حيث بلغت الفاتورة ثلاث ملايين ليرة، تكفّلت المفوضيّة بدفع مليونين ومئة وأربعين ألف، ويجب عليه دفع ثمانمائة وستون ألف، يقول “عبد المحسن” بدت التكلفة خارج نطاق استطاعتي أخبرت مدير المشفى أنني غير قادر على الدفع، فامتنع المشفى عن منحه إفادة الولادة قبل الدفع.

في حزيران عام 2017 أفاد موقع “أورينت نت ” أن سيّدة سوريّة أنجبت طفلها على باب مشفى سيدة لبنان الخاص، بعد منعها من الدخول لعدم امتلاكها مصاريف عمليّة الولادة، الأمر الذي لاقى استغراباً وامتعاضاً لدى اللاجئين السوريين، نظراً للمسافة القريبة بين غرفة الولادة والمكان الذي أنجبت فيه المرأة.

نشرت المفوضيّة التحديثات الأخيرة لأسعار الولادة “قيصريّة وطبيعيّة” على صفحتها الخاصة في شباط 2019، في المشافي العامّة والخاصّة، وبمجرد الاطّلاع نجد أن الأسعار في المشافي الحكوميّة لا تختلف عن الخاصّة بل على العكس، نجد من يفوقها سعراً كمستشفى رفيق الحريري الحكومي الذي يتقدم بالسعر على كثير من المشافي الخاصة، فمثلاً تكلفة القيصرية فيه ضعف مشفى عين وزين الخاص.

مخاوف من التغيير الديموغرافي عند بعض اللبنانيين

أفادت المفوضيّة السامية لشؤون اللاجئين في آخر بيان لها في حزيران 2019 إلى ولادة مئة وثمانية وثمانين ألف طفل سوري على الأراضي اللبنانية من كانون الثاني 2011 حتى تاريخ البيان، الأمر الذي جعل الإعلام اللبناني يسلط الضوء على هذه الناحية بشكل مكثف، حيث أشار تقرير إعلامي بثته إحدى القنوات التلفزيونية اللبنانيّة، بحسب موقع “لبنان 24″، إلى أنّ الولادات اللبنانية  بلغت اثنتان وستين ألفاً عام 2017، فيما بلغت لدى اللاجئين اثنتان وأربعين ألفاً، وحذّر التقرير من ارتفاع النسبة عام 2018 ببلوغها تسعة وستين ألف ولادة لدى اللبنانيين، مقابل تسعة وأربعين ألف ولادة سورية، وبحسب “لبنان 24”  هناك مبالغة بالهلع بمقارنة الأعداد السورية واللبنانية، وأنّ هذه التقارير تأتي ضمن حملة ممنهجة للتحريض على السوريين.

وفي السياق نفسه في أوائل 2019 صرّح رئيس التيّار الوطني الحر ووزير الخارجية وقتها جبران باسيل، في جلسة مجلس الوزراء بحسب موقع “ليبانون ديبايت” أن عدد الولادات أكثر من مئة وثمانية وثمانين ألفاً بكثير، وأن عدّاد الولادات السورية مرعب، علماً ستة وعشرين ألف ملف ولادة من أصل مئة وثمانية وثمانين ألف ولادة هي من سجلت في الخارجية، حسب إحصائيات المفوضية، وهذا بحد ذاته قنبلة اجتماعيّة موقوتة بحسب تعبيره.

يعتبر بعض المسؤولين في التيار الوطني الحر وغيره أن حالة الهلع الديمغرافي وهاجس التوطين أمر مشروع عرقياً وطائفياً، خاصة أنّ نسبة مكتومي القيد أكثر من 70 % والقانون اللبناني يعطي الحق لمكتوم القيد بالمطالبة بالجنسيّة وفق بعض الشروط والآليّات.
آليّة تسجيل الولادات

تمنح الحكومة اللبنانية مهلة عام واحد للاجئ لتسجيل ولده، وإلا سيضطر لرفع دعوى أمام القضاء المدني، مرفقة بإفادة من الأمن العام، وفحص الحمض النووي على نفقته الخاصة من مستشفى بيروت الحكومي فقط، وكانت الحكومة قد أقرت قانوناً يقضي بتعديل آلية تسجيل الولادات السورية في شباط ٢٠١٩، تعفيهم منه من مهلة السنة، إلا أن هذه مهلة الإعفاء قد انقضت حالياً.

