تعرض حسام لغارة جوية، قبل عامين، كانت سبباً في بتر رجله من أعلى الفخذ، تعافى حسام من آلام البتر، لكن الأوجاع النفسية التي تتسبب بها نظرة المجتمع لهذه الفئة من الناس باتت الألم الأكبر الذي يعاني منه.
يسعى حسام لتأمين مستلزماته بنفسه، لكن مشيته على عكازين والفراغ الذي شكله فقدان القدم اليسرى، يلفت أنظار الناس أثناء مشيته لتتبعه نظرات الاستغراب الممزوجة بالشفقة، وأثناء تنقله يقع على مسمعه عبارة من حوار بين شابين “ما بتخاف الله يعملك متلو”. يتعجب حسام من نظرة الناس فقد تكيف مع إصابته إلا أنهم لم يتكيفوا معه بعد، وما إن يراه بعضهم حتى يتمتم بألفاظ الحوقلة وتتبدل معالم وجهه.
حالة حسام واحدة من عشرات الحالات التي تعرضت لحوادث بتر أدت لدخولها في سلسلة من الصعوبات قد يبدو أقساها تقبل الوسط المحيط.

يرافق فاقد الطرف مجموعة من الأحداث بعد عملية البتر، تبدأ بـ الآلام الجسدية التي تلي العملية، ثم قد يتبعها صدمة نفسية قد تبقى طويلاً عند البعض قبل الاعتياد على وضعهم الجديد، بينما يستسلم آخرون للكآبة. يعقب ذلك موجة من نظرات الشفقة التي تلاحقه من مكان لآخر سواء في العمل أو في الحي الذي يسكنه، بجانب عبارات الاستعطاف مثل “خطي، ويا حرام”، مع مسميات جديدة تطلق عليه وقد تشكل لاحقة لاسمه مثل (أبو رجل مقطوعة، أبو يد مقطوعة)، كل ذلك من شأنه أن يشعل في نفس فاقد الطرف شعوراً بالاختلاف عن البقية، بحسب من التقيناهم.

الزواج والعمل رحلة شاقة عند المصابين
ترفض كثير من العائلات تزويج بناتها لفاقد الطرف، خوفاً من أن تترك الإصابة آثاراً سلبية على حياة بناتهم بعد الزواج سواءً من الناحية المادية أو المعنوية، كما رصدنا بعض حالات الطلاق عند الأزواج بعد تعرض أحد الزوجين لحادثة بتر.

تجاهلت والدة حسام أسئلته المتكررة عن خطيبته أثناء وجوده في المستشفى، لكنه عرف الحقيقة بعد أن عاد للمنزل إذ وجد خاتم الخطوبة مرفقاً مع الهدايا التي جلبها لخطيبته في غرفته، ما يعني أنها تخلت عنه ووجد نفسه مضطراً لمحادثة والدها ليرمي عليها يمين الطلاق.

أبو عبدو (35) عاماً من ريف حماة الشمالي  حالة أخرى تمثل معاناة بعض الأزواج بعد تعرضه للبتر، يقول : قُطعت رجلي من تحت الركبة في إحدى المعارك، فتركتني زوجتي غير مكترثة بأولادنا الثلاثة.
طالت رحلة أبو عبدو بالعثور على زوجة جديدة فقد رفضه كل من تقدم لهن، ويروي إحدى القصص المؤلمة التي تركت أثراً في نفسه فيقول: زرت إحدى العائلات بقصد الخطبة، وانتظرت وقتاً طويلاً ولم تدخل الخطيبة لأتمكن من رؤيتها حسب التقاليد والأعراف المتبعة، وبعد أكثر من ساعة سمعت صوتاً حاداً يقول :”ما كان ناقصني غير أتزوج شخص رجله مقطوعة” ما دفعني للانسحاب ومغادرة المنزل.

في الوقت نفسه تقبل كثير من الفتيات بالزواج من فاقد الطرف، تقول راوية الأحمد “زوجة مصاب”: “عندما تقدم زوجي لخطبتي وكانت رجله مقطوعة، لم أنظر إليها إطلاقاً، وإنما لفت انتباهي سمعته، وشهادة الهندسة التي يحملها، فتزوجنا وأنجبنا أطفالاً ونعيش حياة جيدة”.

يعاني المصابون من صعوبة في العثور على عمل، خاصة إذا لم ينل المصاب شهادة جامعية، أولم يتقن إحدى المهن الحرة. فقد حسام عمله في السوبر ماركت بعد إصابته لأن صاحب العمل طالبه بالرحيل، ما دفعه لحضور دورات تدريبية ساعدته في تنمية مهاراته ليتمكن مؤخراً من الحصول على فرصة عمل بأجر أفضل بكثير من أجر السوبر ماركت.

الآثار السلبية التي يتعرض لها فاقد الطرف

يقول براء الجمعة (أخصائي نفسي عيادي) إن الآثار السلبية التي تتركها حالة بتر الأطراف تكون أشد تأثيراً من باقي الإصابات، لأن المريض فقد جزءً من أعضاء جسده، إضافة إلى فقدان صورة الكمال لذاته، لذلك تميل تلك الفئة للعزلة، وتمتنع عن الظهور أمام الناس، ومن ضمن ردود الفعل التي قد ترافقه (الإنكار، العزلة ، انخفاض تقدير الذات، الغضب، عدم التقبل، انخفاض الثقة بقدراته، اللامبالاة وعدم الاهتمام بمظهره، بجانب ذلك تصبح الاعتمادية النفسية لديه أكثر من الجسدية، كونه فقد بعض طاقته، ناهيك عن “الألم الشبحي” وهو أمر طبيعي يشعر به بعد البتر بستة أشهر تقريباً، ويعني استمرار شعوره بالطرف المبتور، وما يزيد من هذا الشعور واستمراريته هو عدم تقبله بوضعه الجديد”. ويضيف:” تتكون العزلة من خلال تأثير نظرة المجتمع لذوي البتر بأنه أصبح عاجزاً عن أداء مهامه، وأصبح غير لائق لأي عمل”.

وعن الحلول اللازمة لكسر الصورة النمطية المصاحبة لأصحاب البتر يقول الجمعة ” نحتاج لوعي مجتمعي بالدرجة الأولى، إضافة لتدريب العاملين في مجال البتر على كيفية التعامل السليم مع المصابين. وتنمية المهارات الحرفية لديهم، والعمل على دمجهم معرفياً و حرفياً و نفسياً مع محيطهم كي يصبحوا أشخاصاً فاعلين ومنتجين”.

دور مراكز الأطراف الصناعية
تلعب مراكز الأطراف الصناعية دوراً بارزاً في تأهيل أصحاب حالات البتر جسدياً ونفسياً، وتساعدهم بالعودة لممارسة حياتهم بشكل طبيعي، لكن ذلك يختلف من حالة لأخرى، يقول غزال هلال (تقني أطراف صناعية في مركز الخطوات السعيدة): ” نقوم بتركيب الأطراف لجميع حالات البتر، لكن الفرق يكمن في نسبة استعادته لحياته الطبيعية”، ويشرح “الهلال” هذه المسألة عبر إيراد عدة أمثلة “بتر تحت الركبة، يعود لحياته الطبيعية نسبة 90%، بتر فوق الركبة بنسبة 50 أو 60 %، إذا كان البتر فوق الركبة قصير يعود بنسبة 40%، إذا كان لدى المصاب بترين فوق الركبة يعود بنسبة 20%، إذا كان لديه بتر طرفين فوق الركبة والجذمور قصير يعود بنسبة 20%، إذ يحدد نوع البتر وطول الجذمور وعظم الفخذ نسبة نجاح الطرف، وعودة فاقد الطرف لحياته الطبيعية”.

وهناك حالات لا تستفيد من الطرف الصناعي وإنما تحتاج لطرف إلكتروني “ذكي” مثل حالات البتر من الورك والتي تعتبر حالة حسام واحدة منها، وتصل تكلفة هذا الطرف إلى ثلاثين ألف دولار ما منع حسام من تركيبه.

يتواجد في مناطق المعارضة عدة مراكز تعمل بمجال الأطراف الصناعية مثل مركز خطوة أمل في إعزاز، والمشروع الوطني للأطراف الصناعية في إدلب والباب، ومركز سواسية في عفرين، مع مركز الخطوات السعيدة في إعزاز، ومركز الساير في  الباب، ومركز PALS في إدلب.
قدم مركز خطوة أمل في فرعيه إعزاز وكلس  منذ عام 2013 حتى اليوم ألف وسبعمئة وخمسة وخمسين طرفاً سفلياً ومئتين وأربعة وستين طرفاً علوياً وألف ومئة وثمانية مقومات، بحسب الدكتور علي سرحان مدير المركز، ومن الخدمات التي يقدمها : تركيب وصيانة الأطراف الصناعية والمقومات مع استشارات العلاج الفيزيائي التي يقدمها طبيب مختص،  ناهيك عن تقديم المساعدات الحركية، وجلسات العلاج الفيزيائي.

في الوقت نفسه عمل مركز بلسم على تنفيذ خمسمئة حالة صيانة وتركيب لأطراف سفلية وردت إليه، بحسب فادي عبد الخالق (مدير المركز)، في حين لم يتمكن من الاستجابة لثلاثمئة حالة كانت بالانتظار بسبب عدم توفر الإمكانيات وتوقف الدعم عن مركزهم.

تمكن عشرات المصابين في إدلب من تجاوز معاناتهم وانطلقوا بحياتهم من جديد غير مكترثين بنظرات المجتمع المحيط، فحسام يستيقظ كل صباح ويذهب إلى عمله، ليؤدي واجباته على أكمل وجه، ثم يعود إلى المنزل، فيساعد أمه بواجباتها. دون أن يجد أي صعوبة تعترضه خلال يومه. كما يتابع مهند عمله في محله الصغير لبيع المحروقات محاولاً تلبية طلبات الزبائن بيده اليسرى دون إظهار أي ضعف. أما شادي فقد حصل على الطرف الصناعي وعاد للمشي من جديد وتمكن من قيادة الدراجة النارية بينما تنزل ربيعة من الباص متجهة إلى المدرسة التي تعمل بها، مستندةً على عكازين ومتجاهلةً نظرات الناس لأن تصميمها على الحياة أقوى من شفقتهم.