وأشارت المفوضيّة في صفحتها الخاصة على الانترنيت، أنه يجب اتخاذ إجراءات فوريّة لتسجيل ولادة الطفل لدى السلطات اللبنانيّة في أسرع وقت وفق خطوات تبدأ بالحصول على شهادة ولادة لبنانيّة من الطبيب المختص أو من المشفى أو القابلة القانونيّة، ثم الحصول على وثيقة ولادة موقعة من أحد مخاتير المنطقة التي ولد فيها الطفل، ثم تسجيل وثيقة الولادة في دائرة الأحوال الشخصيّة، ليليها تسجيل الوثيقة لدى دائرة وقوعات الأجانب على مستوى المحافظة “كل شخص غير لبناني يولد في لبنان يسجل لدى وزارة الخارجية كأجنبي”، ولن تعتبر السلطات اللبنانية التسجيل كاملاً حتى إكمال هذه الخطوة.

من ناحية أخرى يرى بعض من التقيناهم من اللاجئين أن القرار جيد، لكنه لا يخدم فئات كثيرة منهم خاصّة أنه محدود المدة “لسنة فقط”،

فلا زالت العراقيل والعقبات الإدارية موجودة ما يمنع اللاجئ من إكمال عملية التسجيل، كالكلفة العالية للقضاء وإجراء فحص الحمض النووي، وفقدان الأهل لأوراقهم الثبوتية جراء الحرب، وصعوبة الاستحصال على أوراق جديدة، ودخول بعض اللاجئين بصورة غير شرعية، ناهيك عن أنّ 70% من اللاجئين بدون إقامات قانونية “بحسب المفوضيّة”، فقانونيّة الأوراق مطلوبة في الخطوة الرابعة.
فاطمة إحدى اللاجئات التي ولّدتها  قابلة سورية في مخيم تعلبايا في البقاع، وهي واحدة من نساء كثيرات لم تتمكن من تسجيل أولادهن، فالقانون اللبناني الصادر عام 1970 المتعلق بالقبالة يلزم أن تكون جنسية القابلة لبنانية، إضافة إلى حيازتها على شهادة قبالة من جامعة حكومية أو مدرسة قبالة أو جامعة معترف بها في لبنان، كما يشترط أن تملك شهادة مزاولة مهنة حسب المادة 5 و13 من القانون، ودون هذه الشروط لا يحق لأي قابلة إعطاء إفادة ولادة، ما حرم كثير من النساء السوريات حق تسجيل أولادهن لأن إفادة الولادة شرط أساسي للتسجيل.

التسجيل في السفارة آخر الخطوات وأخطرها

لا يكتمل تسجيل الولادات فعلياً دون تثبيت الولادة في السفارة السوريّة، الأمر الذي شكل تحدياً جديداً أمام اللاجئين، فالتسجيل إلزامي قبل مضي شهرين على الولادة، و إلّا ستترتّب عليه غرامات إضافيّة إن انقضت المدّة، خمسون دولاراً بعد الشهرين ومئة دولار بعد مضي سنة”، ما عدا رسوم التسجيل “خمسة وعشرين دولاراً”، إضافة إلى شرعية أوراق الأب والأم (يتطلب الحصول على هذه الأوراق دفع مبالغ مالية كبيرة سنوياً لتجديد الإقامة للأمن العام اللبناني، كذلك استخراج أوراق جديدة بدل التالفة كجوازات السفر أو الهويات الشخصية وإخراجات القيد)، هذه الشروط حالت دون تسجيل قسم كبير من السوريين في سفارة بلادهم، ما يحرمهم من الحصول على أوراق ثبوتية فيما بعد “كإخراج قيد أو هويّة”، أو التصريح بهويتهم أثناء العودة الأمر الذي قد يحرمهم من دخول سورية برفقة ذويهم.

في حين يرى بعض من تحدثنا معهم أن دخول السفارة يتسبب لهم بمخاطر عديدة، فأغلبهم مطلوب للخدمة الإلزاميّة أو الاحتياط أو لأسباب أمنية، ولا توجد أي تطمينات أو ضمانات من المفوضيّة أو السلطات اللبنانيّة بعدم التعرّض لهم.

كما يتحدث بعضهم عن مبالغ مالية كبيرة بالدولار تدفع للسفارة السورية سنوياً، وتصل إلى ملايين الدولارات، للتسجيل أو تصديق الشهادات وجوازات السفر وغيرها من الأوراق الثبوتية، رغم وجودهم كلاجئين يهرب معظمهم من بطش النظام السوري والملاحقة الأمنية، في الوقت الذي يطلب منهم دفع “الدولارات” لمن يقتلهم.

محمد كنعان